قضايا
محمود هدهودأمريكا وإسرائيل: من التردد إلى التحالف الاستراتيجي.. قراءة في تاريخ العلاقات (سلسلة)
2026.08.22
عندما فضلت أمريكا العرب على إسرائيل:
آيزنهاور.. ومولد العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية
خلال النصف الأول من الخمسينات، نظر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور، ووزير خارجيته جون فوستر دالاس إلى السياسة الدولية من خلال صراع ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ولم يكن من الآمن، وفق هذا التَّصوُّر، التَّعامل مع الأزمات المحلية باعتبارها محليةً خالصةً، لأنَّ أي اضطراب في أي مكان قد يتيح لموسكو فرصةً لتوسيع نفوذها. وكان الشرق الأوسط مهمًّا بصورة خاصة؛ بسبب موقعه بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وموارده النفطية، وقيمته العسكرية المحتملة في حال اندلاع حرب عامة مع الاتحاد السوفييتي.
لذلك سعت الإدارة إلى بناء نظام أمني إقليمي لاحتواء الاتحاد السوفييتي، وكان من المفترض أنْ تشارك تركيا وباكستان والعراق ومصر ودول إقليمية أخرى في شبكة من التَّحالفات المرتبطة بالدفاع الغربي.
وبدأ العراق يتلقى مساعدات عسكرية أمريكية عام 1954، بينما مثّل حلف بغداد جزءًا من محاولة أوسع لإقامة حاجز شمالي في مواجهة الاختراق السوفييتي.
ظهرت إسرائيل في هذا التَّصور باعتبارها مشكلة، فقد أكدت الحكومات العربية لواشنطن مرارًا أنَّها ترى إسرائيل، وليس الاتحاد السوفييتي، باعتبارها «الخطر المباشر عليها». ولم تكن مستعدة للانضمام إلى ترتيبات دفاعية برعاية غربية في ظلِّ استمرار الصراع العربي- الإسرائيلي، وفي وقت بدت فيه الولايات المتحدة شديدة الارتباط بإسرائيل. ولذلك خلص آيزنهاور ودالاس إلى أنَّ تحسين العلاقات مع العالم العربي يتطلب إبعاد السياسة الأمريكية عن إسرائيل، وإظهار أنَّ السياسة الخارجية الأمريكية لن تخضع للضغط الصهيوني، أو اليهودي داخل الولايات المتحدة.
في هذا الإطار، طالبت واشنطن إسرائيل بتقديم تنازلات إقليمية، والحدِّ من سياسة العمليات الانتقامية ضدَّ الدول العربية المجاورة أو التَّخلي عنها، والموافقة على عودة عدد من اللاجئين الفلسطينيين.
غير أنَّ هذه المطالب لم تكن مصحوبةً عادةً بضمانات أمنية أمريكية ذات شأن، أو بتسليم أسلحة، أو بحوافز كبيرة أخرى، فقد كانت الإدارة تتوقَّع من إسرائيل أنْ تُعدِّل سياساتها الأساسية أولًا، ثم يمكن بعد ذلك أنْ تحصل على ضمانات أمريكية في سياق تسوية سلام شاملة.
وكان المسؤولون الأمريكيون يأملون في البداية أنْ تصبح مصر محورًا رئيسيًّا في النظام الإقليمي الغربي، لكن جمال عبد الناصر رفض التَّحالفات الغربية الرسمية، وتمسَّك بالاستقلال القومي و«الحياد الإيجابي»، لكن الإدارة ظلت لسنوات عدة تعتقد أنَّه يمكن اجتذابه نحو الغرب.
وقدَّمت واشنطن مساعدات اقتصادية، وشجَّعت على تسوية النزاع المصري- البريطاني حول الوجود البريطاني في منطقة قناة السويس، وبحثت إمكانية تقديم مساعدات عسكرية، غير أنَّ ناصر رفض التَّرتيبات التي تقتضي وجود بعثة عسكرية أمريكية في مصر، لأنَّه رأى فيها انتقاصًا من الاستقلال المصري.
وفي إطار هذه الاستراتيجية ظلَّت الاحتياجات العسكرية الإسرائيلية أمرًا ثانويًّا. فقد رفضت الإدارة مرارًا طلبات إسرائيل للحصول على أسلحة أمريكية، كما رفضت تقديم الضمان الأمني الرسمي الذي طالبت به إسرائيل.
وحصلت إسرائيل على مساعدات اقتصادية وفنية، لكن واشنطن استبعدتها من برامج كان من شأن مشاركتها فيها أنْ توحي بوجود علاقة استراتيجية. وكان المسؤولون الأمريكيون يرون أنَّ تسليح إسرائيل قد ينفر العالم العربي، ويهدِّد المصالح النفطية الغربية، ويشجِّع الاختراق السوفييتي، ويقوِّض التَّحالف الإقليمي الذي أرادوا بناءه.
كما ظلَّ لدى الإدارة قدر من الارتياب تجاه إسرائيل ذاتها؛ بسبب التَّوجهات الاشتراكية لدى اليهود عمومًا، ولدى المستوطنين الإسرائيليِّين في الكيبوتسات، والتزام إسرائيل الحيادية خلال السنوات الأولى للحرب الباردة، رغم أنَّ إسرائيل اتَّجهت بوضوح أكبر نحو الولايات المتحدة بعد الحرب الكورية. وحتى القرارات الإسرائيلية المؤيدة لواشنطن في بعض القضايا الدولية المثيرة للجدل لم تكن كافيةً في البداية لتغيير الحسابات الإقليمية الأمريكية.
الخلاف الأمريكي- الإسرائيلي
تمحور الخلاف الأمريكي- الإسرائيلي حول السؤال المتعلق بما يتعيَّن على إسرائيل فعله لتسهيل تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي.
اعتقدت واشنطن أنَّ التَّنازلات الإسرائيلية أحادية الجانب يمكن أنْ تخفِّفَ المخاوف العربية، وتخلق مناخًا ملائمًا للمفاوضات. أما إسرائيل، فأصرَّت على أنَّ التَّنازلات لا يمكن أنْ تحدث إلا في إطار مساومة متبادلة.
وقد عبَّر رئيس الوزراء الثاني في تاريخ إسرائيل موشيه شاريت (تولى خلال فترة انسحاب بن جوريون بين عامَي ١٩٥٣ و١٩٥٥) بوضوح عن هذا الموقف في محادثاته مع المسؤولين الأمريكِّيين، مؤكدًا أنَّ إسرائيل لن تتخلى عن أراضٍ لمجرد الأمل في أنْ ترد الحكومات العربية بالمثل لاحقًا، لكن يمكن مناقشة تعديلات إقليمية ضمن عملية متزامنة من الأخذ والعطاء، لا تضحيات إسرائيلية مسبقة تستهدف إثبات حُسن النية.
وانطبق الخلاف نفسه على قضية اللاجئين الفلسطينيِّين؛ فقد ضغط المسؤولون الأمريكيون باستمرار على إسرائيل للقبول بعودة جزء من اللاجئين، معتبرين أنَّ التَّحرُّك في هذا الملف ضروري لتخفيف العداء العربي.
أما القادة الإسرائيليون، فاعتبروا أنَّ قبول مبدأ العودة الواسعة يمكن أنْ يهدِّد الطابع اليهودي للدولة وأمنها؛ ولذلك كانت إسرائيل أكثر استعدادًا لمناقشة التَّعويض وإعادة التَّوطين من قبول عودة أعداد كبيرة من العرب الفلسطينيِّين.
وأصبحت الهجرة اليهودية كذلك موضوعًا للخلاف، فقد قبل مسؤولون أمريكيون الحجة العربية القائلة إنَّ استمرار الهجرة اليهودية بلا حدود قد يؤدي في النهاية إلى توسع إسرائيلي لأنَّ الدولة ستحتاج إلى مساحات إضافية لاستيعاب تزايد السكان. واقترح مساعد وزير الخارجية الأمريكي، هنري بايرود، علنًا أنْ تعيد إسرائيل النظر في سياسة الهجرة وأنْ تندمج بصورة أكبر في الشرق الأوسط بدلًا من أنْ تعمل باعتبارها مركزًا لليهود في أنحاء العالم.
ورأى القادة الإسرائيليون أنَّ مثل هذه المطالب تمسُّ أحد الأغراض الجوهرية للصهيونية، فبعد حرمان اليهود الأوروبيِّين من الملاذ خلال الحقبة النازية، أصبح الحفاظ على إسرائيل باعتبارها ملجأ مفتوحًا لليهود المضطهدين مبدأ أساسيًّا من مبادئ الدولة، ولم يكن من السهل أنْ تدفعها الضغوط الأمريكية إلى التَّخلي عنه.
تبلورت المخاوف الأمريكية في «خطة ألفا» سنة ١٩٥٥ التي وُضعت بالتعاون مع بريطانيا في محاولة للتَّوصُّل إلى تسوية عربية- إسرائيلية.
تضمَّنت الخطة تنازلات إقليمية إسرائيلية في النقب، بحيث تُقتطع منطقتان مثلثتان تسمحان بإقامة اتصال جغرافي بين مصر والأردن مع إبقاء منفذ إسرائيل إلى إيلات.
وكانت واشنطن تأمل أنْ تؤدي مبادرة إقليمية من إسرائيل بتلبية مطالب عربية مهمة إلى فتح الباب أمام تسوية أوسع، لكن إسرائيل رفضت الاقتراح، واعتبر بن جوريون الذي عاد إلى السلطة في ذلك الوقت أنَّ النقب ضروري لمستقبل إسرائيل وقدرتها على البقاء، ورأى أنَّ التَّنازلات أحادية الجانب بالغة الخطورة. وكانت إسرائيل مستعدة لبحث تعديلات حدودية متفق عليها ضمن اتفاق سلام حقيقي، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن أراضٍ استراتيجية مقدمًا. كما لم تغيِّر الإشارات الأمريكية إلى إمكانية توفير ضمانات أمنية دولية لإسرائيل لاحقًا هذا القرار، لأنَّ تلك الضمانات كانت غامضةً ولن تأتي إلا بعد أنْ تكون إسرائيل قد تخلَّت بالفعل عن الأرض.
فشلت «خطة ألفا» كذلك في إرضاء مصر، إذ تجاوزت المطالب المصرية ما عرضته الخطة، وهكذا اكتشفت واشنطن أنَّ الضغط على إسرائيل لا يؤدي تلقائيًّا إلى تعاون عربي. وانكشفت لاواقعية الافتراض القائل إنَّ تقديم إسرائيل تنازلًا سيؤدي وحده إلى فتح الطريق أمام تسوية شاملة.
أما «مبادرة جاما»، التي قادها روبرت أندرسون، مبعوث آيزنهاور إلى الشرق الأوسط، فكانت محاولةً أخرى لتقريب المواقف المصرية والإسرائيلية.
تنقَّل أندرسون بين ناصر وبن غوريون محاولًا التَّمهيد لمفاوضات مباشرة، وتمسَّكت إسرائيل بأنْ تكون خطوط الهدنة القائمة أساسًا للسلام، وأنِّ أي تنازلات جوهرية يجب أنْ تجري من خلال مفاوضات مباشرة. أما ناصر فرفض التَّفاوض المباشر، وطالب بتغييرات لمصلحة الجانب العربي إلى جانب تَقدُّم في قضية اللاجئين. وهكذا فشلت المبادرة.
شكَّلت سياسة الانتقام العسكري مجالًا آخر للصدام؛ فقد واجهت إسرائيل عمليات فدائية في السنوات التَّالية على النكبة، وواجهتها بعقيدة تقوم على شنِّ عمليات انتقامية عقابية لفرض تكلفة على الحكومات التي حمَّلتها المسؤولية عن دعم تلك الحركات، وفي هذا الإطار جاءت الغارات الإسرائيلية الدموية على غزة التي أطلقت عليها إسرائيل عملية «السهم الأسود» في فبراير ١٩٥٥ لتقتل نحو ٣٨ جنديًا مصريًّا. واعتبرت واشنطن أنَّ حجم الردِّ الإسرائيلي غير متناسب، وخشيت أنْ تؤدي العمليات الانتقامية إلى حرب عربية- إسرائيلية عامة يمكن للاتحاد السوفييتي استغلالها.
وأصبحت الغارة الإسرائيلية على قرية قبيا في أكتوبر ١٩٥٣، نموذجًا بارزًا لهذا الصدام.
جاءت الغارة بعد هجوم على مستوطنة صهيونية أسفر عن مقتل امرأة إسرائيلية وطفليها، أما الهجوم الإسرائيلي على قرية قبيا الذي قاده مجرم الحرب الشهير، آرييل شارون، فقد أسفر عن ذبح ٦٩ فلسطينيًّا مدنيًّا، وتدمير واسع للمنازل. وفسَّرت الإدارة الأمريكية مثل هذه العمليات باعتبارها دليلًا على محاولة إسرائيلية متعمدة لزعزعة نظام الهدنة، وإجبار الحكومات العربية على قبول السلام بالشروط الإسرائيلية.
وفي الشهر نفسه نشب خلاف آخر حول مشروع إسرائيلي لتحويل مياه نهر الأردن، فقد علقت واشنطن نحو ٢٦ مليون دولار من المساعدات الاقتصادية في أثناء أزمة المياه. وأظهرت هذه الواقعة فاعلية الردع الفوري. فعندما رأت الإدارة أنَّ أزمةً محدَّدةً قد تتصاعد إلى مواجهة إقليمية أوسع، ارتفع مستوى تصميمها إلى حدٍّ جعلها مستعدة لفرض تكاليف حقيقية، فنجحت في دفع إسرائيل إلى التَّراجع. إلا أنَّ الاستراتيجية الأوسع المتمثلة في الردع طويل المدى فشلت. فالتهديدات، ورفض بيع السلاح، والضغوط السياسية لم تقنع إسرائيل بالتخلي عن مبادئ عقيدتها الأمنية، بل إنَّ الضغط غير المصحوب بالطمأنة يمكن أنْ يؤدِّي إلى النتيجة العكسية من خلال زيادة شعور إسرائيل بانعدام الأمن.
ظهر ذلك بوضوح بعد صفقة السلاح المصرية التَّشيكوسلوفاكية في سبتمبر ١٩٥٥. فقد بدأت مصر تتلقَّى كميات كبيرة من الأسلحة الحديثة من الكتلة السوفييتية. واستنتج القادة الإسرائيليون أنَّ ميزان القوة الإقليمي قد يتحوَّل سريعًا بصورة حاسمة ضدهم. وطالبت إسرائيل الولايات المتحدة مرارًا بطائرات وأسلحة حديثة، لكن واشنطن رفضت.
وخشي دالاس من سباق تسلح متصاعد، وظلَّ يعتقد أنَّ تسليح إسرائيل سيضر بالعلاقات الأمريكية مع العالم العربي. لكن بالنسبة لبن غوريون وقادة عسكريِّين مثل موشي ديان، غيَّرت الصفقة طبيعة المشكلة الاستراتيجية. فلم يعد السؤال هو كيفية ردع عمليات التَّسلل، وإنما كيفية منع مصر من اكتساب تفوق عسكري حاسم.
وبسبب افتقار إسرائيل إلى العمق الاستراتيجي وقرب المراكز السكانية الكبرى من الحدود، قامت العقيدة الإسرائيلية على افتراض أنَّ الدولة لا تستطيع تَحمُّل ضربة عربية كبرى أولى. ومن هنا بدأ خيار الحرب الوقائية يبدو أكثر جاذبية.
وقد أسهمت السياسة الأمريكية، من دون قصد، في الوصول إلى هذه النتيجة، فقد كانت واشنطن تهدِّد إسرائيل إذا أقدمت على حرب وقائية، وفي الوقت نفسه تحرمها من الأسلحة والضمانات التي ربما كانت ستقلل شعورها بالخطر. وملأت فرنسا جزءًا من هذا الفراغ، فأصبحت المُورِّد الرئيسي للأسلحة والشريك الاستراتيجي لإسرائيل. وقد قلل الدعم الفرنسي من تكلفة التَّحدي الإسرائيلي للولايات المتحدة وأضعف قدرة واشنطن على ممارسة الضغط. ومن ثم جاء الغزو الإسرائيلي لسيناء في ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ ضمن العدوان الثلاثي ليثبت فشل سياسة الردع الطويل المدى التي اتبعها آيزنهاور.
فقد تلقت إسرائيل تحذيرات أمريكية متكرِّرة من القيام بهذا العمل، لكنها عندما اعتقدت أنَّ مصالحها الأمنية الأساسية مهدَّدة، كانت مستعدة لتجاهل الضغوط الأمريكية.
ومع ذلك نجحت الإدارة في إرغام إسرائيل على الانسحاب بعد الحرب؛ فقد علقت مفاوضات قرض كبير من «بنك التَّصدير والاستيراد»، وأوقفت جوانب من المساعدات الاقتصادية وبرامج فائض الغذاء، ودرست إجراءات أكثر شدة. وكان آيزنهاور مصممًا على إلغاء النتائج الإقليمية للغزو، وخشي أنْ يؤدي السماح لإسرائيل وبريطانيا وفرنسا بالاستفادة من الهجوم على مصر إلى الإضرار بالأمم المتحدة، ودفع الاتحاد السوفييتي إلى التَّدخل، وتقويض المصداقية الأمريكية في العالم العربي.
حاولت الجالية اليهودية الأمريكية وأعضاء الكونغرس المؤيدون لإسرائيل تقييد حركة آيزنهاور خلال هذه المواجهات، لا سيما في أثناء العدوان الإسرائيلي وأزمة السويس، لكن تأثيرهم على المستوى الاستراتيجي ظلَّ محدودًا في ذلك الوقت. وكان القادة اليهود أنفسهم منقسمين، فبعضهم كان يخشى من أن تصل إسرائيل إلى قطيعة كاملة مع آيزنهاور.
واستطاع الكونغرس أحيانًا تضييق نطاق العقوبات التي يمكن للإدارة اتخاذها، لكنه لم يتمكَّن من تغيير الاتجاه الأساسي للسياسة الأمريكية. وكانت الإدارة تقاوم علنًا ما اعتبرته ضغوطًا سياسية داخلية غير مشروعة، وكثيرًا ما رأت أنَّ نشاط جماعات الضغط الصهيونية يأتي بنتائج عكسية.
وهكذا انتهت الفترة بين ١٩٥٣ و١٩٥٦ بنتيجة واضحة مفادها بأنَّ الولايات المتحدة يمكنها تغيير السلوك الإسرائيلي عندما تكون واشنطن مستعدة لفرض تكاليف قاسية، لكن ذلك لا ينجح إلا في الملفات الجزئية التَّفصيلية، لكنه يفشل في تغيير المبادئ الأساسية للسياسة الأمنية الإسرائيلية. ولم يكن السبب الرئيسي وقتها نفوذ جماعات الضغط، وإنما أنَّ إسرائيل رأت القضايا موضع الخلاف مرتبطةً مباشرةً ببقائها، ولذلك امتلكت درجةً من التَّصميم لم يتوقَّعها المسؤولون الأمريكيون.
إدارة آيزنهاور الثانية
لذلك بدأت إدارة آيزنهاور الثانية تُغيِّر هذا الإطار تدريجيًّا. استمرَّ دالاس في الاعتراض على سياسة الهجرة الإسرائيلية، وظلَّ قلقًا من الظهور بمظهر المنحاز بصورة مفرطة إلى إسرائيل، ورفض تحويل الولايات المتحدة إلى المورِّد الرئيسي للسلاح إليها، إلا أنَّ الافتراضات التي أنتجت هذه السياسة بدأت تنهار تحت ضغط الأحداث.
في يناير ١٩٥٧، بعد فشل العدوان الثلاثي وانتهاء أزمة السويس، تمَّ الإعلان عمَّا عُرفت بـ«عقيدة آيزنهاور» التي التَّزمت بتقديم الدعم العسكري والاقتصادي لأي بلد في الشرق الأوسط يوافق على مقاومة النفوذ السوفيتي. بذلك أعلنت الإدارة اتجاهها نحو الاعتماد على ترتيبات ثنائية مع الدول، والابتعاد عن أملها الأصلي في بناء منظمة دفاعية واحدة شاملة للشرق الأوسط. وعزَّزت الأزمات اللاحقة هذا الاتجاه.
ففي أبريل ١٩٥٧، أقال الملك حسين في الأردن حكومة سليمان النابلسي القومية العربية، وواجه معارضين داخليِّين متعاطفين مع ناصر، فيما عُرفت بـ«أحداث الزرقاء».
دعمت واشنطن حسين، وأرسلت الأسطول السادس إلى شرق المتوسط، وقدَّمت مساعدات عاجلة، وبقيت إسرائيل خارج الأزمة، لكنها أوضحت أنَّه إذا انهار النظام الهاشمي فقد تتدخل، لا سيما في الضفة الغربية.
وبدلًا من الاكتفاء بتهديد إسرائيل، بدأ المسؤولون الأمريكيون يتشاورون معها ويطمئنون قادتها إلى أنَّ الولايات المتحدة ملتزمة ببقاء إسرائيل، فقد أصبح ضبط النفس الإسرائيلي مفيدًا للأهداف الأمريكية. أرادت واشنطن إسرائيل قوية بما يكفي للتأثير في الأحداث، ومُقيَّدة بما يكفي كي لا تحوِّل صراعًا عربيًّا داخليًّا إلى حرب عربية- إسرائيلية.
وبعد بضعة أشهر عزَّزت الأزمة السورية هذا التَّحوُّل؛ فقد عمَّقت حكومة صبري العسلي في سوريا علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي، وخشيت واشنطن من سقوطها الكامل تحت النفوذ السوفييتي. ودعمت الولايات المتحدة الدول المجاورة خاصة تركيا، وحرَّكت قوات عسكرية إلى المنطقة، وحاولت ردع سوريا، بينما كانت مصر تقف خلف دمشق.
وللمرة الأولى أخذ المسؤولون الأمريكيون يصورون إسرائيل بصورة متزايدة لا بوصفها المعتدي المحتمل، وإنما باعتبارها هدفًا محتملًا للاستفزاز المصري أو السوري. واعتقدوا أنَّ بعض الأنظمة العربية الراديكالية قد تتعمَّد استفزاز إسرائيل لتحويل الانتباه العربي بعيدًا عن الاختراق السوفييتي والانقسامات العربية الداخلية.
وطمأن دالاس الممثلين الإسرائيليِّين إلى أنَّ الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هجوم مسلح على إسرائيل، وبحلول نهاية عام ١٩٥٧، كان دالاس نفسه قد ابتعد كثيرًا عن بعض أفكاره السابقة تجاه الشرق الأوسط.
فعندما كرَّر رئيس الوزراء العراقي، نوري السعيد، المطالب المتعلقة بتنازلات إقليمية إسرائيلية وعودة اللاجئين، رفض دالاس فكرة إمكانية إعادة الوضع ببساطة إلى ما كان عليه قبل هزيمة العرب في ١٩٤٨. وأخذ المسؤولون الأمريكيون يرون أنَّ العداء العربي لإسرائيل ليس مشكلةً يمكن لواشنطن القضاء عليها بمجرد إجبار إسرائيل على تقديم تنازلات.
جاء التَّحوُّل الحاسم كان في عام ١٩٥٨، فقد أدى قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا إلى زيادة المخاوف الأمريكية من حركة ناصر القومية العربية. وأخذت واشنطن ترى «الناصرية» باعتبارها تهديدًا للأنظمة العربية المحافظة الموالية للغرب. كان الهدف الأمريكي الأصلي هو تحقيق الوحدة العربية في مواجهة الشيوعية، أما الآن فقد أصبح الشكل الذي اتخذته الوحدة العربية بقيادة ناصر نفسه يُنظَر إليه باعتباره خطرًا.
ثم بلغت هذه المخاوف ذروتها مع الأزمة اللبنانية والثورة العراقية، ففي ١٤ يوليو ١٩٥٨ سقط النظام الملكي في العراق وقُتل نوري السعيد. وخشي آيزنهاور من سلسلة انهيارات قد تدفع لبنان والأردن ودولًا أخرى إلى الوقوع تحت نفوذ القوى الثورية.
وفي اليوم التَّالي، نزلت قوات المارينز الأمريكية في لبنان؛ لمنع انقلاب القوى العربية ضد القوى المسيحية الانعزالية. وكان الأردن مُهدَّدًا هو الآخر بانقلاب قومي في الجيش الأردني، وقد طلب الملك حسين الدعم الخارجي، وأرسلت بريطانيا قوات مظلية. وظهرت مشكلة لوجستية تتمثَّل في ضرورة وصول الطائرات الغربية إلى الأردن.
طالبت السعودية الغرب بمقاومة القوى الثورية، لكنها رفضت السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها بالشكل المطلوب.
أما إسرائيل، فقد وافقت على السماح للطائرات البريطانية والأمريكية بالمرور في أجوائها في طريقها إلى الأردن، وفعلت ذلك رغم التَّهديدات السوفييتية والمخاطر السياسية الناجمة عن مساعدتها بصورة علنية عملية غربية تستهدف إنقاذ نظام ملكي عربي محافظ. وفسَّرت واشنطن هذا التَّعاون بوصفه دليلًا قويًّا على أنَّ إسرائيل تستطيع أنْ تكون عمليًّا جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية.
أصبحت هذه الواقعة نقطة تَحوُّل حاسمة، فلم تعد إسرائيل مجرد دولة محلية مزعجة تعوق علاقات الولايات المتحدة بالعالم العربي، وإنما باتت قوةً إقليميةً مستقرَّةً، ذات قدرة عسكرية، موالية للغرب ومستعدة لتحمُّل المخاطر دفاعًا عن أهداف مشتركة مع واشنطن. وقد ضاعف انهيار الحلفاء المفترضين أو تراجع الثقة بهم، من قيمة إسرائيل.
وبدأ صانعو القرار الأمريكيون أيضًا ينظرون إلى القوة العسكرية الإسرائيلية بوصفها أداةً لردع ناصر، بل إنَّ آيزنهاور فكَّر في إحدى اللحظات في إمكانية توجيه القوة الإسرائيلية ضد مصر. وناقش دالاس مرارًا فائدة احتمال تدخل إسرائيل إذا حاول ناصر إسقاط الملك حسين.
كما حذَّر الدبلوماسيون الأمريكيون المسؤولين المصريِّين من أنَّ أي تدخل في الأردن قد يدفع إسرائيل إلى احتلال الضفة الغربية ويفجِّر حربًا أوسع.
كان هذا انقلابًا لافتًا في السياسة الأمريكية، ففي الولاية الأولى لآيزنهاور كانت واشنطن تحاول ردع إسرائيل، أما بحلول ١٩٥٨ فقد بدأت تفكر في استخدام الردع الإسرائيلي لخدمة المصالح الأمريكية.
رصدت دراسة لـ«مجلس الأمن القومي الأمريكي» في أغسطس ١٩٥٨ هذا التَّحوُّل؛ فقد خلصت هذه الدراسة إلى أنَّ الولايات المتحدة الولايات إذا كانت مستعدة لمواجهة القومية العربية الراديكالية والدفاع عن المصالح الغربية في المنطقة، فإنَّ دعم إسرائيل باعتبارها أقوى قوة موالية للغرب متبقية في الشرق الأوسط يصبح نتيجةً منطقيةً، وقد منحت القدرات العسكرية الإسرائيلية، وموقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، واستعدادها للتعاون، قيمةً استراتيجيةً لإسرائيل كانت السياسة الأمريكية السابقة قد قللت من شأنها.
ومع ذلك، كان تغيُّر الإدراك أسرع من تغيَّر السياسة؛ فلم يكن آيزنهاور مستعدًا بعد لتأسيس تحالف رسمي أو تحويل الولايات المتحدة إلى المورد الرئيسي للسلاح إلى إسرائيل، وباعت واشنطن لإسرائيل عددًا محدودًا من الأسلحة المضادة للدبابات، ووسَّعت الدعم الاقتصادي والفني، بينما أصبحت المعلومات التي يقدِّمها «الموساد» إلى وكالة الاستخبارات المركزية ذات قيمة متزايدة. لكن الطلبات الإسرائيلية الكبرى للحصول على الدبابات والغواصات والمعدات الإلكترونية والصواريخ المضادة للطائرات ظلت مرفوضة.
وقد كشف الخلاف حول صاروخ «هوك» مدى ما تغيَّر في العلاقة، وكذلك حدود هذا التَّغيير.
ففي مارس ١٩٦٠، طلب بن جوريون من آيزنهاور ووزير الخارجية كريستيان هيرتر بيع إسرائيل صواريخ «هوك» أرض- جو، محتجًّا بأنَّ القاذفات المصرية الجديدة جعلت المراكز السكانية الإسرائيلية عرضةً لخطر شديد، وأنَّ سلاحًا دفاعيًّا بحتًا من شأنه أنْ يعالج هذا الضعف.
استجاب هيرتر بدرجة من التَّعاطف تفوق بكثير ما كان دالاس يبديه في السنوات السابقة.
كما رأى البنتاغون ونائب الرئيس الأمريكي وقتها ريتشارد نيكسون وجاهة في الطلب، إلا أنَّ المتخصصين في وزارة الخارجية عارضوا الصفقة، محذِّرين من أنَّها قد تسرع سباق التَّسلح، وتضرُّ بالعلاقات العربية- الأمريكية، وتدفع الاتحاد السوفييتي إلى تقديم المزيد من الأسلحة للعرب، وتجعل واشنطن مرتبطةً بصورة وثيقة بأمن إسرائيل.
في النهاية قبل هيرتر حجج المسؤولين في «الخارجية» الأمريكية، ورُفض الطلب رسميًّا في أغسطس ١٩٦٠. ولذلك انتهت إدارة آيزنهاور مع وجود فجوة بين الإدراك الاستراتيجي والسياسة العملية. فقد أصبحت النظرة السياسية الأمريكية لإسرائيل تعتبرها أصلًا استراتيجيًّا، لكن الإرث المؤسسي للسياسة السابقة ظلَّ يمنع تحويل هذا الإدراك بالكامل إلى إجراءات عملية. وأظهرت تطورات أخرى تَغيُّر المناخ، فقد أصبحت واشنطن أكثر اعتدالًا في ردودها على العمليات العسكرية الإسرائيلية مقارنة بالمرحلة التي أدانت فيها مذبحة قبيا. كما دعمت بهدوء جوانب مهمة من الموقف الإسرائيلي في نزاع مياه نهر الأردن. وتخلت الإدارة تدريجيًّا عن آمال التَّوصُّل إلى تسوية عربية- إسرائيلية شاملة، وانتقلت إلى نهج تدريجي يركِّز على إدارة الأزمات.
وكان تراجع السعي إلى السلام الشامل مهمًّا للغاية، ففي الولاية الأولى لآيزنهاور اعتقدت الإدارة أنَّ حلَّ الصراع العربي-الإسرائيلي ضروري لبناء تحالف عربي ضد الاتحاد السوفييتي، ولذلك دخلت باستمرار في صدامات مع إسرائيل حول الحدود، واللاجئين، والهجرة، والعمليات الانتقامية، والقدس. لكن عندما خلص المسؤولون إلى أنَّ السلام الشامل غير قابل للتحقيق في المستقبل القريب، وأنَّ النزاعات العربية الداخلية قائمة بصورة مستقلة عن إسرائيل، تراجع الإلحاح على إخضاع إسرائيل للضغط، وحلَّت إدارة الأزمات المحددة محلَّ محاولة إعادة تشكيل الشرق الأوسط كله.
وبحلول ١٩٦٠ أصبح المسؤولون الأمريكيون كذلك أقل قلقًا نسبيًّا من اعتماد أوروبا الغربية على نفط الشرق الأوسط، ما أضعف عاملًا آخر كان يجعل واشنطن شديدة الحساسية تجاه ردود الفعل العربية.
وأظهر اكتشاف المشروع النووي الإسرائيلي في ديمونة في أواخر ١٩٦٠ إحجام الإدارة الجديد عن الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
كان آيزنهاور قلقًا من أنَّ النشاط النووي الإسرائيلي قد يطلق سباق تسلح نووي في المنطقة، وأراد ضمانات بأنَّ المفاعل مُخصَّص للأغراض السلمية. ومع ذلك اختارت إدارته، وهي في أيامها الأخيرة، نهجًا دبلوماسيًّا هادئًا. وتعاملت بسخاء مع التَّطمينات الإسرائيلية، ولم تدخل في مواجهة مفتوحة للمطالبة الفورية بالتفتيش الدولي.
وهكذا انتهى عهد آيزنهاور على نحو مختلف تمامًا عن بدايته، فقد ظلَّ الهدف الاستراتيجي الأساسي وهو احتواء النفوذ السوفييتي ثابتًا، لكن فهم الإدارة لكيفية تحقيقه تغيَّر؛ فقد فشل الحلم الأصلي بإقامة نظام أمني متعدِّد الأطراف يتمحور حول الدول العربية.
واتجهت مصر وسوريا نحو موسكو، وشهد العراق ثورةً، وأصبحت الأنظمة العربية المحافظة أكثر هشاشة، وتحوَّلت القومية العربية إلى تحدٍ رئيسي.
وفي هذا السياق أصبحت إسرائيل، باستقرارها واصطفافها مع الغرب وقدراتها العسكرية، ذات قيمة استراتيجية. وحدث هذا التَّحوُّل في وقت كان فيه اللوبي المؤيد لإسرائيل لا يزال محدود النفوذ وعاجزًا حتى عن فرض بيع صواريخ «هوك».