رؤى
آرون رضا ميراتعلاقات أمريكا بإسرائيل قد تقودها إلى حرب مع إيران
2026.01.03
علاقات أمريكا بإسرائيل قد تقودها إلى حرب مع إيران
يستعرض كتابان حديثان يتناولان تاريخ العلاقات الأمريكية-الإيرانية تساؤلًا جوهريًا: لماذا تكنّ هاتان الدولتان -اللتان ربطتهما يومًا ضرورات الحرب الباردة الاستراتيجية- العداء لبعضهما البعض منذ قرابة نصف قرن؟ وبينما يقدم كتاب أفشين ماتين أصغري «محور المقاومة: تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية» سردًا كاشفًا للثورة الإيرانية وتداعياتها؛ تجنح داليا داسا كاي في كتابها «عداء دائم: صناعة سياسة أمريكا تجاه إيران» إلى أقصى درجات الحياد، رافضةً -في وجه أدلة متزايدة- تقديم ولو ادعاءات متواضعة حول الأسباب الحقيقية لعداء أمريكا للجمهورية الإسلامية.
الثورة وما بعدها
يرى أفشين ماتين أصغري، وهو أكاديمي أمريكي من أصول إيرانية، أن العلاقات المتردية هي نتاج رفض الولايات المتحدة قبول استقلالية طهران. فقبل الثورة الإيرانية عام 1979، كانت إيران دولة «تابعة» هدفها الأساسي -من المنظور الأمريكي- أن تكون سوقًا للسلاح وحائط صد ضد السوفييت في الخليج.
إن تركيز «ماتين أصغري» على الإمبريالية الأمريكية يحرره من فخ إضفاء المثالية على العلاقات بين البلدين قبل الثورة. ولعل تركيزه على الثورة نفسها ليس مستغربًا، كونه كان ضمن الطلاب اليساريين الذين درسوا في الولايات المتحدة وعادوا للمشاركة في أحداث 1978-1979.
بعد فرار الشاه من إيران في يناير 1979، انتقل إلى الغرب. ومع مرور الأشهر، تضاءلت آماله في استعادة العرش، وانتشر سرطان الغدد الليمفاوية في جسده؛ فتنقل مثقلًا بالمرض من القاهرة إلى الرباط، ثم إلى «جزيرة الفردوس» في جزر البهاما، وأخيرًا إلى كويرنافاكا. ومع ندرة الأصدقاء المتبقين، كان الشاه لا يزال يحتفظ بمصرفيّه، ديفيد روكفلر، الذي حرك الخيوط اللازمة ليؤمن له ملاذًا في المكسيك.
كان ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر أيضًا في صف الشاه. وقد مارس الأخير ضغوطًا على إدارة الرئيس كارتر للسماح للشاه بدخول الولايات المتحدة لتلقي العلاج. بل إن كيسنجر لعب بأسلوب خشن مع كارتر، رابطًا دعمه للجولة الجديدة من محادثات الحد من التسلح مع السوفييت -التي كان قد بدأها- بالسماح بدخول صديقه المحتضر.
نصحت وكالة المخابرات المركزية، ووزارة الخارجية، والسفارة الأمريكية في طهران الرئيس كارتر بأن سياسة كهذه ستستفز إيران. كانت واشنطن تدرك أن الثورة الشعبية قلقة -وبنظرة للوراء، كانت مصابة بـ «البارانويا»- من أن الأمريكيين يخططون لإعادة تنصيب ملكهم التابع. ففي النهاية، كانوا قد فعلوا ذلك بالضبط عام 1953: حين فر الشاه إلى بغداد وروما، بينما دبرت وكالة المخابرات المركزية انقلابًا للإطاحة برئيس وزرائه الديمقراطي، محمد مصدق، الذي هدد السيطرة الأمريكية على النفط الإيراني.
قال ويليام سوليفان، آخر سفير لأمريكا في طهران، في صيف 1979: «إذا سمحوا له بالدخول، فسيخرجوننا من هنا في توابيت». وفي وقت متأخر من يوم الأحد 21 أكتوبر، رضخ كارتر أخيرًا وسمح للشاه بالدخول، مرسلًا طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية لتقلّه في صباح اليوم التالي. وفور سماع الأنباء، تضخمت الاحتجاجات في شوارع طهران لتصل إلى مليون متظاهر. وحينها، تبنى المرشد الأعلى روح الله الخميني نبرة براغماتية مثيرة للدهشة قائلًا: «لا بأس إذا مات، ولكن ماذا سيحل بأموالنا؟».
إذا نظرنا للتاريخ من منظور ترابط الأحداث الحتمي، فإن خطوة كارتر المفاجئة بقبول الشاه قد تكون الحدث الأكثر حسمًا في تاريخ العلاقات بين البلدين. فبعد أسبوعين بالضبط، استولت مجموعة صغيرة من الطلاب الجامعيين على السفارة الأمريكية، بعد أن أمضوا أسابيع في إجراء استطلاع بدائي للمجمع الضخم.
تردد الخميني في البداية -ويميل المؤرخون للاتفاق على أنه لم يكن لديه علم مسبق بالخطة- ثم أعلن دعمه العلني لاحتجاز الرهائن، مصدرًا مطلبه الرئيسي بإعادة الشاه للمحاكمة. ولمدة 444 يومًا، كانت لقطات الدبلوماسيين معصوبي الأعين (وبعض عملاء المخابرات المركزية) تُبث ليليًا عبر شاشات التلفزيون في ملايين المنازل في الولايات المتحدة.
بسبب هذا الإذلال، فضلًا عن عملية الإنقاذ الفاشلة، خسر كارتر انتخابات عام 1980. وقد رد على الأزمة، التي كلفته رئاسته، بتجميد 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، وفرض عقوبات، وتصنيف الجمهورية الإسلامية كـ «دولة راعية للإرهاب». ودعم كارتر سرًا -ومن المرجح أنه دبر مع الحلفاء العرب- غزو العراق لإيران، الذي استنفر الأمة لثماني سنوات ضد صدام حسين، وضد الولايات المتحدة نفسها في سنوات الحرب الأخيرة.
يصف «ماتين أصغري» قرار الخميني بدعم الطلاب بأنه «ثورة ثانية». فقد استعاد الخميني الزخم الذي فقده خلال عام 1979 لصالح اليساريين، واليساريين الإسلاميين، ورجال الدين التقليديين المنافسين. ومن المؤشرات الكاشفة لموقفه في أواخر عام 1979 نتائج الانتخابات البرلمانية في ربيع 1980؛ ففي تصويت تعرض لقمع شديد، فاز حزب الخميني «الحزب الجمهوري الإسلامي» بـ 85 مقعدًا فقط من أصل 270.
سمحت أزمة الرهائن للخميني بالالتفاف على خصومه في المسألة الثورية المركزية المتمثلة في مناهضة الإمبريالية (أي مناهضة الأمركة). وشن «ثورة ثقافية» ضد اليساريين داخل الجامعات، شملت عمليات قتل نفذتها ميليشيات شبه عسكرية. وبحلول عام 1981، كان منافسوه قد هُزموا أو فروا إلى المنفى، وأصبح موقعه محصنًا تمامًا.
يطرح «ماتين أصغري» احتمالًا بأن هذه الفرصة التاريخية قد قُدمت عمدًا للخميني من قِبل فاعلين داخل الولايات المتحدة نفسها: ما يُعرف بـ «فرضية تشيس». وفقًا لهذه النظرية، التي أُخذت على محمل الجد في واشنطن لدرجة أنها أصبحت موضوع تحقيق للكونجرس عام 1981، فإن جهود الضغط التي مارسها روكفلر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لبنك «تشيس مانهاتن»، ومستشاره الخاص كيسنجر، كانت مصممة لإشعال رد فعل في إيران وخلق الظروف المرجحة لتجميد أمريكي للأصول الإيرانية.
هنا، يبني «ماتين أصغري» على العمل المتقن لجيمس أ. بيل عام 1988 وآخرين، الذين لاحظوا أن بنك «تشيس» كان متورطًا في قروض بقيمة 500 مليون دولار للشاه لشراء أسلحة أمريكية. وبينما كان البنك يحتفظ بمبلغ مماثل من الودائع، لم يكن بإمكانه تحويلها قانونيًا وكان يخشى أن تسحب طهران هذه المبالغ. باختصار، كان المخرج الوحيد هو إجبار إيران على التخلف عن سداد قروضها بحرمانها من وسائل خدمة مدفوعات الفائدة، وهو ما وفره التجميد الأمريكي. ويشير المؤلف إلى أن التسوية النهائية للأصول الإيرانية عقب التجميد «أسقطت 4 مليارات دولار في أحضان البنوك الأمريكية، وكان بنك تشيس مانهاتن يتربع على قمة المستفيدين».
كل شيء ما عدا إسرائيل
تاريخ جديد آخر للعلاقات الأمريكية الإيرانية تقدمه داليا داسا كاي، وهي أمريكية-إسرائيلية ومديرة سابقة في مؤسسة «راند» (RAND) -التي تعد فعليًا مركز الأبحاث الداخلي للبنتاجون- والتي رغم تأثرها بـ «الاستثنائية الأمريكية» الشائعة في مراكز أبحاث المؤسسة السياسية في واشنطن، إلا أنها تتسم برصانة نسبية في تحليلها، حتى بشأن إيران. تتساءل «داسا كاي» عن سبب بقاء السياسات الأمريكية عدائية تجاه طهران بشكل دائم، حيث تتسم بـ «العداء، والعزلة، والاحتواء»، مستطلعة آراء المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا على رأس سياسة إيران على مدى الأربعين عامًا الماضية. وتسأل: لماذا تحتل إيران هذا الموقع الشاذ، في حين كانت الولايات المتحدة مستعدة لإصلاح ذات البين مع فيتنام، والاتحاد السوفيتي، والصين؟
هذا سؤال محدد ومشروع، لكن المؤلفة لا تقدم سوى إجابات قليلة في كتابها المفرط في الجمود والمجرد من الروح. يلمح معظم الكتاب إلى نوع من «الغضب المؤسسي» المصدوم والشك من جانب صناع السياسة الأمريكيين عقب العقد المضطرب الذي تلا الثورة. فبعد سقوط كارتر بسبب أحداث إيران، كاد رونالد ريغان أن يفقد رئاسته عندما سربت إيران مشترياتها السرية من الأسلحة الأمريكية، عبر إسرائيل، مما تسبب في إحراج بالغ لعدد كبير من كبار المسؤولين الأمريكيين في الحكومة ووكالة المخابرات المركزية.
تسرد الكاتبة منعطفات الملف النووي، لكن أيًا من مصادرها لم يخبرها بأن الولايات المتحدة كانت مهددة ببرنامج إيران النووي، وهو ما يتماشى مع تقييمات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية لمدة عشرين عامًا. كما تخصص جزءًا كبيرًا من فصلها الأخير، المعنون «التغيير صعب»، لنقد نمطي لظاهرة «الباب الدوار» بين المؤسسة الأمنية الأمريكية ووظائف الاستشارات ومراكز الأبحاث، التي يمولها «سعوديون وإماراتيون»، مما يحفز التشدد بين صناع السياسة تجاه إيران.
ورغم أن هذه العوامل قد فاقمت بالتأكيد العلاقات الأمريكية الإيرانية، إلا أنها تفسيرات غير مقنعة لحالة علاقة بعد نصف قرن من الثورة، أدت بالولايات المتحدة لتبني وضعية حرب ضد إيران. فالمال العربي و«الحفلات الباذخة» تبدو في أحسن الأحوال تفسيرًا جزئيًا، وفكرة أن الولايات المتحدة لا تزال تلعق جراح الثمانينيات لا تفسر لماذا سعت أمريكا -كما تشير «داسا كاي» نفسها- إلى التهدئة مع أعداء سابقين آخرين من الحرب الباردة. لكن هناك عاملًا واحدًا تجادل الكاتبة بلا كلل بأنه ليس حاسمًا في تفسير الكراهية الأمريكية لإيران، ألا وهو: إسرائيل.
يستند الموقف المخالف في كتابها إلى منطق مفاده أن تأثير إسرائيل على الولايات المتحدة «مبالغ فيه» لأنها لا تحصل دائمًا على ما تريده في السياسة. وعندما تفعل، فإن جهود الضغط هذه ليست «حاسمة» لأنها تطرق أبوابًا مفتوحة بالفعل. وبالنظر إلى اللحظة الراهنة، حيث ينتظر العالم استئناف إسرائيل حربها ضد إيران، بأسلحة واستخبارات أمريكية، وتأمل في المزيد من الضربات الأمريكية، فمن المثير للدهشة أن تنشر «داسا كاي» كتابًا يرفض جملة وتفصيلًا أن إسرائيل كانت حاسمة في تشكيل المواقف الأمريكية السلبية تجاه طهران.
تتجاهل «داسا كاي» بالضرورة الأدلة التي تتعارض مع أطروحتها. على سبيل المثال، تحدد الكونجرس كعقبة أمام التقارب التنفيذي مع إيران، لكنها لا تناقش إطلاقًا القوة الهائلة للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» داخل تلك المؤسسة. وتذكر شيلدون وميريام أديلسون مرة واحدة بشكل عابر، دون الإشارة إلى أنهما تبرعا بمئات الملايين لحملات دونالد ترامب، مرتبطة بسياسات مؤيدة لإسرائيل قام بتنفيذها لاحقًا، مثل الاعتراف بمرتفعات الجولان تحت السيادة الإسرائيلية. كما أن ادعاء إسرائيل نفسها بأنها كانت حاسمة في خروج أمريكا عام 2018 من «خطة العمل الشاملة المشتركة» (الاتفاق النووي الذي تم التفاوض عليه لعقد من الزمن ووقّع في 2016) لا يثير اهتمام المؤلفة يُذكر.
في أغلب الأحيان، تترك «داسا كاي» الحقائق التاريخية في سردها دون تفسير. فهي لا تجد أي دلالة في المبادرات الإسرائيلية الموقوتة لتقويض العلاقات بين واشنطن وطهران عندما كانت التوترات في أدنى مستوياتها، كما حدث أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان. وتعتبر كأمر مسلم به أن الملف المشكوك فيه الذي ظهر عام 2002 حول أنشطة نووية إيرانية مزعومة جاء من منظمة «مجاهدي خلق» المعارضة، وليس من إسرائيل كما هو معروف الآن على نطاق واسع. ولا تذكر الاستيلاء الإسرائيلي غير القابل للتصديق عام 2002 على أسلحة إيرانية مزعومة كانت متجهة لغزة، والذي أثار جدلًا كبيرًا حينها، ولا القضية الغريبة لضباط الموساد الذين انتحلوا صفة عملاء للمخابرات المركزية الأمريكية لتجنيد مقاتلين انفصاليين لعمليات سرية في إيران عام 2011، خلال ولاية أوباما الأولى.
إن معالجتها لولاية أوباما الأولى كاشفة بشكل خاص. كيف تحولت دعوة أوباما للوحدة والسلام مع إيران والعالم الإسلامي سريعًا إلى قراره بفرض أقسى العقوبات على أمة منذ الحرب العالمية الثانية؟ هنا يصعب تجاهل النشاط السياسي والعسكري الإسرائيلي. وفي النقد المحدد الوحيد الذي توجهه لمسؤول أمريكي، تشير إلى أن المستشار الخاص لأوباما، دينيس روس، كان لديه «ميل للنظر إلى الشرق الأوسط عبر المنظور الإسرائيلي» وأنه ربما كسر غصن الزيتون الذي مدّه أوباما بإقناع الرئيس بتبني نهج «المسار المزدوج» المحكوم عليه بالفشل (الدبلوماسية تحت تهديد العقوبات المدمرة). لكن عند قراءة كتابها، ستبقى غير مدرك للطبيعة المتزامنة والمنسقة لحملة إسرائيل في عام 2011 لإبقاء إيران على رأس الأجندة: اغتيال عشرات العلماء والقادة العسكريين؛ تنفيذ عمليات تخريب ضد القاعدة الصناعية الإيرانية؛ وشن حرب شاملة عبر «أيباك» في الكونجرس.
مثال آخر على القدرة المذهلة على عدم الربط بين النقاط يظهر في فصلها حول الانفتاح الدبلوماسي المحتمل في نهاية الحرب الباردة. تصف المؤلفة «اللامبالاة الغريبة» لصناع السياسة تجاه وفاة الخميني وبداية نهاية المرحلة الثورية في إيران، وبدء عصر المصلحة السياسية أو «مصلحة النظام» تحت حكم الرئيس آنذاك أكبر هاشمي رفسنجاني.
بعد نهاية الحرب الباردة، أعادت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل -لأسباب مختلفة- صياغة إيران باعتبارها «العدو رقم واحد» من خلال إثارة شبح الأسلحة النووية، التي افترضوا أن إيران ستستخدمها في تبادل انتحاري مع أقرب حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط. أرادت المؤسسة الأمنية الأمريكية الحفاظ على ميزانياتها وأهميتها؛ وكان روبرت غيتس، الذي تم الاقتباس منه والإشارة إليه في الكتاب، محوريًا في السعي لهذا التغيير، مستشهدًا بالعراق وإيران وسوريا كتهديدات جديدة. ولعل أوضح تلخيص لهذا الشعور جاء في اقتباس لمسؤول في البنتاجون:
«لا أحد يعرف ماذا يفعل هنا. لقد تلاشى التهديد [السوفيتي] أمامنا، فماذا تبقى لنا؟ البحرية تذهب إلى الكونجرس للحديث عن تهديد البحرية الهندية في المحيط الهندي. والبعض يتحدث عن تهديد كارتلات المخدرات الكولومبية. لكننا لا نستطيع إبقاء ميزانية قدرها 300 مليار دولار طافية على سطح تلك الأمور».
في إسرائيل، دشن انتخاب إسحاق رابين عام 1992 سياسة خارجية سعت للتكيف مع هذا العالم الجديد الجريء أحادي القطب. قلب رابين «عقيدة المحيط» الإسرائيلية القديمة التي كانت تعتبر إيران حليفًا استراتيجيًا -وهو وضع لم تغيره الثورة- وحولها إلى عدو مخيف من أجل متابعة «عملية السلام» مع العدو القريب (الفلسطينيين). هذا التحول بدأ، بشكل متقطع، مسيرة بنيامين نتنياهو الممتدة لخمسة وثلاثين عامًا من التهويل والترهيب بشأن البرنامج النووي الإيراني.
إن السردية (الجيوسياسية) التي تجيب بشكل أفضل على سؤال: لماذا تظل العلاقات الأمريكية الإيرانية عدائية للغاية؟ هي أن إيران وإسرائيل، اللتين عُينتا بشكل مشترك في منتصف القرن العشرين كـ «شرطيين لأمريكا» في الحرب الباردة، افترقتا في أوائل التسعينيات، وبعد ذلك عملت إسرائيل بدأب لإبعاد راعيها الإمبراطوري عن منافسها الإقليمي. ولولا النشاط السياسي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، لسقطت إيران في غياهب النسيان بمجرد ذوبان ثورتها المناهضة للإمبريالية.
يقدم كتاب ما بعد ماركسي بعنوان «الاقتصاد السياسي العالمي لإسرائيل: من أرباح الحرب إلى عوائد السلام»، إطارًا لفهم هذا التحول. يستخدم مؤلفاه، جوناثان نيتزان وشمشون بيخلر، إسرائيل لتوضيح نظريتهما القائلة بأن الرأسماليين لا يسعون للربح في حد ذاته، بل للقدرة على تخريب منافسيهم. يجادل نيتزان وبيخلر، وهما باحثان إسرائيليان في الاقتصاد السياسي، بأنه حتى التسعينيات كانت الحرب الإقليمية ضرورية للحفاظ على «تحالف دولارات السلاح والبترودولار» الصغير للرأسمالية الأمريكية والإسرائيلية، وهو نظام دخل مرحلة رأسمالية عالمية ليبرالية في التسعينيات. وبعد سلام نسبي للجميع باستثناء الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، يبدو أن هذا التحول الاقتصادي قد أدى، كما فعل في أنظمة سياسية أخرى، إلى اضطرابات اجتماعية وصعود يمين جديد. وفي حالة إسرائيل، يهدف هذا التحالف إلى تحقيق وعود «الصهيونية التصحيحية»، عبر الاستيلاء على «مجال حيوي» جديد، بحسب تعبير أحد كتاب الأعمدة الصحفية.
تصرخ إسرائيل «ذئب.. ذئب» منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا، وتمكنت من إقناع عدد كافٍ من الناس في الولايات المتحدة بوجود هذا الذئب المزعوم. وتحت الحماية الأمريكية ضد هذا التهديد، عملت إسرائيل لتحقيق التفوق الإقليمي، الذي كانت تأمل في تأمينه عبر «اتفاقيات إبراهيم»، وهي سلسلة من الاتفاقيات التي رعتها الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها العرب.
بعد تدمير أعدائها الإقليميين في فلسطين ولبنان وسوريا، وضعت إسرائيل لنفسها الآن مهمة الحفاظ على وضعها الجديد المنيع. ولكن للحفاظ على هذا الوضع، يبدو أن النخب الإسرائيلية تعتقد أنها بحاجة لمواصلة الضغط على الجمهورية الإسلامية، حتى لو عنى ذلك خلق دولة فاشلة بحجم يعادل أربعة أضعاف مساحة سوريا.
يواجه ثوار طهران المسنون الآن خيارًا بين الضرورة والبقاء. ويبدو أن زيارة نتنياهو للولايات المتحدة خلال عطلة عيد الميلاد مصممة لتبدأ «كلاب الحرب» في النباح مجددًا. وقد هدد ترامب بمهاجمة إيران لأسباب إنسانية في يوم رأس السنة، وألمح منذ ذلك الحين إلى أنه سيتدخل للدفاع عن المتظاهرين المنتقدين للجمهورية الإسلامية.
من جانبه، يرى نتنياهو نافذة للمناورة لاستئناف حربه ضد إيران قبل حملة إعادة انتخابه الخريف المقبل. وما لم يخلق الروس أو الصينيون مخرجًا، أو يقوم ترامب بتقييده، فمن المرجح جدًا أن يسعى نتنياهو لبدء قصف «استباقي» دون تأخير.
- نُشر المقال في Jacobin بتاريخ 3 يناير 2026.