هوامش
شريف إمامالحداثة: من تأليه العقل إلى إحالته للتقاعد «كالسيفِ يَحمي حامِلِيهِ وإن غَلا يومًا فيُرديهِ ويُردي مَن تَسَلّا»
2026.09.12
الحداثة: من تأليه العقل إلى إحالته للتقاعد
«كالسيفِ يَحمي حامِلِيهِ وإن غَلا .. يومًا فيُرديهِ ويُردي مَن تَسَلّا»
لم تبدأ الحداثة الأوروبية بوصفها قطيعة مع الدين بقدر ما بدأت تمردًا على الوساطة الكهنوتية في فهمه. ففي القرن السادس عشر، ومع إرهاصات عصر النهضة، لم يعد الإنسان يقبل أنْ تُفرَض عليه الحقيقة من خارج وعيه، بل طالب بأنْ تكون ثمرة قدرته الخاصة على التفكير. هنا علا صوت رينيه ديكارت، لا بوصفه فيلسوفًا فحسب، بل بوصفه مؤسِّسًا لعالم جديد تُستمَد فيه الشرعية من الذات المفكرة. لم يعد اليقين قائمًا على الموروث، بل على ما يثبته العقل لنفسه. الشك لم يعد تهديدًا، بل صار طريقًا إلى الحقيقة. ومع القرن الثامن عشر، بلغ هذا المسار ذروته في فلسفة إيمانويل كانط، الذي رفع شعار التنوير: «تجرأ على استخدام عقلك».
لم يعد الإنسان بحاجة إلى وصيّ - لا كاهن ولا تقاليد - بل صار العقل هو المرجع الأعلى الذي يحدد القيم، ويصوغ المعايير، ويفصل في الخير والشر. هنا حدث التحول الحاسم: من تحرير العقل إلى تأليهه. لم يعد أداة لفهم العالم، بل أصبح سلطة تحكمه.
غير أن هذا «الانتصار» لم يكن بريئًا. فالعقل الذي تحرر من سلطة الخارج، بدأ يُنتج سلطته الخاصة. لم يعد مجرد وسيلة نقد، بل تحول إلى معيار مطلق لا يُراجع. وهكذا انتقل الإنسان من الخضوع للنص، إلى الخضوع للعقل ذاته، ومن الطاعة الدينية إلى طاعة عقل لا يعترف إلا بذاته.ومع الثورة الصناعية، دخل العقل مرحلة جديدة: مرحلة الاختزال. لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ بل: ما الأكثر كفاءة؟ لم يعد التفكير غاية، بل وسيلة. وهنا يظهر نقد مارتن هايدغر، الذي رأى أن الحداثة اختزلت الوجود إلى ما يمكن حسابه والسيطرة عليه، وأن العالم لم يعد يُفهم بوصفه معنى، بل بوصفه «موردًا» قابلًا للاستغلال. لقد فقد العقل عمقه التأملي، وتحول إلى أداة تنظيم وإدارة.
هذا التحول بلغ وضوحه الكامل في نقد ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، حين أعلنا في «جدل التنوير» أنَّ العقل الذي وُلد ليحرِّر الإنسان، انتهى إلى إخضاعه. لم يعد يسأل: لماذا؟ بل فقط: كيف؟ وهكذا ظهر «العقل الأداتي»، عقل بلا غاية، بلا روح، بلا قلق وجودي. عقل يحسب، لكنه لا يفهم؛ ينجز، لكنه لا يتساءل.
ومع الثورة الرقمية، دخل هذا المسار مرحلة أكثر راديكالية. لم يعد العقل مجرد أداة، بل أصبح مشروعًا للاستنساخ. لقد فتح آلان تورينغ الباب حين تساءل: هل يمكن للآلة أن تفكر؟ لكن السؤال اليوم لم يعد نظريًا، بل واقعيًّا: ماذا يحدث عندما تفكر الآلة بدلًا منا؟ في هذا السياق، يتحقق تحذير كانط بصورة ساخرة. الإنسان الذي طُلب منه أن يستخدم عقله، وجد أخيرًا مَن يريحه من هذا العبء. لم تعد الوصاية دينية، بل خوارزمية. ولم يعد الكاهن يحدِّد لك ما يجب أن تؤمن به، بل صار نظامًا رقميًّا يقترح عليك ما يجب أن تشاهده، وما ينبغي أن تشتريه، بل وما «يناسبك» أن تفكر فيه.
إنَّ الذكاء الاصطناعي لا يقتل العقل بشكل مباشر، بل يهمّشه بلباقة. يختصر له الطريق، يسرّع الإجابة، يلغي عناء السؤال. ومع كل تسهيل، يتآكل شيء ما: مساحة الشك، لذة الاكتشاف، بطء التأمل. وهكذا يتحول العقل من تجربة إنسانية معقدة إلى خدمة رقمية سريعة. لقد وصلت الحداثة إلى مفارقتها القصوى: في اللحظة التي بلغت فيها أقصى تمجيد للعقل، كانت تمهِّد لاستبعاده. لم يعد الإنسان مركز العملية المعرفية، بل صار مستهلكًا لها. لم يعد يفكر، بل «يُفكَّر له». وهنا لا يكون السؤال: هل ما زلنا نستخدم عقولنا؟ بل: هل ما زلنا بحاجة إليها أصلًا؟
لقد بدأ مشروع الحداثة بتحرير الإنسان من كل وصاية، لكنه انتهى إلى إنتاج وصاية أكثر نعومة وخفاءً. لم يعد هناك مَن يفرض عليك الحقيقة، بل مَن يقترحها عليك حتى تظنَّ أنها فكرتك. ولم يعد هناك قمع، بل راحة مفرطة تجعل التفكير نفسه عبئًا غير ضروري.
ربما لم يُلغَ العقل رسميًّا بعد، لكن يبدو أنه قد أُحيل فعليًّا إلى التقاعد المبكر، مع حزمة مزايا مغرية: لا حاجة للقلق، لا داعي للتفكير، كل شيء مُعدٌّ مسبقًا. فقط اضغط، وافق، واترك الباقي للخوارزمية. ولو عاد ديكارت اليوم، فلن يقول «أنا أفكر.. إذن أنا موجود»، بل ربما سيكتفي بالنظر إلى هاتفه ويهمس: «التطبيق يعرف عني أكثر مما أعرف.. إذن لا داعي لأن أتعب نفسي».
أما كانط، فربما سيعدِّل شعاره قليلًا: «تجرأ على استخدام عقلك.. إن وجدت وقتًا لذلك».
وهكذا، بعد قرون من الصراع من أجل تحرير العقل، يبدو أننا نجحنا أخيرًا.. في الاستغناء عنه.