سجالات
أحمد صلاح الملااختيار السادات نائبًا لرئيس الجمهورية.. محاولة للتفسير
2025.11.15
مصدر الصورة : آخرون
اختيار السادات نائبًا لرئيس الجمهورية.. محاولة للتفسير
يواجه كثيرون في الأوساط الناصرية وفي غيرها، وقبل ذلك في الأوساط الأكاديمية المعنية بدراسة تاريخ مصر المعاصر، سؤالًا معضلًا لم تظهر له إجابة حاسمة حتى الآن: لماذا اختار جمال عبد الناصر شخصًا غامضًا، يميني النزعة وذا ارتباطات معروفة مع السعودية كأنور السادات، نائبًا لرئيس الجمهورية في ديسمبر 1969؟
في مواجهة هذا التساؤل المحوري، ظهرت أفكار وتحليلات و«تلميحات» كثيرة تحاول فهم ما حدث، لكن أهم ما تمخض عنه هذا النقاش كان إجابتين أساسيتين، الأولى «ناصرية» قدمها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه الشهير «خريف الغضب»، أما الأخرى فقدمها السادات نفسه في نصه المركزي «البحث عن الذات»، وتمسك بها بعد ذلك كثيرون من مؤيديه ومحبيه.
في خريف الغضب، حاول الأستاذ هيكل تصوير الأمر كقرار هامشي بلا دلالة سياسية، فأكد -كما هو معروف- أن السادات لم يكن قد تولى من قبل مناصب تنفيذية أساسية في جهاز الدولة، ما يجعل توليه هذا المنصب نوعًا من الإنصاف الروتيني، وفي جانب آخر أوضح هيكل -بشكل لا يقل غرابة في الحقيقة- أن عبد الناصر كان آنذاك يستعد لحضور القمة العربية في الرباط، ووصلته معلومات أن ثمة مؤامرة لاغتياله يدبرها وزير الداخلية المغربي الجنرال محمد أوفقير، فعين السادات نائبًا للرئيس كنوع من الاحتياط لتفادي حدوث أي فراغ في حال نجاح المؤامرة، كي يكون هناك من رفاقه من يقود مرحلة انتقالية هادئة -خاصة في ظروف الاستعداد لمعركة تحرير الأرض- حتى يتم الاستقرار على رئيس، واللافت في هذا السياق هو تأكيد هيكل أنه بعد عودة عبد الناصر سالمًا من المغرب، لم يلتفت كثيرًا لوجود السادات في منصبه الحساس، وشغلته عنه مسؤولياته السياسية والعسكرية الثقيلة، حتى وفاته المفاجئة في 28 سبتمبر 1970، أي أنه -عمليًّا- عينه ثم «نسيه» في هذا المنصب!
في تقديرنا، يبدو تفسير هيكل هذا غير مقنع لأكثر من سبب؛ فمن ناحية ثمة من شكك في وجود مؤامرة دبرها الجنرال أوفقير، فضلًا عن أنه لو كان المطلوب مجرد شخص يقود مرحلة انتقالية في حال حدوث أي مكروه لعبد الناصر، لم يكن ثمة داعٍ لتعيين السادات من الأصل، مع وجود نائب للرئيس بالفعل هو السيد حسين الشافعي.
أما بخصوص مسألة نسيان عبد الناصر وجود السادات في منصب نائب الرئيس تحت وطأة انشغالاته العديدة، فقد كان هيكل غير موفق أيضًا، ففي هذا الطرح إساءة واضحة إلى عبد الناصر نفسه، وأسلوبه في حكم البلاد.
في المقابل، تأتي الإجابة الثانية التي قدمها السادات نفسه على النقيض تمامًا، وقد حاول فيها -ضمنيًّا لكن بإلحاح ملحوظ- تصوير خطوة عبد الناصر في سياق شعوره العارم «بالندم» وإقراره بفشل سياساته كلها في التحرر الوطني ومجابهة الاستعمار، بما يؤسس لتحول إستراتيجي باتجاه التخلص من الالتزامات العربية والسعي إلى الصلح مع إسرائيل والتوجه إلى بناء علاقة مختلفة مع الولايات المتحدة.
ما نقترحه هنا، هو محاولة أولية لطرح رؤية ثالثة تخرج من أسر الموقفين السابقين، لكونهما -في الجوهر-مجرد موقفين تبريريين واعتذاريين، لا يحملان -فيما نعتقد- قيمة تحليلية جدية.
وفيما نرى، تبدو محاولة السادات ومحبيه لتصوير الأمر «كندم» من عبد الناصر وتحول إستراتيجي باتجاه علاقة أكثر ليونة مع الولايات المتحدة -وبالتالي مع إسرائيل- وهي الفكرة التي سعى السادات إلى تثبيتها بقوة في الوعي العام، وكانت إحدى ركائز عمله بعد حرب أكتوبر، غير ذات أساس سوى تصورات أصحابها ورغبتهم في تأصيل قاموس ورؤية السادات في خطاب وممارسة عبد الناصر، لكن الأقرب للتصور أن عبد الناصر لو تلبسه الندم والرغبة في مراجعة أفكاره والسير باتجاهات أقرب للرؤى الساداتية، كان الأولى أن يحدث ذلك بعد هزيمة 1967 مباشرة، وتحت وطأة صدمتها المروعة، وليس في أواخر 1969 بعد أن صارت الأمور أكثر تماسكًا واقتربت عملية إعادة بناء الجيش من الاكتمال، في ظل السعي الحثيث باتجاه معركة تحرير الأرض.
بعد هذا كله، يبقى التساؤل المركزي قائمًا: ما العوامل التي دفعت عبد الناصر إلى اختيار السادات نائبًا له؟
فيما نرى، كان هذا التصرف المباغت من عبد الناصر «مناورة» سياسية ذات أهداف عسكرية بالأساس، كما كان الحال بالنسبة إلى «مبادرة روجرز» فيما بعد، التي قبلها الرجل -بل وربما سعى إليها منذ البداية- لتحقيق أهداف عسكرية تتعلق باستكمال بناء حائط الصواريخ، فضلًا عن أهداف سياسية تكتيكية أخرى، كان الأمر هنا مناورة شبيهة مع الأمريكيين يقول لهم عبد الناصر من خلالها إنه ليس «رجل موسكو»، كمحاولة لتليين مواقفهم تجاه مصر وخلق هامش حركة معهم، ودفعهم للضغط على إسرائيل في ملفات الصراع، وفي الوقت نفسه -وهذا الأهم- كان مناورة مع موسكو نفسها بهدف الضغط على السوفييت ليعجلوا بإمدادات السلاح، ويحسنوا نوعيته باتجاه الأنواع الأفضل التي كانت مصر تطلبها بإلحاح، لأنهم كانوا أحيانًا -في إطار حساباتهم الحذرة كقوة عظمى- يتصرفون ببطء وتردد على هذا الصعيد، بما لا يتناسب مع طموحات مصر العسكرية ومساعيها المحمومة لاستكمال استعدادات المعركة.
في هذه «المناورة»، يجب أن نربط بين تاريخين مهمين؛ 20 ديسمبر 1969 وهو يوم تعيين السادات كنائب للرئيس، و22 يناير 1970 وهو اليوم الذي بدأت فيه زيارة عبد الناصر السرية المفصلية إلى موسكو لمطالبة السوفييت بإمدادات سلاح سريعة لإعادة بناء الدفاع الجوي المصري، وذلك بعد أن بدأت إسرائيل قبل خمسة عشر يومًا منها في شن غاراتها الوحشية على العمق المصري، بهدف تركيع مصر ودفعها لإنهاء حرب الاستنزاف وتقويض نظام عبد الناصر.
في هذا السياق، كان تعيين السادات -فيما نعتقد- تلويحًا من عبد الناصر للسوفييت بأن مصر يجب أن تحصل على ما تحتاجه من السلاح، وإلا فالبديل هو الاتجاه نحو الولايات المتحدة، أما في زيارة موسكو بعد ذلك بشهر واحد فقد انتقل عبد الناصر من التلويح إلى التهديد الصريح، كانت طلباته من الأسلحة كبيرة جدًّا ومفاجئة؛ وحدات كاملة من الصواريخ سام 3 لمواجهة الطيران الإسرائيلي المنخفض، وأسرابًا كاملة من طائرات الميج 21 المعدلة، وأجهزة رادار متطورة للإنذار والتتبع، كما طلب أن تتولى أطقم الدفاع الجوي السوفييتية الدفاع عن العمق المصري حتى تستكمل الأطقم المصرية تدريباتها على الأسلحة الجديدة.
تهيب السوفييت في البداية، فإنهم لم يرغبوا في أي احتكاك يمكن أن يقود إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهنا رفع عبد الناصر منسوب التوتر في المباحثات مؤكدًا أنه لو لم يحصل على السلاح الذي يريده فسوف يغادر السلطة تاركًا إياها لمن يستطيع التفاهم مع الأمريكيين للتوصل إلى حل سياسي. كان الرجل يدرك أهميته وثقله السياسي بالنسبة إلى السوفييت، واستخدمه كله في مخاطرة محسوبة.
تحت هذا الضغط -الذي أثبت أنه فعال جدًّا- اجتمعت القيادة الحزبية والعسكرية السوفييتية بالكامل وقررت الاستجابة لمطالب عبد الناصر، وهكذا تمكن الرجل من تأمين العمق وإحباط أهداف إسرائيل من غاراتها البربرية على المدن المصرية، ليبدأ بعد ذلك التفكير في بناء حائط الصواريخ، كما تمكن أيضًا من تحويل أزمة الشرق الأوسط إلى أزمة دولية مشتعلة، لأن ثمة قوة عظمى أصبحت موجودة بالفعل على حافة القناة، وهكذا أجهض الهدف الأمريكي-الإسرائيلي المحوري، وهو تبريد وتجميد القضية وتثبيت الواقع العسكري الذي أنتجته هزيمة 1967، وأصبح بمقدور القوات المصرية التفرغ لاستكمال المراحل الأخيرة للبناء العسكري في ظروف أفضل بكثير.
بهذا المعنى، فإننا نرجح أن قرار عبد الناصر تعيين السادات نائبًا لرئيس الجمهورية كان بالأساس خطوة تكتيكية ضمن مسار من الضغوط المتبادلة، على طريق استكمال استعدادات مصر العسكرية لمعركة تحرير الأرض.
وقد يتحفظ البعض تجاه رؤيتنا تلك، بتأكيد أن الضغط على السوفييت بتعيين رجل كالسادات في هذا المنصب ليس تفسيرًا كافيًا، خاصة مع إدراك السوفييت أنفسهم وجود تيار في الجيش يستاء من وجودهم منذ البداية، ويطمح إلى تسوية الوضع برمته مع الغرب، كما أن ثمة شخصيات أخرى كان يمكن أن تقوم بهذا الدور بشكل أكثر كفاءة، لو كان المقصود هو محض المناورة والضغط على السوفييت.
جوابًا على هذا التحفظ المحتمل، يمكن القول إن السوفييت كانوا بالطبع يعرفون أن ثمة تيارًا في الجيش لا يرتاح لوجودهم، وقد أثاروا هذا الموضوع مرارًا في لقاءاتهم مع عبد الناصر، لكن هذا كله شيء وأن يقوم عبد الناصر نفسه بتعيين السادات نائبًا له شيء آخر تمامًا، إنه مستوى مختلف من الضغط، وفي هذا الإطار يجب ألا ننسَ أن زيارة عبد الناصر السرية إلى موسكو في يناير 1970 -التي هدد فيها السوفييت بوضوح كما سبقت الإشارة- قد تمت بينما يقبع السادات في القاهرة نائبًا للرئيس بالفعل منذ أكثر من شهر.
أما بخصوص وجود شخصيات أخرى أكثر أهمية وكفاءة كانت قادرة على القيام بهذا الدور، فهذا صحيح بالطبع، ولعل أهم هذه الشخصيات عبد اللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين، لكن ثمة فارقًا مهمًّا بين السادات وبين هذين الرجلين، وهو أن السادات كان -على عكسهما- لا يزال موجودًا في السلطة، فضلًا عن أن كلًّا من بغدادي وزكريا محيي الدين كانا يملكان شخصية أقوى وأكثر استقلالية من السادات، وهو ما يعني أن جلب أحدهما من خارج السلطة إلى موقع نائب الرئيس قد يحول «المناورة» إلى تمهيد فعلي للخلافة، وهو أمر لا نعتقد أنه كان يجول بخاطر عبد الناصر في تلك اللحظة.
وبعد أن شرحنا فكرتنا الأساسية، ثمة ملاحظة مهمة ينبغي التنبيه إليها في النهاية؛ وهي أن موقع السادات كنائب للرئيس لم يكن يعطيه ميزة حاسمة حتى بعد وفاة عبد الناصر، حيث لم تكن ثمة سابقة تفرض، أو حتى ترجح وصول نائب الرئيس إلى موقع الرئاسة، فضلًا عن أن السادات -في لحظة وفاة عبد الناصر- لم يكن نائبه الوحيد كما سبقت الإشارة، وبهذا المعنى فإن ما أتى بالسادات إلى سدة الحكم فعليًّا هي توازنات القوى داخل النظام بعيد وفاة سلفه، ورغبة رجال عبد الناصر الممسكين بمفاصل القوة في تلافي أي صراع محتمل بينهم في ظروف الاستعداد للحرب، ما جعلهم -على الأرجح- يميلون إلى القبول برئيس «ضعيف» يسهل التعامل معه والحكم من خلفه حتى نهاية المعركة، وهي الرؤية التي أثبتت تطورات الأحداث بعد ذلك كم كانت ساذجة.