رؤى

أمير الـصرّاف

اقتفاء أثر عضو بالجهاز السري لثورة 1919

2024.02.22

تصوير آخرون

اقتفاء أثر عضو بالجهاز السري لثورة 1919

في أول يونيو 1906 رُزِق عبد المجيد وهب الله، الذي تعود جذوره لقرية المطاعنة في إسنا وعاش بقرية المراشدة - غرب قنا، بذكر أسماه (علي الحدّاد) تيمنًا باسم أحد الأولياء، أوفد الأب نجله للقاهرة عندما بلغ السابعة من عمره؛ للدراسة في الأزهر ثم إكمال تعليمه بمدرسة النحاسين تحت رعاية أحد أقاربه في القاهرة. 

كان لإقامة علي الحدّاد في سن مبكرة في العاصمة دور كبير في تشكيل وعيه وشخصيته الحاسمة والجريئة، عاصر الحدّاد وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، حالة الحراك السياسي التي تمخضت سنة 1918 من القرن الماضي - مولد الحركة الوطنية المصرية المطالبة بإنهاء الوجود البريطاني في مصر، ثم ثورة 1919 التي خرجت من رحم الأمة المصرية. 

بعد وفاة عليّ الحدّاد سنة 1983، أدلي نجله المحامي محمد علي بمعلومات مُهمة لأحمد قاسم أحمد، وهو مؤرخ كان ضليعًا ومختصًّا بكتابة تراجم - سير ذاتية، للأعلام وكبار الشخصيات في الصعيد. تفسر هذه المعلومات الصعود الوظيفي والسياسي السريع لعلي الحدّاد من ناحية، وتكشف عن أحد أعضاء جماعة اليد السوداء؛ وهي واحدة من أدوات الجهاز السري لثورة 1919، من ناحية أخرى. وحتى إشعار آخر فإن علي الحدّاد هو الأول الذي نعرفه - بناءً على هذه المعلومات - من الصعيد ممن انخرطوا في الجهاز السري للثورة. 

فى صباح 24 يوليو 1920 وقف المستر ماكسويل المدعي العام البريطاني أمام المحكمة العسكرية البريطانية، يطلب الحكم بإعدام عبد الرحمن فهمي، قال ماكسويل: إن الجهاز الذي يشرف عليه فهمي مُكون من ثلاثة أقسام: قسم خاص بالمنشورات، وقسم للقنابل والقتل، وقسم لشراء الأسلحة. وإن السلطات البريطانية عثرت بالأوراق المضبوطة عند المتهمين على مستندات تثبت أن الجهاز له عيون في كل مكان، واتصالات في أفريقيا، دمشق، العراق، سويسرا، اليابان، إيطاليا، تركيا، السودان، إنجلترا، والهند! وفروع في المديريات المصرية، وعيون في الأحزاب، وفي كل قسم في الجيش، والإدارة والمحافظات، ودار الإفتاء، وذكر أن الجهاز له فروع تصدر المنشورات باسم اللجنة المستعجلة، والشعلة، والمصري الحرّ، واليد السوداء. 

قبل تلك المحاكمة بسنةٍ واحدة اعتُقل سعد زغلول وثلاثة من الوفد المصري من الإدارة البريطانية التي سارعت بنفيهم لجزيرة مالطا، وبعدها بيوم واحد - 9 مارس 1919، كانت أول أيام الثورة. يروي اللورد جورج لويد المندوب السامي البريطاني بمذكراته، والذي تولي منصبه بعد قيام الثورة بست سنوات مستندًا إلى وثائق وتقارير الأرشيف السري لدار المندوب السامي: أشعل اعتقال هؤلاء الرجال الأربعة النيران.. في 9 مارس هجر الطلبة دروسهم، تفرقوا في الشوارع يحملون مشاعل الإضراب، وفي المساء بدأت أعمال التخريب، وصباح يوم 10 هاجمت جماهير غير منظمة المباني والممتلكات، وقطعت خطوط المواصلات ووسائل الاتصال لاحقًا. 

يستمر وصف لويد لتصاعد الأحداث يومًا بعد يوم.. في 18 مارس نشبت ثورة في أسيوط، قتل المتظاهرون 8 ضباط بريطانيين في ديروط، كانوا يستقلون القطار من الأقصر، وفى دير مواس بالمنيا هجم الأهالي على القطار وشوهوا جثث القتلى، وتقدم البدو بأعداد كبيرة من الغرب نحو المدن، وحوصر السكان البريطانيون في المنيا. 

تؤكد مذكرات جورج لويد إضافة لمصادر أخرى، أن الطلبة في القاهرة هم من أشعل شرارة ثورة 1919، فهل كان علي الحدّا واحدًا من هؤلاء؟ 

فى سنة 1919 كان علي الحدّاد يبلغ من العمر 13 عامًا، وذكرنا سلفًا أنه درس بالأزهر الشريف، ثم التحق بمدرسة النحاسين في حي الأزهر - متحف النسيج حاليًّا. يقول المؤرخ أحمد قاسم أحمد: إن الحدّاد انضم للحركة الوطنية، وكان مقرَّبًا من النقراشي باشا، وأحمد ماهر باشا. 

ويضيف قاسم.. وكان هو أحد أفراد اليد السوداء التي كانت تقاتل الإنجليز، على الرغم من حداثة سنه، ورأى من أهوال الإنجليز ما رأى، حتى إنه يذكر في ذات مرة أنه وزميلًا له يدعى محمد عبد المجيد - وليس شقيقه، وكان ميدان العتبة يعسكر فيه بعض القوات الإنجليزية، وفي أثناء عبور الميدان أطلق عليهما الإنجليز النار، فأصابت زميله وصديقه محمدًا الذي كان يجري بجواره لعبور الميدان، فحمل هو وآخرون زميله المصاب وتوجهوا به إلى منزل والده الذي شكرهم. 

كان تنظيم الجهاز السري لثورة 1919 بتشكيلاته وأسمائه المختلفة معقدًا للغاية، يقول مصطفى أمين: إذا كان الجهاز السري قد حيّر المخابرات البريطانية والفرنسية، فإن هذا الجهاز حير أعضاء الوفد أنفسهم، كانوا لا يعلمون عنه شيئًا، بل إن قيادة الثورة في القاهرة لم تكن تعرف شيئًا عن طبيعة أعمال الجهاز السري للثورة، ولا عن حقيقة التعليمات السرية التي كان يرسلها سعد زغلول من باريس إلى عبد الرحمن فهمي في القاهرة. 

ربما يفسر ذلك اقتضاب المعلومات عن طريقة تجنيد علي الحدّاد، والمهام التي كُلف بها، والخدمات التي قدمها لصالح الحركة الوطنية، من خلال تجنيده في سن صغيرة في هذا الجهاز، الذي كان يُدار من خلال دوائر صغيرة مغلقة، تتألف الواحدة من عضوين فقط، ولا تعرف تلك الدائرة الدوائر الأخرى، وتتلقى التعليمات من شخص ما ربَّما كان يختلف من دائرة لأخرى. 

في ترجمة المؤرخ أحمد قاسم لعلي الحدّاد يقول: إنه كان لصيقًا باثنين؛ هما: النقراشي وأحمد ماهر، والأخير كان مساعد عبد الرحمن فهمي مؤسس ومدير الجهاز السري، وكان من أدوار أحمد ماهر تجنيد الشباب وإلحاقه باليد السوداء، التي صَعَّدت من نشاطها بتدبير الاغتيالات السياسية عقب إصدار المحكمة العسكرية أحكامًا بالإعدام على 51 مصريًّا في المنيا وأسيوط، ونفذت الحكم في 34 منهم بينهم البكباشي محمد كامل المأمور الذي قاد ثورة أسيوط، بالإضافة لإعدام 3 مصريين قادوا ثورة الوسطى بالفيوم. 

يقول مصطفى أمين: ليس في مراسلات سعد زغلول - عبد الرحمن فهمي، ما يدل على أن سعدًا هو الموعز بهذه الاغتيالات، ولكن في الوقت نفسه لا نجد في تعليمات سعد زغلول السرية كلمة واحدة عن أنه لا يوافق على هذه الاغتيالات، بل إن صيغة الرسائل السرية التي كان يرسلها عبد الرحمن فهمي تدل على أنه يحمل بشرى سارة إلى قائد ثورة 1919، وأنه يطلق على الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء بأنه يتَّقِد حمية وطنية. 

لا نعرف حجم المهام التي أداها علي الحدّاد لصالح اليد السوداء، التي اعترفت التقارير البريطانية بدورها بأحداث الثورة، فكلف أعضاءها السريين بتوزيع منشورات تدعو للانتقام من الجنود البريطانيين بعد تنفيذ أحكام الإعدام بالمصريين في المنيا وأسيوط والفيوم، ووزعت هذه المنشورات في عدة محافظات بينها الصعيد، كما قامت اليد السوداء بإرسال خطابات التهديد للسياسيين - الذين اعتبرتهم الثورة موالين للإنجليز، ومولت اليد السوداء أنشطتها بجمع الأموال، فقد كان للجمعية نظام منظم ضد الإنجليز، وكوَّن أعضاء اليد السوداء لجانًا داخلية: لجنة الدفاع الوطني، واللجنة المستعجلة، واللجنة التنفيذية العليا، وتوعدت اللجنة الأولى وهددت الموظفين والتجَّار بالقتل إذا لم يشاركوا في الإضراب بغلق متاجرهم. 

قد يفيد تتبع الصعود السياسي والوظيفي لعلي الحدّاد في منطقته - محافظة قنا، في السنوات التي تلت ثورة 1919؛ لتخمين حجم المهام التي قام بها لصالح اليد السوداء. ربما! يقول أحمد قاسم في سياق ترجمته: إن على الحدّاد استطاع أن يصل لمنصب العمدية دون بلوغه السن القانونية للمنصب بتدخل من الوفد لدى وزارة الداخلية، منوهًا بأنه كانت تربطه علاقة قوية بـ: بهي الدين بركات أحد قيادات الوفد وحكومته، وهو نجل فتح الله بركات من مؤسسي الوفد المصري. 

ولم تكن عمدية قرية المراشدة المستقرة لدى عائلة الحدّاد حتى وقتنا هذا هي كل الاستثناءات التي حصل عليها عضو جماعة اليد السوداء؛ ففي سنة 1936 تدخل مصطفى النحاس لدى الملك فاروق ليمنح الحدّاد لقب البكوية وهو لم يتجاوز الـ 30 عامًا؛ ليصبح أصغر من يحمل هذا اللقب في القطر المصري، وفي سنة 1950 فاز بمقعد نيابي عن منطقته وأصبح ممثلًا لها في البرلمان، ولكنه لم يستمر سوى سنتين؛ إذ انتهي صعوده السياسي بقيام حركة الضباط الأحرار سنة 1952، وإحلال نظام حكمٍ جديد. 

وقبل وساطة مصطفى النحاس لدى الملك فاروق بسنةٍ واحدةٍ، نرى النحاس ووليم مكرم عبيد يخصان مسقط رأس علي الحدّاد بالزيارة، ضمن زيارتهما لقواعد الوفد في الصعيد، وربما يوضح ذلك أدوار الحدّاد التي كانت تثمنها قيادات الوفد المصري؛ ففي 27 فبراير 1935، وقف مصطفى النحاس في سرادق ضخم – ما زال مكانه يطلق عليه أهالي القرية: مُوردة النحاس حتى وقتنا هذا - وقال: باسمي واسم أخي مكرم أقدم لحضراتكم وافر الشكر جميعًا على تفضلكم باستقبالنا هذا الاستقبال الباهر الجميل، وأقدم خالص الشكر لحضرة عمدتكم علي أفندي عبد المجيد، فله الشكر؛ فقد ضرب لكم باستقالته أحسن الأمثال على عدم مجاراة الظلم والظالمين، وأنتم تنفرون من الظلم والظالمين، وتأبون التعاون معهم. أولئك الذين صدقت عزيمتهم، وقويت شكيمتهم، أولئك الأحرار الكرام الذين يأبون إلا الحرية والكرامة، فلا يذلون ولا يستصغرون؛ ولذلك لما زال الظلم ومحيت آثاره عاد عمدتكم المستقيل إلى منصبه، وكان في عودته عودةٌ للحق، ونال الصابرون أوفى جزاء. 

السياق الموازي والاستعدادات اللوجستية لهذه الزيارة كلفت علي الحدّاد نحو 16 فدانًا من أملاكه كحجم إنفاق على الاستقبال والذبائح التي نُحرت بطريق موكب النحاس ومكرم، أقام الحدّاد سرادقًا كبيرًا على النيل مباشرة مع طاقم خدمة من القاهرة برئاسة حلواني شهير كان يدعى عبد المجيد الرمالي؛ لتقديم إفطار الصباح الذي جلب بالقطار الذي وصل محطة دشنا في الخامسة والنصف صباحًا، ومنها مكان السرداق بقرية المراشدة المجاورة لدشنا غربًا. 

وفي خطبة مصطفى النحاس نجده يشير إلى استقالة مؤقتة لعلي الحدّاد من منصب العمدية وعاد بعدها مجددًا لمنصبه، كانت تلك الواقعة جزءًا من اعتراض الوفد المصري على إلغاء دستور 1923، واستبداله بدستور 1935 المناوئ لمبادئ الديمقراطية، وسرعان ما تراجع إسماعيل صدقي رئيس الحكومة عنه وأعاد العمل بدستور 1923. 

في سنة 1983 مات علي الحدّاد وهو في السابعة والسبعين من عمره، ولم يَبُح بكل أسرار عمله في الجهاز السري إلا القليل، تلك المعلومات المحققة التي تنبئ عن عضو فاعل ومؤثر في جماعة اليد السوداء بعد 38 سنة من رحيله. 

*مصادر: 
•    الجمعيات السياسية والاجتماعية والدينية ودورها في المجتمع المصري - د.سامية محمد عبد الرحمن.
•    أسرار ثورة 1919، الجزء الأول، مصطفى أمين. 
•    كتابات المؤرخ أحمد قاسم أحمد.
•    شهادات أحفاد علي الحدّاد.