عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

الحلفاء في الحرب: واشنطن وتل أبيب.. وصراع الغايات في إيران

2026.08.15

الحلفاء في الحرب: واشنطن وتل أبيب.. وصراع الغايات في إيران

 

ليست الحروب مرايا صافية تعكس سببًا واحدًا، بل تُعدُّ غرفًا معتمةً تتزاحم فيها المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية والأوهام الأيديولوجية. وفي الحرب على إيران، يصعب الاكتفاء بالرواية الرسمية التي تختزل الصراع حولها في برنامجها النووي، أو قدرتها الصاروخية، أو نفوذها الإقليمي المراد تصفيته. فخلف ستار الأمن تقف أسئلة النفط والتجارة والصعود الصيني، وخلف خطاب الردع الإسرائيلي يلوح طموح إلى إعادة ترتيب الإقليم بما يضمن لإسرائيل أنْ تصبح شرطي المنطقة، ويعبِّد الطريق أمام مشروع إمبراطوريتها التوراتية.

إنَّ واشنطن وتل أبيب قد تقفان في خندق واحد، لكنهما لا تنظران بالضرورة إلى الأفق نفسه. تفكِّر الولايات المتحدة بمنطق القوة العالمية الساعية إلى احتكار الأسواق، والسيطرة على الممرات البحرية، والإضرار بمنافستيها، روسيا والصين، في إحدى مناطق نفوذهما، وهي إيران. في المقابل، تفكّر إسرائيل بمنطق اللحظة التاريخية التي ينبغي اغتنامها لتحويل أوهامها اللاهوتية إلى حقائق. فرغم أنَّ إيران ليست هدفًا توراتيًّا مباشرًا، فإنَّ بقاءها قوةً إقليميةً تمتلك نفوذًا في مناطق يُفترض أنْ يمتد إليها المشروع الصهيوني يجعلها خطرًا ينبغي القضاء عليه. ومن هذه الزاوية، تغدو الحرب ساحة التقاء بين مشروعين متقاربين، لا مشروعًا واحدًا متطابق الأهداف.

أميركا: الحرب بوصفها أداة لإدارة الاقتصاد العالمي

اتسمت التصريحات الأمريكية الرسمية حول أهداف حربها على إيران، بالكثرة التي ترقى إلى الثرثرة، وهو أمر يتفق مع جرانديوزية ترامب، التي تريد دائمًا أنْ تبقيه في مركز الأحداث. كما شهدت النبرة الخطابية للرئيس الأمريكي تحولًا تدريجيًّا لافتًا يعكس منحنى بيانيًّا هابطًا في حدة التصريحات الرسمية؛ فبعد أنْ بلغت ذروتها الاندفاعية في المرحلة الافتتاحية خلال شهرَي فبراير ومارس 2026 بالدعوة الصريحة لإسقاط النظام وحثِّ الجيش والشعب الإيرانيَّين على إلقاء السلاح، بدأت حدة هذا المنحنى بالانخفاض النسبي في المرحلة المرحلية بين أبريل ويونيو لتُركِّز على الإضعاف المنهجي للماكينة العسكرية الإيرانية، وصولًا إلى استقرار المؤشر الهابط في تصريحاته الراهنة خلال شهر أغسطس عند نبرة إجرائية عملية تتمحور حول أولوية فتح مضيق «هرمز» وتأمين إمدادات النفط والغاز، مع فتح الباب بوضوح للمفاوضات الدبلوماسية المستمرة عبر الوساطة العُمانية لإنهاء الحرب، وهو ما يعكس بوضوح عقلية السمسار التي تبدأ بطرح أعلى سعر ممكن وسقف مطالب تعجيزي لممارسة أقصى درجات الضغط، ثم الهبوط التدريجي للوصول في النهاية إلى القيمة الحقيقية والتنازلات الفعلية التي يريدها.

بالنسبة للأمريكان، فإنَّهم يشعرون بأنَّ الإيرانيِّين حقَّقوا الكثير من المكاسب في ربع القرن الماضي، جراء تناقضات السياسة الأمريكية التي أرغمتها على تحالف مع دولة ترى فيها الشيطان الأكبر من أجل ضرب الأصولية الإسلامية في أفغانستان، وآخر معاقل القومية العربية في العراق، وتركت تلك التناقضات مساحات شاسعة لطهران في فضاء عربي مترنح، فصارت تسيطر على القرار السياسي في بغداد ودمشق وبيروت بل وصنعاء، بل سعت لتحريك الجماهير الشيعية في دول الخليج، وكادت تعصف بالنظام البحريني. تللك المكاسب ترى واشنطن أنَّه آوان الأوان لسحبها جميعًا. لكنها في الوقت نفسه تود أنْ تظلَّ إيران بهامش قوة يمكن من خلاله ابتزاز الخليج اقتصاديًّا.

ويتعاظم الدافع الاقتصادي للحرب في مخيلة صانع القرار الأمريكي، عندما ترى في حرمان إيران من تصديرها مواردها النفطية بأمان، وسيلةً لرفع كلفة الطاقة على بكين، المستورِد الرئيس للنفط الإيراني. ولا ينفصل ذلك عن الصراع على مضيق «هرمز»، الذي تعبره قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية، ولا تتوافر بدائل عملية تكفي لاستيعاب كامل حمولته؛ فمَن يملك اليد العليا في تأمين هذا الممر يكتسب نفوذًا بالغًا على أسعار الطاقة والتأمين وحركة التجارة الدولية. ومن هنا تبرز فرضية تحويل الحماية الأمريكية للمضيق، في ترتيبات ما بعد الحرب، إلى مورد اقتصادي وسياسي: رسوم أمنية أو إدارية تُفرض على السفن، أو مساهمات تدفعها الدول المستورِدة مقابل ضمان انسياب تجارتها، بما يمنح واشنطن نصيبًا مباشرًا أو غير مباشر من «عائدات هرمز».

وفق هذا التَّصوُّر، لا تكون الحرب الأمريكية حرب احتلال بالمعنى التقليدي بقدر ما تكون محاولةً لإعادة هندسة بيئة الطاقة والتجارة: إضعاف خصم، وتقييد منافس عالمي، وتعظيم الحاجة إلى مظلة الحماية الأمريكية.

إسرائيل: الحرب كأداة تأسيس نحو إعادة هندسة الإقليم بالقوة

تنطلق أهداف إسرائيل من الحرب على إيران من رؤية توراتية تسعى إلى فرض هيمنة شاملة على المجال الإقليمي، عبر إزالة كل القوى القادرة على عرقلة مشروعها التوسعي. فالمسألة لا تتعلق بصراع ظرفي أو توازنات مرحلية، بل بمشروع استيطاني ممتد، يتأسَّس على إقصاء الخصوم الاستراتيجيِّين وتجريدهم من أدوات القوة. ومن ثمّ، فإنَّ استهداف إيران الآن، ومن بعدها تركيا، لا يُفهَم إلا بوصفه خطوةً أولى في عملية منهجية لـ«قصّ أجنحة» القوى الإقليمية، تمهيدًا للشروع في بناء إمبراطورية تلمودية تمتد من النيل إلى الفرات.

وتبرز إيران في هذا السياق باعتبارها العقبة الأكثر إلحاحًا، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية، بل لما تمثّله من ثقل جيوسياسي وشبكات نفوذ تمتد في عمق الإقليم. لذلك، فإنَّ الهدف الإسرائيلي يتجاوز مجرد الاحتواء أو الردع، ليصل إلى تفكيك هذه القوة من جذورها، ودفعها إلى حالة من الانكفاء الكامل على الذات، بحيث تتحوَّل إلى كيان منزوع التأثير، فاقد للقدرة على المبادرة أو تهديد موازين القوى. فإيران المنكفئة، المحاصَرة، والمجرَدة من أدواتها الإقليمية، تمثِّل في هذا المنطق شرطًا مسبقًا لا غنى عنه لأي مشروع توسعي لاحق.

أما الغاية النهائية، فتتجلى في فتح الطريق أمام مشروع إمبريالي يسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية وفق تصور أحادي، لا يعترف بوجود قوى موازنة أو مجالات نفوذ متعارضة. وفي هذا الإطار، لا تُعدُّ الحربُ على إيران هدفًا قائمًا بذاته، بل أداة لإعادة إنتاج واقع استراتيجي جديد، تُزال فيه العوائق تباعًا، تمهيدًا لمرحلة من التَّمدُّد غير المقيد. وهكذا، تصبح هذه الحرب جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة المنطقة، بما يضمن ترسيخ هيمنة طويلة الأمد تقوم على إقصاء المنافسين وتفكيك قدرتهم على المقاومة.

التقاء المصالح.. وتباين الغايات

تكشف هذه المقاربة عن أنَّ أهداف شريكَي الحرب ليست متطابقة؛ نعم، يتفقان على أنَّ إيران النووية، بترسانتها الصاروخية، تُمثِّل خطرًا ينبغي احتواؤه، وأنَّ نفوذها الإقليمي يجب أنْ يتراجع، لكن الخلاف يتجلَّى بوضوح حول حدود هذا الإضعاف ومآلاته. فإسرائيل لا تزال ترى أنَّ ما تحقَّق غير كافٍ، وأنَّ إيران لم تُجرَّد بعد من القدرة التي تجعلها تهديدًا محتملًا إذا ما شرعت تل أبيب في مشروعها التَّوسعي، بينما تميل الولايات المتحدة إلى اعتبار أنَّ طهران وصلت إلى مستوى من الضعف «المقبول» الذي يحقِّق الردع دون إسقاطها الكامل، بل وربما يُبقيها ورقة ضغط تُستثمر في توازنات الخليج وسوق الطاقة. ومن هنا يبرز التناقض البنيوي داخل التحالف، والذي انعكس في مؤشرات سياسية واضحة، من خيبة نتنياهو لعدم توجيه ضربة إضافية، إلى تململ داخل دوائر القرار الأمريكية من سعي تل أبيب لتوظيف التصعيد بما يخدم حساباتها الخاصة دون مراعاة لحدود الشريك.

في هذا السياق، لا يبدو ظهور كتاب «الحلفاء في الحرب (Allies at War)» لتيم بوفري على مكتب نتنياهو قبيل توجيه الضربة الأولى لإيران مجرد تفصيل عابر، بل إشارة دلالية تستحضر نموذجًا تاريخيًّا لتحالفات قامت على تقاطع المصالح لا تطابق الرؤى. فالكتاب، الذي يتناول علاقات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، يذكِّر بأنَّ الشراكة العسكرية قد تبلغ ذروتها في ساحة المعركة، بينما تظلُّ الخلافات كامنةً حول شكل النهاية وحدود النصر.

وهكذا، تغدو العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية نموذجًا معاصرًا لتحالف يقوم على تقاطع مرحلي لا على وحدة في الرؤية؛ يلتقي الطرفان عند هدف عاجل، لكنهما يظلان مشدودَين إلى أفقَين مختلفَين لمستقبل الإقليم.

عند هذه النقطة

 دلالة المشهد، إذ يتضح أنَّ الحلفاء قد يتقاسمون ساحة القتال نفسها، لكنهم لا يخوضون المعركة بالضرورة من أجل الغاية ذاتها.