هوامش
دار المراياالإخوان المسلمون بعد عقد الثورة.. ماذا يحدث داخل الجماعة؟
2021.12.01
الإخوان المسلمون بعد عقد الثورة.. ماذا يحدث داخل الجماعة؟
لا شك أن الحديث عن مستقبل الأحزاب والحركات الإسلامية في المنطقة العربية يستمد أهميته من حقيقة أن هذه الجهات مازالت من الأطراف الفاعلة الرئيسية في المشهد السياسي الإقليمي. مؤخرًا، مع التطورات في تونس وخسارة العدالة والتنمية المغربي، فضلاً عن عودة طالبان لحكم أفغانستان، تجدد السؤال حول مستقبل ما يطلق عليه "الإسلام السياسي"، وهل هو إلى أفول بعد الحملة الإقليمية عليه؟ أم أنه مثل باقي التيارات السياسية معرض لفترات من الصعود والتراجع لكنه مازال يحتفظ ببنية تحتية اجتماعية تجعل منه فاعلاً سياسيًّا لا يمكن تجاهله، أو التسرع بطي صفحته.
في مصر، الموطن الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين، لا يبدو الوضع مختلفًا تمامًا، وإن كان له خصوصية لا يمكن إغفالها. فالإخوان في مصر لم يخسروا الانتخابات مثل العدالة والتنمية المغربي مع الاحتفاظ بوضع قانوني وأفق سياسي واضح يمكنهم من مواصلة العمل السياسي واستعادة شعبيتهم الانتخابية مجددًا. كما أنهم ليسوا في معادلة مماثلة للحالة التونسية التي ما زالت مفتوحة على سيناريوهات متعددة، ليس من المرجح أن يكون بينها صدام واسع مع الدولة كما في الحالة المصرية.
منذ 2013، وعقب أسابيع من الإطاحة بالإخوان من الحكم، تم تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، ووجهت الأجهزة الأمنية، ولا زالت، حملة واسعة نجحت في إيقاف أي نشاط للجماعة داخل البلاد بصورة شبه كاملة، خاصة مع اعتقال غالبية قياداتها وكوادرها المؤثرة، باستثناء عدد محدود غادر البلاد. هذا الانهيار المدوي من أعلى هرم السلطة في البلاد إلى حالة الاستهداف الشامل، أطلق تساؤلات داخلية حول تحديد المسؤوليات وأسباب الإخفاق. ومن ثم، صار الحديث حول آلية اتخاذ القرار الداخلي، وكيف يجب أن تدار الجماعة، وتقييم المرحلة السابقة، والتطوير المؤسسي، ورؤية الجماعة.. إلخ، من النقاشات الأساسية التي هيمنت على المناخ الداخلي للجماعة، بل وتسببت أحيانًا في انشقاقات وتوترات خرجت إلى العلن.
أين يقع شباب الجماعة؟
تميل بعض الكتابات إلى الفصل بين شباب جماعة الإخوان المسلمين وبين مجمل حالة الجماعة وتوجهاتها الرسمية. تفترض هذه الكتابات أن شباب الجماعة تيار متجانس وموحد إزاء كل القضايا، وهم دائمًا في حالة تناقض مع مواقف الجماعة الرسمية ومع قيادتها. لكنّ هذه الكتابات تعجز بعد ذلك عن تقديم تفسير مقنع لبقاء هؤلاء الشباب في الجماعة إذا كانت الفرضية الرئيسية السابقة صحيحة. تستمد هذه الفرضية قوتها من ملاحظات لا جدال حولها، مثل غياب أجيال الشباب عن الأطر القيادية في الجماعة. بالإضافة إلى مناسبات ومواقف عبرت فيها مجموعات من شباب الجماعة عن مواقف تخالف مواقف الجماعة عبر شبكات التواصل، أو حتى من خلال الفعل خاصة في الأشهر القليلة التي تلت ثورة يناير 2011.
لكنّ الواقع يبدو أكثر تعقيدًا وتركيبا من هذه الصورة المبسطة القائمة على رسم حدود طولية بين أجيال الإخوان. ليس من الدقيق توصيف التوترات الداخلية في جماعة الإخوان باعتبارها "صراع أجيال" وفقط. فلا يمكن رسم خط فاصل بين شباب الجماعة وشيوخها باعتبارهما معسكرين متمايزين بصورة كاملة. في الحقيقة، على الأقل منذ 2013 وما بعدها، صارت التوترات داخل الجماعة نابعة من خلافات حول السياسة، ونمط الإدارة، وموضع الجماعة المستقبلي في الواقع المصري وتعريف دورها. وفي كل هذه القضايا، ينخرط الشباب ليس بناء على اصطفاف جيلي، ولكن بناء على تحيزات ورؤى تجمعهم مع غيرهم من أجيال الجماعة الأكبر.
من ناحية السياسة، كما هو متوقع، تظهر الاختلافات في النهج الأمثل للتعامل مع النظام المصري ورؤية الخروج من المأزق الراهن الذي يهدد بقائها ذاته. تتوزع الانحيازات للخيارات السياسية بين كل أجيال الجماعة ومستوياتها الإدارية. فليس من الممكن مثلا القول بأن أجيال الشباب تميل إلى التصعيد ضد النظام وعدم تقديم تنازلات، أو أن الأجيال الأكبر تميل ناحية التفاوض أو حتى التنازل. تتوزع هذه التوجهات بصورة رأسية وأفقية داخل الجماعة، ولا يمكن ربطها بشريحة عمرية، أو توزيع جغرافي، أو حتى مستويات إدارية. ربما بإجراء مسح منهجي دقيق نصل إلى استنتاجات حول "التوجهات الغالبة" في شريحة معينة، أو في جغرافيا معينة (الخارج والداخل على سبيل المثال). لكنّ مثل هذا المسح لا يمكن أن يدعي أي طرف قيامه به، ومن ثم لا يمكننا ببساطة التسليم بدقة الانطباعات العامة التي يخلص لها البعض من خلال متابعة ناشطي الإخوان والإسلاميين على شبكات التواصل، أو مواقف الجماعة الرسمية التي يعبر عنها رموزها في الإعلام.
ويتمثل المأزق الأساسي لشباب الجماعة في هذا الصدد، ليس في إجراء هذا المسح، ولكن في قيام الجماعة بحوار داخلي حقيقي، تشارك فيه أجيال الجماعة وتنوعاتها المختلفة، وصولاً إلى تبني رؤية واضحة تجيب على التساؤلات السياسية التي مازالت معلقة، وتنتظر في الغالب مبادرات النظام نفسه أو وساطات خارجية تقوم هي بطرح تصورات للحل. أي أن الأزمة هنا، لشباب الجماعة ولكافة أعضائها بصورة عامة، ليس في عدم موافقتهم على خيارات الجماعة السياسية، ولكن لأنهم ليسوا واثقين ابتداءً بأن الجماعة لديها خيارات سياسية واضحة ورؤية كاملة حول إنهاء الأزمة الراهنة.
من ناحية إدارة الجماعة، ربما يكون الشباب أكثر حماسة لإجراء تغيرات داخلية، تسمح بمشاركة أوسع في إدارة الجماعة، وتضع آليات أكثر شفافية لعملية اتخاذ القرار بما يضمن خضوعه لاعتبارات علمية احترافية وأسس جماعية، فضلاً عن تفعيل آليات المراجعة والمحاسبة. لكنّ هذه المطالب ليست حكرا كذلك على أجيال الشباب، ويتبناها بالفعل قيادات بالجماعة بمستويات تنظيمية وإدارية متنوعة. كما أن مقاومة هذه المساعي والتخوف من دوافع أصحابها أو من تبعاتها على التماسك الداخلي في الظرف الراهن لا تقتصر على القيادات العليا بل تجد لها بعض الدعم أيضا بين أعضاء أصغر سنا. ومن الملاحظ هنا أن التوتر الرئيسي داخل الجماعة يكاد يكون محركه الرئيسي هو هذا الجانب الإداري والتنظيمي. إذ بات الاقتناع متزايدا بأنه ليس من الممكن تطوير رؤية الجماعة السياسية، وليس بإمكانها العودة كرقم مؤثر في العملية السياسية دون إحداث تغيرات جذرية في وضعها الداخلي يتلافى أسباب الإخفاق السابق، ويمهد لاستعادة الثقة الداخلية التي تضررت بصورة ملموسة.
الحاجة لاستعادة الثقة
التساؤلات المستقبلية حول وضع الجماعة وتحديد دورها وعلاقتها بالدولة والعمل السياسي.. إلخ، باتت أيضا مرتبطة بتغير داخلي يفتح الباب لقيادة جديدة يمكنها إدارة وتوجيه هذه العملية التي يلزمها مناخًا داخليًّا مواتيًا ومنفتحًا يتم خلاله مناقشة هذه التساؤلات ورسم السيناريوهات والبدائل في ظل المعطيات الراهنة والتحديات التي تواجه الأحزاب الإسلامية في المنطقة عموما، وفي الحالة المصرية بصورة خاصة. لكنّ هذه القيادة أيضا، وربما قبل ذلك، ينتظر منها أن تعيد لشباب الجماعة، وكل أعضائها، الثقة بقدرة الجماعة على تحقيق مشروعها وعلى تجاوز الأزمة التي تهدد بقائها. من خلال متابعة تعليقات بعض شباب الجماعة، والإسلاميين عموما، الناشطين على شبكات التواصل، ثمة اتجاه واضح بأنهم لم يعودوا بنفس الثقة بالذات.
طوال العقود السابقة، كان الانضمام للجماعة يلبي لدى أعضائها متطلبات متنوعة، بعضها يتعلق بالجوانب الروحية والأخلاقية، وبعضها مرتبط أكثر بالجوانب الاجتماعية، وبعضها بلا شك مرتبط بالطموح السياسي والرغبة في الانخراط في العمل العام. بالنسبة للجانب السياسي، كان ثمة ثقة واسعة لدى أعضاء الإخوان في كفاءة الجماعة وتميز مشروعها في ضوء القاعدة الجماهيرية الواسعة، والانتصارات الانتخابية التي تعودوا عليها حتى في ظل سقف المشاركة المقيد خلال سنوات حكم مبارك. من بين مشروعات التغيير الإسلامي، كان أعضاء الإخوان ينظرون لمشروعهم باعتباره الأكثر فاعلية وواقعية مقارنة بالجمعيات السلفية، وأيضا الأكثر اعتدالاً مقارنة بحركات العنف التي اصطدمت بالدولة. من خلال الحضور الواسع في النقابات المهنية، والنشاط الطلابي في الجامعات، ثم في البرلمان كأكبر كتلة معارضة، اكتسب أعضاء الجماعة ثقة متزايدة في مشروعها، من حيث الإنجاز ومن حيث الجدوى على حد سواء. لكنّ أداء الجماعة بعد الثورة، وخصوصًا إخفاقها في مواجهة مخطط الإطاحة بها من السلطة في يوليو 2013، لم يكن مقنعًا بالقدر الكافي لشريحة من أعضائها خصوصًا الشباب. ومع طول فترة الأزمة التي بلغت عامها الثامن الآن، ظهرت الجماعة في حالة ضعف عزز من الخلافات الداخلية التي تظهر على السطح بين الحين والآخر. ومن ثم لم تعد كفاءة الجماعة محل إجماع، ولم يعد من المسلم به، كما السابق، أن الجماعة قادرة على تحقيق مشروع التغيير الذي تسعى إليه.
وقد تنوع التعبير عن حالة فقدان الثقة هذه في عدة مظاهر. بعضها تحول لفقدان الثقة في جدوى التغيير السلمي ومن ثم بحث هؤلاء عن مسارات أخرى خارج الإخوان ظنا منهم أنها أكثر قدرة على الإنجاز. وتحول بعضها لفقدان الثقة في قيادة الجماعة، دون أن ينسحب هذا بالضرورة على مشروعها أو منهجها السلمي، وبالتالي لجأ هؤلاء إلى تحدي القيادة والضغط من أجل تغييرات جذرية داخلية. كذلك، تحول بعض فقدان الثقة إلى ظواهر من الإحباط والعزوف تماما عن المشاركة في الشأن العام سواء من خلال الإخوان أو من خلال أي مسار آخر. من الصعب، وربما من غير الممكن، تحديد نسب دقيقة لكل من هذه الاتجاهات. أولا لأنها تتطلب بالأساس مسحًا داخليًّا ليس متاحا إلا لقيادة الجماعة وأجهزتها الداخلية. وثانيا، لأن هذه الاتجاهات مازالت غير نهائية، ومن ثم قابلة للتغير من الحين للآخر.
وبالإضافة إلى ذلك، اتجهت مجموعات من شباب الجماعة، سواء احتفظوا بوضعهم التنظيمي أم لا، إلى مبادرات فردية أو من خلال مجموعات صغيرة، تحقق لهم الثقة التي يبحثون عنها، وتمكنهم من المساهمة الفاعلة في المشهد الحالي الذي يرون فيه الجماعة أقل فاعلية مما كانوا يتوقعون. وليس من المفاجئ أن تقتصر هذه المبادرات على الخارج كونهم أكثر قدرة على التحرك والتواصل دون ملاحقة أمنية. كما فتح لهم مجتمع المهجر المفتوح القدرة على التواصل وبناء شبكات من العلاقات فيما بينهم لم يختبروها خلال عملهم التنظيمي في مصر الذي يتسم بمركزية شديدة وعدم وجود قنوات اتصال أفقية داخل الجماعة. ومن المهم هنا ملاحظة أن هذه المبادرات الفردية قد تتطور لتقديم رؤى أو الدفع بجهود الإصلاح الداخلي، أو قد يفضي بعضها لإطلاق مسارات عمل خارج أطر الجماعة وبعيد عنها، حتى لو كانت محدودة من حيث العدد أو من حيث مجال تأثيرها (إعلامي، سياسي، حقوقي، ثقافي.. إلخ).
إلى أين تتجه الجماعة؟
تواجه جماعة الإخوان حاليًا الحملة القصوى في تاريخها. لم تتعرض الجماعة مسبقا لهذا النمط من الإجراءات الأمنية الممتدة الآن لأكثر من ثماني سنوات. وربما يرجع السبب لأن يعتبر البعض هذه الإجراءات أشد قسوة من العهد الناصري لأن الجماع نفسها أكثر تماسكًا مقارنة بتنظيم الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات.
يعتبر "التنظيم" أحد أهم إنجازات حسن البنا. بل إن سيد قطب رأي أن عبقرية (البنا) الأساسية تجلت في قدرته على (بناء) تنظيم هرمي تربطه علاقات روحية وأخوية عميقة، جنبا إلى جنب مع بناء إداري محكم متسلسل من القيادة وحتى وحدة البناء الأولى في الجماعة: "الأسرة". لكنّ تنظيم حسن البنا كان منفتحًا؛ كونه يمثل جميعة رسمية قانونية تعمل بصورة معلنة وفي أجواء الثلاثينيات والأربعينيات الليبرالية نسبيًّا. لم يكن الانضمام للجمعية صعبًا أو يتطلب الكثير من الشروط والإجراءات، والمتتبع لمذكرات حسن البنا ورجال الجماعة الأوائل يجد سهولة في ضم الأعضاء للجميعة، بل وتكليفهم على الفور بمهام تنفيذية ومنحهم صلاحيات واسعة في نطاقهم الجغرافي. لذا، لم يكن من المستغرب فعلاً أن تتبخر الجماعة بمجرد دخولها في صدام مع نظام يوليو 1952. ما إن بدأ جمال عبدالناصر حملته لاستئصال الجماعة، واعتقل قادتها وكوادرها النشطة، حتى اختفت عضويتها المليونة، وذابت في المجتمع الجديد، رغم أنها تعرضت لإجراءات أقل بكثير، وأقصر، مما تتعرض له الجماعة حاليا.
في المقابل نجد أن التنظيم الجديد الذي أعيد بناؤه في السبيعينات وحتى أواسط الثمانينيات كان مختلفا بصورة جوهرية. تم التخطيط منذ اللحظة الأولى لبناء تنظيم مغلق، يُفترض أنه لا يتمتع بالشرعية القانونية التي تسمح لها بممارسة نشاط طبيعي علني، واستبطن في كل ممارساته ومناهجه التربوية والثقافية حالة صراع مع نظام الحكم تحتم عليه العمل بقدر كبير من الخصوصية والسرية. مع الوقت، صارت آليات استقطاب الأعضاء ومعايير اكتساب العضوية مرتبطة في جزء منها بقدرة الفرد على العمل السري وعلى تحمل تبعات الصراع وقمع الدولة. مع أجواء الجمود السياسي في التسعينيات صار التنظم أكثر انغلاقًا، وفي أجواء الانفتاح السياسي التي بدأت 2004 وحتى قيام ثورة يناير، لم تتغير طبيعة التنظيم بصورة جوهرية، وهو ما يعني أن الجماعة دخلت مرحلة الثورة وما تلاها بتنظيم شديد المركزية مؤهل قبل كل شيء للعمل ضد نظام الحكم وتحت ضغط أجهزته الأمنية القمعية. صحيح أنه طوال عهد مبارك لم يتعرض لحملات قمع تستهدف القضاء عليه، لكنّ تعرض أعضاء الجماعة بصورة متكررة ومنتظمة للاعتقال والتعذيب والمنع من العمل في الوظائف الحكومية.. إلخ كان يغذي لدى التنظيم حالة "المحنة"، ويعتبر تدريبًا عمليًّا على تحمل تبعات الانضمام للجماعة. ليس معنى هذا أن الجميع كان بالضرورة ينتظر لحظة صدام واسعة مع الدولة كما حدث، لكن هذا الاستعداد المبدئي، وسنوات التربية على ثقافة الصبر والمواجهة، أعيد انتاجه وصقله ضمن سياق الثورة الذي ألهم الكثيرين وشجعهم على تحدي القمع والتضحية من أجل لحظة التغيير التي باتت قريبة.
لذلك، فإن استمرار الإجراءات الأمنية بنفس مستوى الاستنفار طوال السنوات السابقة، ليس محركه فقط رغبة الأجهزة الأمنية في الانتقام من الانتقام من الإخوان، أو حتى تأتي كرد فعل على استئناف التنظيم لأنشطته. تقريبًا توقف التنظيم تمامًا داخل البلاد على القيام بأي شيء. لكن الاستنفار مبعثه أن الدولة ليست واثقة تمامًا أنها تمكنت من القضاء على الجماعة حتى مع توقف أنشطتها. ليس بسبب عدم الاعتراف بنظام يوليو 2013، ولكن لأن الجماعة ببساطة مازالت قائمة، وما زال تحتفظ قيادتها بخطوط الاتصال مع القواعد، حتى لو لم تكن مفعلة كما السابق. يمتلك التنظيم قدرة عالية على التكيف مع الإجراءات الأمنية، ويستمد أعضاءه من الأدبيات الإسلامية ومن حالة الثورة حافزًا للصبر في مواجهة الإجراءات الأمنية.
لذلك، وعلى الرغم من جدية الإجراءات الأمنية وقسوتها، فإن التهديد الأساسي الذي يهدد مستقبل الجماعة ربما هو التهديد القادم من داخلها وليس من خارجها.
يتمثل هذا التهديد الداخلي في قدرة الجماعة على الحفاظ على وحدتها في مواجهة تناقضاتها الداخلية، ليس فقط المتمثلة في التدافع بين أجيالها العمرية؛ ولكن بالأساس المتمثلة في قدرتها على إقناع أعضائها وجمهورها باستمرار الرهان على مشروعها، واستعادة الثقة مجددًا في أهليتها السياسية. وهي مهمة تتطلب تغيرات داخلية حقيقة وصعود قيادة داخل الجماعة تعوض غياب قيادتها في السجون، وتكون قادرة على توحيد القواعد وإقناعهم بأن لديها رؤية للخروج من الأزمة الراهنة، ولديها مشروع ممكن لمستقبل الجماعة. أو على الأقل، أنها قادرة على إدارة حوار داخلي واسع يفضي لتبني رؤية ومشروع.
خاتمة
يستمد "الإسلام السياسي" معناه الحقيقي وجدواه من التساؤل العام الذي شغل قادة الإصلاح في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين: كيف يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تحيا وفق الإسلام في ظل الدولة الحديثة؟ وأين موقع الإسلام وشريعته في الحياة العامة؟ ومن المسؤول عن تحديد ذلك ومن المسؤول عن الدفاع عنه؟
لذلك لا يعتبر بقاء جماعة الإخوان، أو غيرها من الحركات الإسلامية لنحو قرن من الزمان محض عبقرية من حسن البنا أو نتيجة مؤامرة تعهدها هو ومجموعة ضيقة من معاونيه. هذه التساؤلات ملك للمجتمع العربي والإسلامي، والإخوان وغيرهم سعوا للإجابة عنها نظريًّا وعمليا. ومن ثم فإن ما يغذي الحركات الإسلامية أوسع من مسألة الصدام حول السلطة في دولة معينة. كما أنه أوسع من مستقبل حالة تنظيمية محددة، حتى لو كانت هي الحالة الأم كما في حالة الإخوان في مصر. لذلك، فرغم الملاحق الأمنية، رغم الانتقادات الداخلية الحادة، ما زال التيار الرئيسي من شباب الإخوان إما في حالة رهان على إمكانية استعادة المشروع وإحيائه، أو أنه بالفعل منخرط في الوضع الراهن للجماعة ومتقبل له. ربما يضع هذا شكوك حول إمكانية عودة الجماعة لقوتها السابقة قريبًا وقدرتها على استقطاب شبابها الغاضب أو العازف مجددًا، لكن الشكوك أقل عموما فيما يتعلق ببقاء الإسلاميين كطرف سياسي أساسي بغض النظر عن الأطر التنظيمية الذي تمثلهم، خاصة وأن الدولة العربية نفسها ما زالت بعد عقد من الربيع العربي تكافح لإقناع شرائح واسعة من شعوبها بأهليتها وقدرتها على تحقيق آمالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ترشيحاتنا
