عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

الأرشيف في مصر من الدفترخانة إلى دار الوثائق القومية دراسة تاريخية تحليلية (2)

2026.05.09

الأرشيف في مصر من الدفترخانة إلى دار الوثائق القومية

دراسة تاريخية تحليلية

(2)

الأرشيف وإعادة كتابة التاريخ في عهد الملك فؤاد الأول

شهدت عملية التوثيق في مصر خلال عهد الملك فؤاد الأول تحولاً نوعياً لا يمكن فهمه في إطار التطور الإداري فحسب، بل ينبغي قراءته بوصفه انتقالاً واضحاً نحو توظيف الأرشيف كأداة لإعادة إنتاج التاريخ ذاته. فقد أنشأ عام 1933 "قسم المحفوظات الملكية" بقصر عابدين، في خطوة لم تهدف فقط إلى تجميع الوثائق -سواء تلك المحفوظة في الدفترخانة بالقلعة أو في القصر- بل إلى إعادة تنظيمها ضمن سياق يخدم كتابة تاريخ محدد: تاريخ أسرة محمد علي.

ويكشف هذا المشروع عن إدراك متقدم لوظيفة الأرشيف، لا بوصفه مخزناً للوثائق، بل باعتباره مادة أولية لصناعة السردية التاريخية. فاستقدام مؤرخين أوروبيين، وإيفادهم إلى دور الوثائق في أوروبا، لم يكن هدفه استكمال النقص المعرفي بقدر ما كان يهدف إلى إعادة بناء تاريخ الأسرة الحاكمة عبر مصادر متعددة تمنحه طابعاً من "الموضوعية" الشكلية، رغم توجيهه السياسي الواضح. وقد تُوّج هذا الجهد بإصدار موسوعات ضخمة اعتمدت على هذه الوثائق، في محاولة لإنتاج ما يمكن اعتباره "أرشيفاً رسمياً" يضفي الشرعية على رواية بعينها.

وفي هذا الإطار، تبدو محاولة بعض الباحثين تفسير هذا المشروع باعتباره مجرد رد فعل دفاعي لتحسين صورة الأسرة الحاكمة تفسيراً قاصراً؛ فاختزال المبادرة في دوافع شخصية أو تعويضية يتجاهل السياق الأوسع؛ حيث كان الملك فؤاد الأول يمتلك خلفية تعليمية أوروبية، وارتبط بمؤسسات علمية وثقافية، ما يجعله أكثر وعياً بأهمية التاريخ المكتوب في تشكيل الوعي العام. ومن ثم، فإن المشروع لا يمكن فصله عن إدراكه لدور المعرفة التاريخية في بناء الشرعية السياسية.

وتؤكد دراسة "أنتوني جورمان" أن هذا التوجه لم يكن عفوياً، بل جرى عبر آليات مؤسسية واضحة، من أبرزها تشكيل لجنة عام 1925 لجمع الوثائق المتعلقة بتاريخ الأسرة، واستقدام المستشرق الفرنسي "ديني" لفحص الوثائق العثمانية وترجمتها، خاصة ما يتعلق بالفرمانات السلطانية وحروب الشام. ويشير ذلك إلى أن عملية التوثيق لم تكن مجرد جمع للمواد، بل كانت تتضمن إعادة ترتيبها لغوياً ومعرفياً، بما يجعلها قابلة للاستخدام في سياق سردي محدد.

كما أن التركيز على الوثائق التركية، وترجمتها إلى العربية ثم إلى لغات أوروبية، يكشف عن وعي بأهمية إعادة تدوير الوثيقة عبر لغات مختلفة، بما يسمح بتوسيع دائرة تلقيها، ومن ثم تثبيت الرواية المراد ترويجها محلياً ودولياً. ولم يقتصر الأمر على الوثائق المحلية، بل امتد إلى استنساخ تقارير القنصليات الأوروبية، وهو ما يعكس محاولة توظيف "شهادة الخارج" لتعزيز مصداقية السردية الرسمية.

وقد بلغ هذا التوجه ذروته حين أمر الملك فؤاد الأول بنقل الوثائق الخاصة بالفترة من حكم محمد علي حتى الحرب العالمية الأولى إلى قصر عابدين؛ حيث أُنشئ ما عُرف بـ"دار الوثائق السرية والمحفوظات التاريخية الملكية". ولم يكن هذا النقل إجراءً إدارياً محايداً، بل كان بمثابة إعادة تموضع للذاكرة التاريخية داخل فضاء السلطة الملكية، بحيث تصبح عملية الكتابة التاريخية خاضعة لإشراف مباشر.

وفي هذا السياق، يكتسب اختيار المؤرخين الأجانب دلالة خاصة؛ إذ لم يكن الأمر مجرد تفضيل علمي، بل يعكس عدم ثقة في المؤرخين المحليين، ورغبة في إنتاج تاريخ يحمل طابعاً "دولياً" وإن كان موجّهاً. فاستقدام أسماء مثل "دوان"، و"أنجلو ساماركو"، و"بيير كرابيتس" وغيرهم، كان جزءاً من استراتيجية تمنح المشروع بعداً أكاديمياً ظاهرياً، بينما تظل مخرجاته منسجمة مع الرؤية الملكية.

وتُظهر أعمال "ساماركو"، على سبيل المثال، كيف يمكن للكتابة التاريخية أن تنحاز إلى اتجاهين متوازيين: تمجيد دور أسرة محمد علي، وإبراز إسهام إيطاليا في تحديث مصر، وهو ما يكشف عن تداخل الأبعاد السياسية والثقافية في إنتاج المعرفة التاريخية. كما أن تكليف "كرابيتس" بالدفاع عن الخديوي إسماعيل ضد انتقادات شخصيات مثل "اللورد كرومر"، يوضح بجلاء كيف يمكن توظيف الوثائق لإعادة تقييم الشخصيات التاريخية، بل وإعادة صياغة صورتها في الوعي العام.

ولعل هذا التطور يظهر أن الأرشيف في عهد الملك فؤاد الأول لم يعد مجرد أداة لحفظ الماضي، بل أصبح وسيلة نشطة لإعادة بنائه. فقد جرى الانتقال من جمع الوثائق إلى توجيه استخدامها، ومن حفظ الذاكرة إلى إعادة تشكيلها. وبذلك دخل التوثيق مرحلة جديدة، لم تعد فيها الوثيقة تعكس التاريخ فحسب، بل أصبحت أحد أهم أدوات صناعته.

الأرشيف بعد 1952: من إعادة توزيع الوثائق إلى إعادة تشكيل الذاكرة

مع صعود نظام ثورة 23 يوليو 1952، لم يتغير الدافع الكامن وراء الاهتمام بالوثائق بقدر ما تغيّر اتجاهه ووظيفته. فإذا كان الأرشيف في العهد الملكي أداة لإعادة بناء شرعية أسرة محمد علي، فإن النظام الجديد نظر إليه بوصفه وسيلة لإعادة صياغة التاريخ بما يتسق مع رؤيته السياسية. ومن هنا، لم تعد محفوظات قصر عابدين صالحة لتحقيق هذا الهدف نظراً لارتباطها بسردية ملكية، بل أصبح من الضروري تفكيك هذه السردية وإعادة تركيبها في إطار جديد.

في هذا السياق، جاء إنشاء "دار الوثائق التاريخية القومية" بالقانون رقم 56 لسنة 1954 ليعبّر عن انتقال مزدوج: انتقال مادي للوثائق من القصر إلى مؤسسات الدولة، وانتقال رمزي من احتكار ملكي للذاكرة إلى احتكار جمهوري لها. غير أن هذا التحول لم يكن موجّهاً نحو إتاحة أوسع للمعرفة بقدر ما كان يهدف إلى إعادة توجيهها. فقد وسّعت المؤسسة الجديدة نطاق الوثائق لتشمل، إلى جانب السجلات الرسمية، مصادر غير تقليدية مثل سجلات المحاكم الشرعية، ووثائق الأوقاف، ومذكرات الزعماء، وهو ما يعكس محاولة واعية لإعادة بناء التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر، ولكن ضمن إطار يخدم توجهات النظام الجديد.

رغم هذا التوسع، ظل الأرشيف خاضعاً لمنطق السيطرة؛ إذ لم يُنظر إليه كفضاء عام للمعرفة، بل كأداة داخل جهاز الدولة. ويتجلى ذلك في التقلبات المتكررة في وضع دار الوثائق، التي لم تعكس تحولاً في فلسفة التعامل مع الوثائق بقدر ما عكست محاولات لإعادة تحديد موقعها بين الوظيفة الثقافية والإدارية والسياسية.

كما يكشف هذا الاضطراب عن علاقة ملتبسة بين الدولة والوثيقة؛ إذ أُتيحت وثائق الماضي لإعادة كتابة التاريخ، بينما ظل الأرشيف المعاصر محجوباً داخل البيروقراطية. وبذلك ترسخت بنية مزدوجة: "دار الوثائق" لإدارة الماضي، و"أجهزة حفظ الأرشيف" لإدارة الحاضر، في استمرار واضح لمنطق الاحتكار. وعلى المستوى التشريعي، برزت اختلالات واضحة، أهمها غياب تعريف دقيق للوثيقة، ومنح بعض الجهات حق الاحتفاظ بوثائقها بدعوى السرية دون معايير محددة، فضلاً عن غياب قواعد واضحة لتصنيف الوثائق أو إتاحتها، واستثناء بعض الجهات من نطاق القانون، مما أدى إلى تفتيت المجال الأرشيفي.

وفي المحصلة، لم تمثل مرحلة ما بعد 1952 قطيعة بقدر ما كانت إعادة توظيف للأرشيف في سياق سياسي جديد؛ إذ تغيّرت السردية، بينما بقيت آليات السيطرة على الوثيقة وتوجيهها كما هي.