عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

سارة مُكني

إنجي أفلاطون: الفن كأداة للتحرر… وسيرة نسوية في قلب الصراع الاجتماعي

2026.03.28

إنجي أفلاطون: الفن كأداة للتحرر… وسيرة نسوية في قلب الصراع الاجتماعي

 

لا تحتاج إنجي أفلاطون إلى تقديم مطوّل؛ فهي ليست فقط واحدة من أبرز الوجوه التي جمعت بين الالتزام السياسي والإبداع الفني في مصر الحديثة، بل تُعد أيضًا أول نسوية ماركسية مصرية بالمعنى الفكري والتنظيمي الواضح، وهو ما يمنح تجربتها أهمية استثنائية في تاريخ الحركة النسوية. في السادس عشر من مارس، اليوم القومي للمرأة المصرية، تكتسب استعادتها معنى يتجاوز الاحتفاء الرمزي، لتصبح مدخلًا لفهم مشروع فكري ونضالي مبكر ربط بين تحرر النساء والتحرر الاجتماعي والوطني.

وُلدت إنجي أفلاطون في 16 أبريل 1924، وتوفيت في 17 أبريل 1989 بالقاهرة، في عائلة أرستقراطية تقليدية من أصول تركية شركسية، تنتمي إلى بنية شبه إقطاعية برجوازية. ورغم هذا الانتماء الطبقي، سرعان ما طوّرت موقفًا نقديًا حادًا تجاه بيئتها الاجتماعية. لعبت والدتها، صالحة أفلاطون، دورًا محوريًا في تشكيل وعيها المبكر؛ إذ مثّلت نموذجًا للمرأة المستقلة التي اختارت الانفصال عن زوجها، وأسست لنفسها مسارًا مهنيًا ناجحًا كأول مصممة أزياء مصرية تحمل علامتها التجارية.

تلقت أفلاطون تعليمها في مدارس النخبة، وظلت ناطقة بالفرنسية حتى سن السابعة عشرة، قبل أن تتجه لتعلم العربية بهدف إعادة الاتصال بهويتها الثقافية. وفي هذا السياق، انفتحت على الأوساط السريالية في القاهرة، حيث تعرّفت على الماركسية، وهو ما انعكس بوضوح في مسارها الفني والفكري. وقد تميزت أعمالها التشكيلية بمزجها بين التعبيرية والواقعية الاجتماعية، مركزةً على تصوير النساء، خاصة من الطبقات الشعبية والريفية، في تعبير بصري عن القهر الاجتماعي والاقتصادي. بالإضافة إلى كونها شخصية بارزة في الفن المصري الحديث، غالبًا ما تُعد واحدة من أوائل النسويات الماركسيات المصريات، وقد أدى التزامها الشيوعي إلى سجنها لأكثر من أربع سنوات في عهد عبد الناصر. ويُنظر اليوم إلى كتابها (1949) «نحن النساء المصريات» بوصفه بيانًا للنسوية الماركسية.

 

من السريالية إلى الالتزام السياسي

في العقود الأولى من القرن العشرين، كانت مصر تعيش حالة من التوتر السياسي؛ فبرغم الاستقلال الشكلي بعد ثورة 1919، استمر الوجود البريطاني، وظل النضال من أجل السيادة الوطنية في قلب المشهد. في هذا السياق، ظهرت الحركة النسوية المصرية في موجتها الأولى، بقيادة شخصيات مثل هدى شعراوي وسيزا نبراوي، اللتين عبّرتا عن نسوية ليبرالية مناهضة للاستعمار، لكنها لم تمسّ البنية الطبقية للمجتمع.

غير أن الأربعينيات شهدت تحولًا نوعيًا مع صعود تيار نسوي أكثر راديكالية، كانت إنجي أفلاطون إحدى أبرز ممثلاته، بل الرائدة الأولى في بلورة نسوية ماركسية مصرية تربط بوضوح بين الجندر والطبقة والاستعمار. في تلك المرحلة، تبلور وعيها السياسي بالتوازي مع تطورها الفني، خاصة تحت تأثير أستاذها كامل التلمساني، أحد مؤسسي جماعة «الفن والحرية»، الذي عرّفها على واقع الفلاحات المصريات، وربط لديها بين الفن والانحياز الاجتماعي.

 

النسوية كجزء من مشروع تحرري شامل

في عام 1942، انضمت أفلاطون إلى الحركة الشيوعية عبر حزب «إيسكرا»، وسرعان ما أصبح نشاطها السياسي محوريًا في حياتها، حتى إنها علّقت ممارستها الفنية لفترة. وفي عام 1945، شاركت إلى جانب لطيفة الزيات في تأسيس «رابطة الجامعة والمعاهد للشابات»، التي تبنّت خطابًا يساريًا مناهضًا للاستعمار، وربطت بوضوح بين قضية المرأة والتحرر الوطني والاجتماعي.

وقد عبّرت إحدى منشورات الرابطة عن هذا التوجه بقولها:

"النضال من أجل الحريات الأوسع… النضال من أجل التحرر من الاضطهاد والجوع والعدوان… النضال من أجل خلق حياة حرة ونبيلة للمرأة المصرية…".

يمثل هذا الخطاب تحولًا حاسمًا، إذ لم تعد قضية المرأة تُطرح في إطار إصلاحي محدود، بل كجزء من مشروع تغييري جذري. وفي السياق ذاته، شاركت أفلاطون في المؤتمر الديمقراطي الدولي للمرأة في باريس، ما أسهم في ربط الحركة النسوية المصرية بالفضاء الأممي.

وفي كتابيها «ثمانية ملايين امرأة معنا» (1948) و«نحن النساء المصريات» (1949)، بلورت أفلاطون تصورًا نظريًا متماسكًا يربط بين اضطهاد النساء والبنية الطبقية والاستعمارية، مؤكدة أن تحرير المرأة لا يمكن أن يتحقق دون تغيير شامل في النظام الاجتماعي، وهو ما يجعلها بالفعل المنظِّرة الأولى للنسوية الماركسية في مصر.

 

بين التحالفات السياسية وتعقيداتها

مع تصاعد النضال ضد الاستعمار البريطاني، دخلت الحركة النسوية مرحلة من التحالفات الواسعة، شملت أطيافًا سياسية متباينة. شاركت أفلاطون في هذه التحالفات، سواء ضمن «حركة صديقات السلام» أو «لجنة النساء للمقاومة الشعبية»، حيث التقت نسويات يساريات مع شخصيات محافظة، في إطار هدف مشترك هو التحرر الوطني.

تعكس هذه المرحلة طبيعة اللحظة التاريخية، التي أعادت تعريف دور النساء كفاعلات سياسيات مباشرات، لكنها كشفت أيضًا عن توترات كامنة بين الرؤى المختلفة داخل الحركة النسوية.

 

نسوية في قلب الصراع الطبقي ومناهِضة للاستعمار

وفقًا للباحث الفرنسي ديديه منسيود، يُعد كتاب «نحن النساء المصريات» أحد الدراسات القليلة التي كتبتها شيوعية مصرية. ووفقًا لإنجي أفلاطون، يجب أن يكون تحرير المرأة جزءًا من تحول اجتماعي أوسع. وعلى غرار الشيوعيين الستالينيين، تؤيد إنجي أفلاطون نظرية الثورة على مراحل: إذ يجب على البلدان المستعمَرة وشبه المستعمَرة أن تحقق ثورة ديمقراطية برجوازية، بالتحالف مع البرجوازية الوطنية، وهي مرحلة تاريخية تسبق أي ثورة اشتراكية. لذا كتبت إنجي أفلاطون «نداءً حقيقيًا» لمشاركة المرأة في العمل وللتحرك بنفسها.

وانطلاقًا من السياق المصري للجدل السياسي الدائر، تنتقد الخطابات المحافظة أو «الرجعية»، مثل «النظرية الرجعية التي دعت إلى عودة المرأة إلى المنزل»، والتي تعارض تحررها. وتندرج ضمن سلالة وشرعية تاريخية من خلال تكريس كتابها لعدد من المفكرين المصريين، مثل قاسم أمين، وسلامة موسى، والمفكر الدارويني النقدي إسماعيل مزهر، والرجل الديني التقدمي خالد محمد خالد، وطه حسين. وكانت تسعى إلى إقناع الرأي العام بأهمية مطالب النساء والدعوة إلى تحريرهن من القيود.

دافعت عن حق المرأة في اختيار زوجها (شريكها)، وحقها في التعليم والاستقلال الاقتصادي، وضرورة إجراء إصلاحات. وناضلت من أجل حظر تعدد الزوجات، الذي اعتبرته أحد العوامل الرئيسية التي تضر بالأسر المصرية وتمنع تحرير المرأة، حيث رأت فيه اختزالًا للمرأة إلى أداة للمتعة المؤقتة. كما دعت إلى الحد من الطلاق، وأدانت بشدة قانون الأحوال الشخصية المصري الأبوي، الذي يتيح طلاق المرأة بمجرد جملة واحدة من الزوج. ودافعت عن تحقيق المساواة من خلال الحق في الطلاق وإلغاء الطاعة.

واعتبرت أن مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية تمثل عاملًا أساسيًا للتقدم الاجتماعي. ووفقًا لها، يتحقق ذلك من خلال اكتساب الحقوق الاجتماعية، كالإجازات مدفوعة الأجر، بما في ذلك إجازة الأمومة، والمساواة في الأجور. كما حرصت على محاربة الفقر والجهل والمرض، التي كانت سائدة في عصرها، ومواجهة معارضي المساواة. ويتسم التزامها النسوي الماركسي أيضًا بارتباط وثيق بالنضال من أجل التحرر الوطني.

فالإمبريالية، في رأيها، لا تكتفي بالسيطرة على الموارد والخيارات السياسية، بل تعمل على تكريس التخلف الاجتماعي من خلال دعم القوى المحافظة التي تُبقي النساء في وضع التبعية، مما يضمن استقرار نظام الهيمنة برمته. ويندرج اضطهاد النساء ضمن آلية السيطرة الاجتماعية التي يحتاجها الاستعمار لضمان مصالحه؛ فالنساء محاصرات في فخ الجهل والفقر والتهميش، مما يؤدي إلى تكريس مجتمع هش وسهل الخضوع.

وفي الوقت نفسه، يؤدي الاقتصاد التابع الذي تفرضه الإمبريالية إلى توسيع دوائر الفقر، وتجد النساء أنفسهن في قلب هذا الاستغلال باعتبارهن قوة عاملة رخيصة وغير مرئية، مما يفاقم أشكال القمع التي يقعن ضحايا لها. لكن أفلاطون لا تكتفي بالتشخيص، بل تقترح رؤية تحررية تربط نضال النساء بالنضال الوطني، مؤكدة أن تحرير النساء لا يمكن أن يتحقق ما دامت البنية الاستعمارية قائمة، وأن مشروع الاستقلال نفسه يظل ناقصًا إذا لم يشمل تفكيك علاقات الهيمنة داخل المجتمع. وبهذا المعنى، يصبح تحرير المرأة شرطًا للتحرير الوطني، تمامًا كما يصبح النضال ضد الإمبريالية شرطًا لتحرير المرأة، في علاقة جدلية متبادلة تشكّل ما يمكن تسميته «تحريرًا مزدوجًا» من الاستعمار ومن البنية الاجتماعية القمعية في آن واحد.

 

القمع والسجن: ثمن الالتزام

مع وصول «الضباط الأحرار» إلى السلطة عام 1952، دخلت مصر مرحلة جديدة اتسمت بازدواجية واضحة: فمن جهة، تبنّى النظام إصلاحات لصالح النساء، ومن جهة أخرى، قام بتفكيك التنظيمات المستقلة وقمع المعارضة السياسية. في هذا السياق، اعتُقلت إنجي أفلاطون عام 1959 ضمن حملة استهدفت الشيوعيين، لتصبح واحدة من أوائل الناشطات السياسيات اللواتي دخلن السجن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وهو ما يكشف حجم الثمن الذي دفعته نتيجة التزامها السياسي.

تكشف هذه التجربة عن مفارقة «النسوية الرسمية»، حيث تُمنح النساء بعض الحقوق من أعلى، في الوقت الذي تُقمع فيه الأصوات النسوية المستقلة والجذرية.

 

الفن خلف القضبان: التعبير كفعل مقاومة

في سجن القناطر، لم تتخلَّ أفلاطون عن الفن، بل حولته إلى أداة مقاومة. رسمت حياة السجينات، موثقةً عالمًا مهمشًا ومغيبًا، ومعبّرة عن معاناة النساء في أقسى ظروف القهر. كما شاركت في إضرابات عن الطعام، مؤكدة أن النضال لا يتوقف حتى داخل السجن.

بعد الإفراج عنها عام 1963، عادت إلى الفن، لكن تجربتها السياسية ظلت حاضرة بقوة في أعمالها. وفي خطاب لها عام 1975، أكدت أن أي مشروع تحرري لا يضع الفئات الأكثر تهميشًا—وخاصة النساء الريفيات—في مركزه، يظل مشروعًا ناقصًا.

 

إرث ممتد: النسوية كتحليل للعالم

تمثل تجربة إنجي أفلاطون لحظة تأسيسية في تاريخ النسوية المصرية، ليس فقط لأنها نقلت الخطاب من الإصلاح إلى الجذرية، بل لأنها وضعت الأساس النظري لأول تصور متكامل للنسوية الماركسية في مصر. ولم تكن أفكارها مجرد استجابة لواقعها التاريخي، بل أسست لنمط من التفكير ما زال حاضرًا في الحركات النسوية المعاصرة.

اليوم، تبدو أطروحاتها أكثر راهنية، خاصة في تأكيدها أن تحرير المرأة لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني. فبالنسبة لها، لم يكن النضال النسوي قضية منفصلة، بل جزءًا من مشروع تحرري شامل يعيد صياغة المجتمع بأكمله.

 

خاتمة

ليست إنجي أفلاطون مجرد فنانة أو ناشطة سياسية، بل هي تجربة فكرية ونضالية متكاملة، جسدت تداخلًا عميقًا بين الفن والسياسة. ومن خلال هذا التداخل، أعادت تعريف معنى الالتزام، بوصفه مسارًا يربط بين تحرير الفرد وتحرير المجتمع، ويجعل من الفن أداة للمقاومة، ومن النسوية مشروعًا للتحرر الشامل.