رؤى
نجلاء عبد الجواداحتلال بالحبر قبل الجرافة: سيرة الأسماء المسروقة من الخريطة الفلسطينية
2026.10.17
احتلال بالحبر قبل الجرافة:
سيرة الأسماء المسروقة من الخريطة الفلسطينية
يكفي أنْ يقف مسافر غريب أمام لافتة على الطريق الواصل بين حيفا وطبريا ليقرأ اسمًا عبريًّا لا يعرف عنه شيئًا، حتى يستقرَّ في ذهنه أنَّ المكان وُلد بهذا الاسم منذ فجر التاريخ، وأنَّ لا ماضي له خارج ما تقوله اللافتة. وهذا بالضبط ما صُمِّمت اللافتة من أجله؛ لأنها لا تكتفي بالإرشاد إلى المسافة، بل تؤدي وظيفةً سياسيةً صامتةً تزرع في رأس العابر روايةً كاملةً دون أنْ تنطق بكلمة واحدة عنها. هذه هي الفكرة التي بنى عليها بيير بورديو (Pierre Bourdieu) مفهومه عن «العنف الرمزي»، أي سلطة تعمل بالتسليم لا بالإكراه، وتجعل المقهور يردِّد لغة قاهره من تلقاء نفسه، ثم يعدها أمرًا طبيعيًّا لا يستحق السؤال.
وبالبحث في خرائط فلسطين وسجلات التسمية فيها، نصل إلى قناعة نقدية مفادها بأنَّ الاستيلاء على الاسم لم يكن زينةً تلحق بالاستيلاء على الأرض، بل كان شرطًا سابقًا له، ومرافقًا له، ولاحقًا به في الوقت نفسه. وفي المقابل، تكتفي اللافتات العربية المرافقة بنقل الحروف العبرية إلى الحروف العربية، فتبدو الكلمة عربيةً في شكلها عبريةً في روحها. وهي حيلة مضاعفة لأنها تقنع القارئ العربي بأنَّ اسمه محفوظ، بينما هو يقرأ ترجمةً صوتيةً لقرار اتخذه غيره. ولعل أخطر ما في هذه الآلية أنها لا تترك أثرًا يمكن الاشتباك معه؛ فلا قرار يُقرأ ولا خطاب يُرد عليه، بل مجرد حروف على لوح معدني.
ولم يُترك الأمر للصدفة ولا للمزاج الفردي. فمنذ عام 1949، شُكِّلت لجنة حكومية للأسماء بتوجيه من ديفيد بن غوريون، ثم لحقتها لجنة خاصة بالنقب مطلع الخمسينات. وكان الهدف المعلن إلباس الأرض لغةً جديدةً تناسب الدولة الوليدة، أما الهدف الحقيقي فهو تجفيف الخريطة من مفرداتها العربية، بعد أنْ تُفرغ القرى من سكانها وتُهدم بيوتها. كما دعا بن غوريون إلى «إزالة الأسماء العربية لأسباب تتصل بالدولة»، وهي عبارة تلخص منهجًا كاملًا يرى في الاسم القديم تهديدًا قانونيًّا وسياسيًّا؛ لأن مَن يحتفظ باسم قريته يحتفظ بحجته.
وقد استعانت اللجنة بعلماء آثار ودارسي توراة وخبراء جغرافيا، فاستخرجوا من الكتب القديمة أسماء مدفونة وألبسوها لأمكنة حية؛ بحثًا عن جذر لغوي يشبه الاسم العربي في نطقه، فيصير الاسم المحلي نفسه شاهدًا على أنَّ العبرية كانت هناك قبل أنْ يصل أحد. ولم يكن الجهد نظريًّا فحسب، فقد دخلت الأسماء الجديدة إلى المساحة والخرائط الرسمية، والبريد، والكتب المدرسية، والدوائر الحكومية، حتى ألِفَ الجيل الأول من المواطنين الجدد أسماء لا يعرف لها ماضيًا سابقًا. ومَن يتأمل طبيعة هذا العمل يلحظ أنه أدير بمنطق إداري بارد: جداول وقوائم وموافقات رسمية. وهذا البرود هو ما يمنح العنف الرمزي قدرته على التخفي.
هندسة الخريطة: التحوير والاستبدال والدمج
وإذا تتبعنا الأمثلة، وجدنا أنَّ الخريطة الإسرائيلية تعمل بثلاث أدوات متداخلة لا بأداة واحدة.
· الأداة الأولى: هي «التحوير الصوتي» الذي يبقي هيكل الاسم القديم ويفرغه من معناه، كما جرى في «إسدود» التي صارت «أشدود»، و«صفورية» التي صارت «تسيبوري»، و«عين كارم» التي صارت «عين كيريم»، و«جبل الجرمق» الذي صار «جبل ميرون»، و«بئر السبع» التي صارت «بئر شيفع».
· الأداة الثانية: هي «الاستبدال الكامل» الذي يمحو الاسم من أساسه، كما في «المجدل» التي صارت «عسقلان»، و«دير ياسين» التي أُقيم على أراضيها حي «جفعات شاؤول»، و«جبل أبي غنيم» الذي صار «هار حوما»، و«أم الرشراش» التي صارت «إيلات».
· الأداة الثالثة: هي «الدمج الناعم» الذي يُبقي الاسم العربي ظاهرًا داخل اسم مركب كي يوحي بالتعايش، وهو في الحقيقة يرتب الأسبقية. كما حدث بعد ضم «يافا» عام 1950 إلى تل أبيب، فصارت ذيلًا في اسم لم يكن موجودًا قبل أربعين سنة.
ولكل أداة جمهورها المقصود؛ فالأولى تخاطب الغريب، والثانية تخاطب الدارس، والثالثة تخاطب الضمير الدولي الذي يطمئن إلى عبارة تبدو مصالحة. ويكفي أنْ نقارن ما بقي من أسماء القرى العربية على الطرق الرئيسية بما كان قبل عام 1948، لنفهم حجم عملية طالت مئات القرى التي أُفرغت من أهلها أو هُدمت. وهكذا لا تُقرأ الخريطة بوصفها أداة جغرافية، بل بوصفها وثيقة ملكية مكتوبة بالحروف.
وأوضح ما يدل على نجاح هذه الهندسة أنَّ الإعلام العربي نفسه تخلى عن أسمائه من غير أنَّ يطلب منه أحد ذلك. فنحن في مصر نقرأ في نشرات الأخبار اسم «إيلات» بلا أي تعليق، وكأنه الاسم القديم للميناء الجنوبي الذي لا نعرف سواه، مع أنَّ موقعه كان قرية صغيرة اسمها «أم الرشراش»، دخلتها القوات الإسرائيلية في مارس 1949 بعد توقيع الهدنة مع مصر، وأقامت مكانها المدينة التي نعرفها اليوم (وتتحدث الروايات المصرية عن مخفر شرطة كان قائمًا هناك). وهذه المفارقة وحدها تكفي لنقد الأداء الإعلامي الذي ينقل الاسم الجاهز كما يصله من الوكالات الأجنبية، فيُعمِّم رواية المحتل على جمهور يتصوَّر أنه يتابع خبرًا محايدًا.
إنَّ المحرر الذي يكتب «إيلات» ويمضي دون أنْ يضع بجانبها اسمها الأصلي لا يرتكب خطأ مهنيًّا صغيرًا، بل يشارك دون وعي في توزيع لغة المنتصر على الناس كل صباح مع فنجان القهوة. وليست هذه حالة معزولة؛ فمَن يقرأ الصحف العربية يمرُّ عشرات المرات على أسماء مثل نتانيا وأشدود وهرتسليا كأنها مدن بلا تاريخ سابق، مع أنَّ كثيرًا منها قام فوق قرى أو قرب قرى كان لها اسم وأهل وحقول. ولو سألنا طالبًا في كلية الإعلام عن اسم المدينة المطلة على خليج العقبة لأجاب «إيلات» بسرعة، ولو سألناه عن «أم الرشراش» لتردد، وفي هذا التردد تتلخص هزيمة صغيرة لا تسجلها نشرات الأخبار.
ولا يقف الأمر عند القرى المهدمة، فالتسمية في القدس والضفة الغربية تعمل بأدوات حية تجري أمام الكاميرات. ففي سلوان يُطلق على الحي اسم «مدينة داود»، وتحت هذا العنوان تُبنى المسارات السياحية والحدائق التوراتية وتُحفر الأنفاق، فيعرف الزائر مكانًا كاملًا بلا ذكر لأهله. وفي الشيخ جراح ظهر اسم «شمعون الصديق» اسمًا للمنطقة بغية تحويل الحي من وجود سكاني إلى مزار ديني. و«حائط البراق» صار «الحائط الغربي» بعد أنْ هُدم حي المغاربة المجاور له في أيام قليلة من يونيو 1967، وفُتحت مكانه الساحة التي نراها اليوم.
أما الضفة الغربية نفسها، فقد استبدلت الدولة اسمها في اللغة الرسمية بعبارة «يهودا والسامرة»، حتى يصير الاستيطان في نابلس والخليل عودة إلى الديار لا غزوًا لأرض الغير. وقد ترسَّخت العبارة في الصحافة الدولية حتى كاد الصحفيون ينسون أنْ يضعوها بين علامتَي تنصيص. وفي المسجد الأقصى نفسه تتقدم عبارة «جبل الهيكل» على اسمه القديم في الخطاب الرسمي لتمهِّد لما بعدها من ترتيبات. ويضاف إلى ذلك أنَّ جبل أبي غنيم حُوّل منذ عام 1997 إلى مستوطنة كبيرة باسم يوحي بالانتماء الديني (هار حوما)، فصار المكان جزءًا من حزام يطوِّق المدينة من جنوبها. والمفارقة أنَّ هذه المسميات تدخل القاموس اليومي بسرعة أكبر مما تدخله المعاجم، لأن كل مرشد سياحي وكل لافتة وكل تطبيق يعيد تكرارها.
دائرة المحو: من الفصل الدراسي.. إلى الاستسلام الهادئ
ويمتد الاشتباك من الخريطة إلى الفصل الدراسي، لأن الاسم المحذوف من اللافتة يحتاج إلى جيل لا يسأل عنه. ففي عام 2007، أدخلت وزيرة التعليم آنذاك «يولي تامير» كلمة «النكبة» إلى كتاب مدرسي في المدارس العربية، فجاء الرد بعد سنتين من خلفها «جدعون ساعر» الذي أمر بسحبها. ثم صدر عام 2011 قانون يتيح خصم التمويل عن أي مؤسسة تتعامل مع يوم قيام الدولة بوصفه يوم حداد. وفي عام 2018، أقرَّ الكنيست «قانون القومية» الذي نزع عن العربية صفة اللغة الرسمية وتركها بمكانة خاصة مبهمة، وكان ذلك ضربًا مباشرًا للأداة التي تحمل الأسماء نفسها.
ويتضح هنا أنَّ العنف الرمزي لا يتحرَّك في اتجاه واحد من الخريطة إلى المنهج، بل يعمل في دائرة مغلقة تحمي كل حلقة فيها الأخرى. فالاسم يُمحى فلا تبقى مفردة تصف ما جرى، والمفردة تُحظر فلا يبقى اسم يُسأل عنه. وتشير دراسات تربوية عربية في الداخل إلى أنَّ الطالب يحفظ خريطة قلما يجد فيها اسم قريته، وهذا النقص الصغير هو الذي يصنع بعد سنوات قبولًا هادئًا بما هو مكتوب. وتمنح هذه الدائرة الدولة ميزة مضاعفة؛ فهي لا تحتاج إلى فرض الصمت بالقوة بعد أنْ صار الصمت إجراءً إداريًّا يمارسه المعلم والموظف وصاحب المطبعة وكل مَن يخشى فقدان رزقه.
ولا يكتمل الرصد من دون الحديث عن الضحية التي تتعلم الاسم الجديد بالتدريج، وهو ما يسميه بورديو «سوء التعرف»، أي أنْ يصبح المقهور شريكًا في تثبيت قهره دون أنْ يشعر. يقف الفلسطيني في القدس أو في الجليل أمام موظف يطلب منه كتابة عنوانه بالعبرية، ويرى تطبيق الخرائط على هاتفه يقترح عليه الطريق إلى أسماء لم تقلها جدته مرة واحدة، فيقبل الاقتراح لأن الوقت ضيق والحاجة ملحة. وهكذا يتحوَّل القبول العملي إلى عادة، ثم تصير العادة ذاكرة بديلة.
ومن أمثلة ذلك «عين حوض» التي سكن فنانون إسرائيليون بيوتها بعد عام 1948 وغيَّروا اسمها إلى «عين هود»، بينما أقام أهلها الأصليون على مقربة منها قرية جديدة ظلت سنوات طويلة بلا اعتراف رسمي. ويقصد الزوار المعارض الفنية في القرية القديمة ويتحدثون عن جمالها دون أنْ يعلم كثير منهم ما كانت عليه. إنَّ الأخطر في هذه الصورة ليس القوة الظاهرة في الاسم الجديد، بل الاستسلام الهادئ الذي يجعل الإنسان يستعمله وهو يظن أنه يستعمل أداة محايدة. وكلما طال العمر بهذا القبول، صار أصعب على صاحبه أنْ يعود إلى ذاكرته الأولى، لأن الاعتراض عندئذٍ يبدو أمرًا مستغربًا يخرج عن المألوف. ولعل أشد ما يؤلم في هذا المسار أنه لا يترك للمقهور مناسبة واضحة للاحتجاج، لأن أحدًا لم يجبره على شيء في لحظة بعينها.
غير أنَّ هذا التحليل لا يقود إلى التسليم بأن المعركة محسومة؛ فالتاريخ المكتوب بالممحاة لا يختفي بل يترك أثرًا مرئيًّا لمَن يتقن القراءة. فالأسماء العربية ما زالت حية على ألسنة الجدات، وفي الأسر المهجَّرة، وفي سجلات الأراضي القديمة، وفي مشاريع التوثيق الجادة مثل عمل المؤرخ وليد الخالدي الذي حصر القرى الفلسطينية المُدمَّرة وسجَّل مواقعها وأسماءها. وهي تظهر أيضًا في الدراسات الإسرائيلية الناقدة، مثل كتاب ميرون بنفنستي (Meron Benvenisti) عن المشهد المقدس، الذي شرح كيف صُنعت الخريطة الجديدة عن عمد.
ومن العبث أنْ ننتظر من المؤسسات الرسمية العربية أنْ تتبنى هذا الجهد وحدها، فالمسألة تبدأ من تفصيل بسيط في يد كل كاتب ومحرر ومعلم؛ وهو أنْ يسأل نفسه قبل أنْ يكتب اسمًا إنْ كان يكتب مكانًا أم يكتب رواية، وأن يقرِّر بوعي لا بالعادة أي لغة يخدم. وإذا كان لهذا الجهد منهج فهو أبسط مما يظن: أنْ نكتب الاسم العربي أولًا، ثم نضع الاسم العبري بعده بين قوسين بوصفه المصطلح المتداول عند الاحتلال، لا بوصفه الأصل. فالذاكرة التي تُحفظ بالسؤال أقوى من اللافتة التي تُحفظ بالمعدن.
ويبقى سؤال لا يستطيع مقال صحفي أنْ يجيب عنه نيابة عن القارئ: كم اسمًا عربيًّا نحمله اليوم في ذاكرتنا اليومية؟ وكم اسمًا حفظناه من نشرات الأخبار وحدها؟ وماذا يتبقى من الأرض في وعي جيل يعرفها بأسماء لم يختر أحد من أهلها أيًّا منها؟ .