هوامش
أشرف إبراهيمالأغنية الشعبية ومهرجانات الصعيد وحروب الذوق مع السلطة
2026.09.12
الأغنية الشعبية ومهرجانات الصعيد وحروب الذوق مع السلطة
مَن هم «أهل الأطراف» وما معنى حروب الذوق؟
ليست مصر فقط القاهرة والإسكندرية؛ بل هي شبكة واسعة من الأطراف: الأحياء الشعبية، وقرى الدلتا، ونجوع الصعيد، ومدن القناة وسيناء. في هذه الهوامش تتخلق يوميًّا ثقافة حيّة، تناقض في كثير من الأحيان الصورة التي تحاول السلطة والإعلام الرسمي ترسيخها عن «الذوق المصري الرفيع». الأغنية الشعبية، ومهرجانات الصعيد، وأغاني المهرجانات الحديثة، كلها تعبيرات عن هذه الثقافة الطرفية التي تسعى لإسماع صوتها، بينما تحاول المؤسسات الرسمية ضبطها أو قمعها باسم «حماية الذوق العام».
هذا المقال يحاول قراءة ثقافة الأطراف من ثلاث زوايا: الأغنية الشعبية كصوت للفئات المقهورة، ومهرجانات الصعيد كطقوس جماعية تعيد إنتاج الهوية المحلية، ثم «حروب الذوق» بين السلطة وهذه التعبيرات الشعبية، بوصفها صراعًا على مَن يملك حق تعريف «ما هو الفن اللائق» وما هو «الابتذال».
الأغنية الشعبية – صوت الهامش وحكاياته
1- من موال المقاهي إلى شرائط الكاسيت
الأغنية الشعبية في مصر ليست اختراعًا حديثًا؛ جذورها تمتد في الموال، والسيرة الهلالية، وغناء الحارة والمقهى، لكنها تغيّرت جذريًّا مع ظهور الكاسيت منتصف السبعينات، الذي سمح لمغني الأطراف بتجاوز احتكار الإذاعة والتلفزيون، والوصول للجمهور مباشرة عبر الباعة الجائلين وسيارات الميكروباص والأسواق. دراسات عن شريط الكاسيت توضح كيف أعاد تشكيل الخريطة الثقافية: فجأة صار بإمكان أي موهوب من الطبقة الشعبية أن يسجِّل شريطًا بأقل تكلفة ويصبح «نجمًا» على مستوى الأحياء والمدن الصغيرة، بعيدًا عن لجان الاستماع وشروط «الرقي» التي تفرضها مؤسسات الدولة.
في هذه البيئة ظهر نجوم مثل أحمد عدوية، وحسن الأسمر، وحكيم في بداياته، وغيرهم ممن مزجوا بين الإيقاعات الشرقية والكلام الدارج، وقدموا سرديات عن الشقاء، والغربة، والحب الفقير، والعلاقة اليومية مع الدولة والشرطة والشارع. أغنية مثل «السح الدح إمبو» مثّلت صدمة للنخبة، لكنها كانت إعلان استقلال الذوق الشعبي عن وصاية المثقف الرسمي.
2- ماذا تقول الأغنية الشعبية عن مجتمعها؟
تحليلات لخطاب الأغاني الشعبية في المجتمعات الشعبية بالصعيد تُظهر أن هذه الأغاني لا تكتفي بالتسلية، بل تحمل كلمات تعبِّر عن قيم الشرف، والرجولة، والتضامن، والعداوة، وتستخدم لغةً مباشرةً أحيانًا فظة للتعبير عن واقع عنيف وفقير. الأغنية الشعبية تحكي عن:
· الفقر والديون والهمّ اليومي.
· الهجرة الداخلية والخارجية بوصفها حلم خلاص.
· علاقات القوة بين البلطجي والتاجر والموظف والشرطي.
· الحب في سياق اجتماعي محافظ؛ حيث القيود الطبقية والعائلية حاضرة.
بدل أن تقدّم صورة «مجمّلة» عن المجتمع، تفضح الأغنية الشعبية تناقضاته، وتمنح المهمَّشين لغة يُسمِعون بها العالم وجعهم وسخريتهم.
3- من الشعبي إلى المهرجانات: نقلة في الصوت والإيقاع
بعد 2010، ومع الثورة وصعود الإنترنت، أخذت الأغنية الشعبية شكلًا جديدًا في «أغاني المهرجانات» التي خرجت من أحياء مثل السلام، والمطرية، وإمبابة. دراسة حديثة حول «أغاني المهرجانات» تربط بين هذه الموجة وتمدد الحالة الشعبوية في الشارع المصري بعد الربيع العربي، وترى أنها تعبير عن مجتمعات محلية مهمشة «يسودها الفقر والجهل والعنف»، تبحث عن التعبير عن نفسها بعد عقود من الإقصاء.
تتميّز المهرجانات بسمات عدة:
· إيقاع إلكتروني قوي، يقدَّم في الأفراح والحفلات الشبابية والمآتم أيضًا.
· اهتمام كبير بالإيقاع على حساب اللحن التقليدي، وتلاعب صوتي (نبر وتنغيم) يخضع الكلام للإيقاع.
· موضوعات تدور حول «الصحاب»، والعنف، والاستعراض، وأحيانًا الكحول والجنس والعنف الرمزي.
هذه العناصر كلها جعلت المهرجانات هدفًا للهجوم من النخب الثقافية التي اعتبرتها «تهديدًا للهوية الثقافية الأصيلة» و«دعوة للتحلل الأخلاقي»، خاصة مع كلمات تتحدث عن الخمر والعلاقات الجنسية والعنف.
4- لماذا يحبها الناس إذًا؟
تكشف الدراسة نفسها عن أن سر جاذبية المهرجانات يكمن في أمرين:
· أنها «ابن البيئة»: تعكس اللغة، والقيم، والتوترات، ومزاج الأحياء المهمشة بشكل مباشر وصادم.
· أنها تمنح الشباب مساحة للفرح والتمرد والتعبير عن غضبهم في حفلات رخيصة أو عبر «يوتيوب»، بعيدًا عن حفلات النخبة المكلفة.
بهذا المعنى، الأغنية الشعبية، ثم المهرجانات، هما استمرار لثقافة الأطراف التي تُصرّ على أن يكون لها صوت مستقل، حتى لو كان هذا الصوت نشازًا في أذن السلطة والنخبة.
مهرجانات الصعيد – طقوس جماعية وهوية محلية
1- ما هي مهرجانات الصعيد؟
في الصعيد، من قنا وسوهاج وأسيوط إلى المنيا والأقصر، تتشكّل الحياة الثقافية حول مواسم وموالد ومهرجانات محلية: موالد أولياء، واحتفالات دينية مسيحية وإسلامية، وأفراح، وسباقات خيل وجِمال، وسامر بدوي وقروي. هذه المهرجانات تمتد جذورها إلى مزيج من التقاليد القبلية والدينية والريفية، وتحمل في طقوسها رقصات وغناءً وأشعارًا خاصة بالمكان.
في سيناء مثلًا، يحتفظ السامر السيناوي بأهميته بوصفه غناءً جماعيًّا مع رقصات الدحية والمشرقية، بينما في الصعيد نجد السيرة الهلالية، والربابة، و«التحطيب» بوصفها جزءًا من الاحتفالات. كل هذه الأشكال تمثل «ثقافة طرفية» بالنسبة لمركز الدولة في القاهرة، لكنها في نظر سكانها هي قلب الثقافة المصرية.
2- مكونات مهرجانات الصعيد: الغناء والرقص والجسد الجماعي
الدراسات حول فنون أداء السيرة الهلالية تشير إلى أن الأداء في الصعيد يعتمد على التفاعل الحي بين الراوي والجمهور؛ حيث يتحول المهرجان إلى «مسرح مفتوح» يشارك فيه الجميع بالصوت والحركة، وتتداخل فيه الحكاية التاريخية مع قضايا الناس المعاصرة. في الأفراح والموالد، تُستخدم الإيقاعات الشعبية (الطبل والمزمار)، وتظهر رقصات مثل التحطيب، التي تمزج بين الاستعراض القتالي واللعب الشعبي.
هذه الممارسات تعيد إنتاج الهوية المحلية:
· تأكيد قيم الشجاعة والكرم والنخوة.
· تثبيت مكانة العائلات والقبائل عبر موقعها في المهرجان (مَن يقيم الليلة؟ مَن يأتي بالمطرب؟ مَن يقدّم الذبيحة؟).
· توارث الحكايات والأغاني عبر الأجيال.
3- العلاقة مع السلطة: من التوظيف إلى التضييق
السلطة تنظر إلى مهرجانات الصعيد بعين مزدوجة:
· من ناحية، يمكن توظيفها في سياحة داخلية وخارجية، كجزء من «الفولكلور المصري» الذي يُقدَّم في المهرجانات الرسمية، أو عبر فرق مثل «وادي النيل للفنون الشعبية».
· ومن ناحية أخرى، تخشى قدرتها على خلق فضاءات اجتماعية خارج السيطرة؛ خصوصًا في مناطق ذات تاريخ احتجاجي أو مع هامش أمني (جنوب الصعيد وسيناء).
لذلك نرى أن بعض الممارسات تُحتوى عبر تحويلها إلى عروض رسمية (فرق فولكلور، ومهرجانات ترعاها وزارة الثقافة)، بينما يتم التضييق على أشكال أكثر عفوية أو سياسية، خاصة إذا ارتبطت بالقبائل أو بحضور ديني غير مرغوب فيه.
5- الأطراف في مواجهة المركز الثقافي
في كل هذا، يبقى الصعيد وأطرافه الثقافية في موقع «المهمّش»: كثير من الأصوات القادمة من هذه المناطق تشتكي من أن الإنتاج الثقافي القاهري يتجاهلهم، أو يتعامل معهم كفولكلور جامد لا كثقافة حية. لكن على الأرض، المهرجانات الصعيدية تستمر في تجديد نفسها، وتنتج أحيانًا نجومًا في الأغنية الشعبية والمهرجانات الحديثة، التي تنتقل بدورها إلى المركز.
حروب الذوق – مَن يملك حق تعريف «الفن الجيد»؟
1- ما هي «حروب الذوق» في مصر؟
«حروب الذوق» تعبير عن صراع طويل بين سلطة سياسية/ثقافية تريد تحديد ما هو «فن محترم» يليق بصورة الدولة، وبين ثقافة شعبية تنمو من أسفل، لا تستأذن أحدًا، ولا تحترم قوانين «النقاء الفني». هذا الصراع يظهر بوضوح في الجدل حول أغاني المهرجانات، ومن قبلها الشعبي، وفي تعامل الدولة مع الفنون الشعبية الصعيدية.
دراسة عن «واقع الهوية الثقافية المصرية بعد الربيع العربي» تتخذ أغاني المهرجانات نموذجًا لتغيير الذوق العام، حيث انحاز قطاع واسع من الشباب لهذا اللون، رغم تعارضه مع «توجه الهوية الثقافية المصرية المرتكزة على الأعراف والتقاليد». النخب الثقافية ترى في هذه الأغاني تهديدًا لـ«الثالوث» الذي يحمي الهوية: الدين والأخلاق والتقاليد.
2- أدوات السلطة في حرب الذوق
السلطة تمتلك أدوات متعددة لخوض هذه الحرب:
· الرقابة والمنع: منع حفلات أو إيقاف مطربين بحجة «الإسفاف» و«إفساد الذوق العام».
· الاحتواء: استضافة بعض نجوم الغناء الشعبي والمهرجانات في برامج تلفزيونية أو حفلات رسمية بعد «ترويضهم».
· إنتاج بدائل رسمية: دعم فرق فولكلور «منقّاة» تظهر الفنون الشعبية كاستعراض جميل بلا أي محتوى ناقد أو خشن.
في المقابل، تعتمد ثقافة الأطراف على أدوات مضادة:
· «يوتيوب» ومنصات البث الرقمي التي تكسر احتكار التلفزيون والإذاعة.
· الحفلات الخاصة والأفراح والمهرجانات المحلية التي يصعب ضبطها بالكامل.
· شبكات «الكاسيت» سابقًا و«الفلاشات» والبلوتوث لاحقًا.
3- ماذا تكشف حروب الذوق عن الطبقات والسلطة؟
حين ترفض النخبة المهرجانات بحجة «الانحطاط»، تتجاهل أحيانًا أن هذه الأغاني تعكس تحولات عميقة في المجتمع: تمدد العنف، وتآكل الأمان الاجتماعي، وضغط الفقر، وتشظي الهويات. الدراسة المشار إليها ترى أن المهرجانات تعبِّر عن «المكونات البيئية المنغلقة المهمشة» التي تعيش شعورًا بالمظلومية، وتحاول تكوين «ثقافة بديلة» تخلخل مركزية الثقافة الرسمية.
وهنا تصبح «حروب الذوق» ليست مجرد نقاش فني، بل معركة على تمثيل الواقع:
· هل يُسمح للمهمَّشين أن يرووا العالم بلغتهم أم يجب أن يتكلموا بلغة صاغتها طبقة وسطى عليا في القاهرة؟
· هل تُعتبر ثقافة الأطراف جزءًا من الهوية المصرية أم شيئًا يجب تهذيبه أو طمسه؟
4- من المنع إلى التعايش المتوتر
مع الوقت، لا تستطيع السلطة منع كل شيء. كما حدث مع الشعبي والكاسيت، بدأت بعض أغاني المهرجانات تتسلل إلى الإعلانات، والأفلام، وحفلات رأس السنة، بل تُستخدم أحيانًا في حملات رسمية تستهدف الشباب. بالتوازي، تستمر موجات منع واستنكار، خاصة عندما تتجاوز الأغاني خطوطًا حمراء سياسية أو أخلاقية.
هذا التعايش المتوتر يعني أن حروب الذوق ليست معركة تُحسم مرة واحدة، بل عملية مستمرة من الشدّ والجذب، يتغيّر فيها توازن القوى مع تغير التكنولوجيا، والسياسة، وتركيبة الطبقات.
ثقافة الأطراف بوصفها اختبارًا حقيقيًّا للديمقراطية الثقافية
ثقافة الأطراف في مصر – من الأغنية الشعبية والمهرجانات إلى موالد الصعيد والسيرة الهلالية والسمار البدوي – ليست هامشًا يمكن حذفه من الصورة، بل هي مركز حقيقي لفهم ما يجري في المجتمع. ما يعتبره «المركز» ضوضاءً أو إسفافًا هو غالبًا صرخة طبقات مهمشة تبحث عن لغة تعبّر بها عن وجودها، حتى لو بدت صاخبة أو صادمة.
حروب الذوق بين السلطة وهذه التعبيرات ليست فقط حول الموسيقى؛ إنها حول مَن يملك الحق في تعريف «الهوية المصرية» اليوم: هل هي حكر على مؤسسات الدولة والنخب الثقافية، أم نتاج تفاوض مفتوح بين كل الفاعلين، بمَن فيهم سكان الأطراف والفقراء والشباب؟
إذا أريد لهذه الهوية أن تكون حية وديمقراطية، لا بد من الاعتراف بأن الفن «ابن بيئته»، كما تقول دراسة المهرجانات، وأن مواجهة العنف والقبح في النصوص لا تكون بالمنع وحده، بل بمعالجة جذور الفقر والتهميش التي تنتج هذه النصوص أصلًا.