عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

دراسات

شريف إمام

السمات العامة للحياة النيابية في مصر.. الجزء الأول

2026.02.21

السمات العامة للحياة النيابية في مصر.. الجزء الأول

 

تُعدّ الحياة النيابية في مصر من أقدم التجارب التمثيلية في العالم العربي، وهي تجربة ثرية تنسج خيوطها بين تحولات السلطة وبنية الدولة، من الحكم شبه المستقل إلى الهيمنة الكولونيالية وما تلاها من مراحل انتقالية.

هذه التجربة ليست مجرد سرد للتواريخ أو القوانين، بل هي مختبر حي لفهم الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، واختبار حدود تأثير البرلمان في رسم السياسات العامة.

ومن خلال قراءة نقدية دقيقة لمسارها، تتكشف سمات بارزة شكلت ملامح هذه الحياة، حدّدت إمكانياتها وقيّدت فاعليتها، وأسهمت في رسم حدود المشاركة السياسية، ويمكن إبراز أبرز هذه السمات على النحو الآتي:

السمة الأولى: غياب التراكمية في الحياة البرلمانية المصرية

على الرغم من قِدم الحياة البرلمانية في مصر، التي تعود إرهاصاتها الأولى إلى إنشاء مجلس المشورة في عهد محمد علي باشا، ثم إلى تأسيس مجلس شورى النواب عام 1866 بوصفه البداية الفعلية للممارسة النيابية، فإن هذه التجربة لم تُفضِ إلى ترسيخ تقاليد برلمانية مستقرة ومتراكمة تكفل تطورًا طبيعيًا لدور البرلمان ضمن بنية النظام السياسي. فقد اتسم مسارها التاريخي بانقطاعات متكررة وحادة، بحيث بدا كل طور جديد وكأنه نشأة مستقلة لا امتدادًا عضويًا لما سبق. فالناظر إلى التجربة البرلمانية المصرية يدرك أن ما إن تتجاوز هذه التجربة طور النشوء وتبدأ في سلم الترقي، حتى تعصف بها أحداث كبرى، لتعود إلى نقطة البداية، وهو ما حال دون تشكل خبرة مؤسسية متراكمة يمكن الاعتماد عليها عبر الزمن.

لقد وُلدت التجربة النيابية الأولى في مصر من رحم أزمة مالية طاحنة عصفت ببنية الدولة وأثقلت كاهلها بالديون والالتزامات، لذا لم يكن لجوء الخديوي إلى إنشاء مجلس شورى النواب تعبيرًا عن نزوع ديمقراطي خالص، بقدر ما كان محاولة واعية لإضفاء قدر من المشروعية على سياساته المالية، عبر إشراك ممثلي طبقة الأعيان في تحمّل جانب من تبعات الأزمة، وإلزامهم أخلاقيًا وسياسيًا، بمساندته في مواجهة نتائجها. ومن ثمّ، نشأ المجلس في بدايته ككيان ذي طابع استشاري محدود، خاضع لهيمنة السلطة التنفيذية، واقتصر دور البرجوازية الزراعية التي شكّلت قوامه على مناقشة ما يُعرض عليها من مشروعات حكومية دون أن تملك سلطة حقيقية في توجيه القرار. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها الأزمة نفسها أسهمت في إعادة تشكيل وعي هذه الطبقة؛ إذ رأت أن الثروة التي راكمتها، عبر استثمارها في أزمات الدولة المالية، تخوّل لها المطالبة بدور سياسي أوسع. ومن هنا أخذ المجلس، منذ عام 1876، يشهد تطورًا ملحوظًا في أدائه ووظيفته. فقد طلب الخديوي في الجلسة الأولى لبرلمان 1876 معاونة المجلس في فرض وجباية ضريبة المقابلة، غير أن المناقشات التي دارت داخله كشفت عن بوادر وعي رقابي آخذ في التشكل، تجلّى بوضوح في اعتراض النائب عثمان الهرميل، الذي طالب الحكومة ببيان مالي شامل يوضح سياستها في الماضي والحاضر، وما تعتزم اتباعه مستقبلًا، في خطوة عكست انتقال المجلس تدريجيًا من مجرد هيئة استشارية إلى منبر يسعى إلى مساءلة السلطة التنفيذية وكشف أسس إدارتها المالية.

وبلغ هذا المسار الإصلاحي ذروة نضجه مع إعلان شريف باشا في 27 مايو 1879 عزمه تقديم مشروع دستور جديد يُقيد إصدار القرارات بموافقة مجلس النواب، وهو مشروع اتسم بأهمية دستورية بالغة؛ إذ أقرّ حرية الأعضاء المطلقة في إبداء آرائهم، ومنع تقييدهم بتعليمات أو وعود أو ضغوط، كما نصّ على عدم جواز إعادة عرض القوانين التي يرفضها المجلس خلال دور الانعقاد ذاته، وأكد مسؤولية الوزراء أمام المجلس عن أعمال إداراتهم، مع وجوب سنّ قانون لمحاكمتهم عند الاقتضاء. كذلك ألزم المشروع بعرض القوانين واللوائح المعمول بها في دواوين الحكومة على المجلس لمراجعتها وتنقيحها قبل التصديق عليها، بما يعكس اتجاهًا واضحًا نحو ترسيخ مبدأ الرقابة البرلمانية على التشريع والإدارة. وقد انعكست هذه التطورات في الممارسات النيابية اللاحقة، ولا سيما خلال الفترة (1881–1882)، حين اقترب المجلس من أداء وظيفة «البرلمان» بالمعنى الحقيقي؛ إذ سعى إلى توسيع صلاحياته، وناقش الميزانية وموادها، باستثناء ما اتصل بالالتزامات الدولية والقيود المرتبطة بالسيادة العثمانية. كما نشأت حالة من الثقة والتفاهم بين النواب ووزارة البارودي، التي استجابت لعدد من مطالبهم، بل وانضم أحد أبرز أعضاء المجلس، حسن باشا الشريعي، إلى تشكيلها، الأمر الذي أتاح قدرًا من التوافق حول تنفيذ إصلاحات داخلية كان يُرجى أن تفضي إلى نهضة إدارية ومالية.

غير أن هذه التجربة، على ما انطوت عليه من إمكانات تطور دستوري، لم يُكتب لها الاستمرار؛ إذ تضافر التدخل الأجنبي مع موقف الخديوي في إجهاضها قبل أن تستكمل شروط نضجها المؤسسي. وبذلك مثّلت التجربة النيابية آنذاك خطوة متقدمة نحو برلمانية أكثر رسوخًا، سرعان ما انتكست بعزل إسماعيل وتولّي توفيق، ثم انهارت فعليًا مع الاحتلال البريطاني، لتدخل الحياة النيابية المصرية طورًا جديدًا اتسم بالتقييد والاحتواء، بدلًا من التطور الطبيعي نحو ممارسة دستورية قائمة على الرأي الحر والرقابة الفاعلة.

وفي ظل الاحتلال البريطاني، اتجه اللورد دفرن إلى استنساخ نموذج إداري قريب من التجربة الهندية في مصر، عبر إقرار نظام نيابي شكلي قوامه مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، ليكون أداة لضبط الحكم أكثر منه تأسيسًا لحياة نيابية حقيقية. فقد اقتصر دور مجلس شورى القوانين، الذي تكوّن من ثلاثين عضوًا تعيّن الحكومة قرابة نصفهم، على إبداء الرأي في مشروعات القوانين دون سلطة إقرار ملزمة، كما حُرم من مناقشة بعض أبواب الميزانية المرتبطة بالالتزامات الدولية. أما الجمعية العمومية، التي ضمّت اثنين وثمانين عضوًا لم يُنتخب منهم سوى جزء محدود، فقد غلب عليها الطابع الاستشاري، واقتصرت صلاحياتها الفعلية على الموافقة على الضرائب الجديدة، بينما ظل رأيها في سائر الشؤون غير ملزم. وبذلك لم يكن نظام دفرن يهدف إلى إقامة حكومة مسؤولة أو ترسيخ ممارسة نيابية أصيلة، بل إلى إضفاء مظهر دستوري شكلي يوحي بالمشاركة، من دون أن يفرض قيودًا حقيقية على السلطة التنفيذية أو يمس جوهر الهيمنة البريطانية.

وكالعادة وُلدت الممارسة النيابية في ظل الاحتلال ولادة حذرة، تتحرك داخل المدار الذي رسمته السلطة المحتلة، لا سيما وأن بنيتها الاجتماعية غلب عليها كبار الملاك من ذوي المصالح الحقيقية على حد تعبير كرومر، فبدت في بدايتها امتدادًا لنمط الحكم الاستشاري أكثر منها تعبيرًا عن إرادة تمثيلية مستقلة. ومع ذلك، فإن التراكم البطيء للخبرة السياسية أسهم في ترسيخ فكرة النيابة في الوجدان العام، فبدأ نواب هذه الهيئات يتجاوزون حدود الدور الشكلي المفروض عليهم، ويسعون تدريجيًا إلى توسيع نطاق وظائفها التشريعية والرقابية. وفي هذا السياق، اكتسبت مبادرة إيفاد وفد من أعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية إلى لندن سنة 1908 دلالة سياسية لافتة، إذ عبّرت عن نزوع متنامٍ نحو المطالبة بتنظيمات نيابية أكثر أصالة وأقل خضوعًا للهيمنة التنفيذية. كما مثّل إقرار مجلس شورى القوانين بالإجماع، في ديسمبر من العام نفسه، مشروع إنشاء مجلس منتخب لإدارة الشؤون العامة مؤشرًا واضحًا على تطور الوعي النيابي وتبلور إحساس أعمق بالمسؤولية السياسية.

وقد تجلّى هذا النضج النسبي بصورة أوضح عندما استجاب النواب لضغط الرأي العام ورفضوا مشروع مد امتياز قناة السويس سنة 1910، وهو موقف عكس انتقالهم من موقع الاستشارة المقيدة إلى محاولة الاضطلاع بدور تمثيلي أكثر استقلالًا. ثم جاء توحيد الغرفتين في هيئة واحدة هي الجمعية التشريعية ليشكّل خطوة إضافية في مسار الترقّي المؤسسي للحياة النيابية؛ فعلى الرغم من بقاء اختصاصاتها في جوهرها محدودة، فإن اتساع قاعدة التمثيل الانتخابي داخلها، مقابل تراجع نسبي لعدد الأعضاء المعيّنين، أضفى على مناقشاتها قدرًا أكبر من التنوع والحيوية، وجعل توجيهها توجيهًا أحاديًا أكثر صعوبة. ومن ثمّ غدت الجمعية إطارًا نيابيًا أكثر حراكًا ونضجًا من الهيئات الاستشارية السابقة، وإن ظل هذا النضج محكومًا بسقف الصلاحيات الضيق الذي فرضته السلطة الاستعمارية. ولمّا اندلعت الحرب العالمية الأولى، اغتنم الاحتلال الظرف الدولي لتعطيل الجمعية التشريعية إلى أجل غير مسمّى، فعادت الحياة النيابية إلى طور من الانقطاع والجمود، في حلقة متكررة من نشوء واعد يعقبه كبح مؤسسي يحدّ من تراكم الخبرة البرلمانية واستمراريتها.

أما مرحلة دستور 1923 فقد بدت، للوهلة الأولى، وكأنها تؤسس لقطيعة إيجابية مع ما سبقها من تجارب نيابية محدودة؛ إذ أُعيد تنظيم الحياة البرلمانية على أساس ثنائي الغرفتين، وأُقر مبدأ مسؤولية الوزارة أمام مجلس النواب، ومنح المجلس حق سحب الثقة، بما أتاح مجالًا أوسع لنمو معارضة سياسية أكثر تنظيمًا ونضجًا، تجلت ملامحها بوضوح في برلمان 1924. غير أن هذا المسار الإصلاحي لم يكن بمنأى عن الاضطراب، إذ تعرّض لسلسلة من الانتكاسات الدستورية والسياسية، كان أبرزها صدور دستور 1930 الذي وسّع من سلطات الملك على حساب الهيئة النيابية، قبل أن يُعاد العمل بدستور 1923 مرة أخرى في ظل توازنات سياسية متقلبة.

وعلى الرغم من الحيوية النسبية التي اتسمت بها الممارسة البرلمانية في العصر الملكي، فإن نشاط البرلمان اتجه في كثير من الأحيان إلى ساحات المناكفات الحزبية والخلافات الشخصية، حيث تعلو الأصوات وتشتد الحماسة الخطابية، بينما ظلت الدراسات الرصينة والمقترحات الإصلاحية الهادئة محدودة الأثر وبطيئة النفاذ، لا تتحقق إلا تحت ضغط المطالبة والإلحاح. ويُعزى جانب من هذا الخلل البنيوي إلى قصور الصيغة الدستورية ذاتها؛ إذ لم يتبنَّ دستور 1923 النموذج الديمقراطي البرلماني في صورته المثلى القائم على مجلس نيابي واحد منتخب انتخابًا عامًا مباشرًا يتمتع بهيمنة واضحة على السلطة التنفيذية.

فقد رسم الدستور توازنًا دقيقًا بين الملك والهيئة النيابية، فأقر مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه ركيزة لدولة القانون بديلاً عن الحكم الفردي، لكنه في الوقت ذاته نص على أن السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلسي الشيوخ والنواب، وهو ما حدّ من إطلاق السلطة التشريعية للبرلمان. كما أنه، وإن مهّد لقيام مجلس نواب منتخب بالاقتراع العام، فقد أوجد إلى جواره مجلس الشيوخ على قدم المساواة، وجاء تشكيله معبرًا عن فئات المجتمع العليا من كبار الملاك وأصحاب الثروات، فضلًا عن حق الملك في تعيين خُمس أعضائه، وهو ما أضفى على البنية التشريعية طابعًا محافظًا يكبح اندفاع المجلس المنتخب. ولم يكن غريبًا، في هذا السياق، أن يُشار صراحة إلى أن إنشاء مجلس الشيوخ قد استهدف تلطيف حماسة النواب والحد من نزعتهم الإصلاحية.

ومع ذلك، وبرغم ما شهدته تلك المرحلة من حيوية سياسية نسبية واتساع نسبي في دائرة الممارسة النيابية، فإنها انتهت بقيام ثورة 1952، التي وضعت حدًا لأكثر مراحل الحياة البرلمانية المصرية تطورًا في ظل النظام الملكي، وفتحت طورًا جديدًا مغايرًا في مسار تطور السلطة التشريعية في مصر.

ومع قيام النظام الجمهوري، أُعيدت صياغة المؤسسة النيابية في إطار سياسي ودستوري مغاير لما عرفته المرحلة الملكية؛ إذ بدأت التجربة بمجلس الأمة في ظل نظام التنظيم الواحد، حيث غلب الطابع التعبوي على الوظيفة التمثيلية، واندمجت الممارسة النيابية في بنية النظام السياسي الجديد بوصفها أداة للتعبير عن توجهاته العامة أكثر من كونها ساحة لتعدد الإرادات والاتجاهات. ثم انتقلت الحياة النيابية إلى مرحلة التعددية المقيدة، ولا سيما مع إعلان المنابر الثلاثة عام 1976 في عهد الرئيس أنور السادات، في محاولة لإدخال قدر من التنوع السياسي المنظَّم داخل الإطار الرسمي.

وقد بدا برلمان 1976 وكأنه يسير نحو تطور نوعي، مع تبلور معارضة برلمانية أخذت تمارس أدواتها الرقابية بقدر من الجرأة، مستندة إلى قدرة متنامية على تعبئة الرأي العام والتفاعل مع قضاياه. غير أن هذه البوادر لم تلبث أن تعثرت؛ إذ سُرعان ما جرى حلّ البرلمان وتجميد المسار الحزبي الناشئ، وأُعيد تنظيم العملية الانتخابية على نحو حدّ من حضور الخصوم السياسيين، فخبت بذلك ملامح التجربة التعددية قبل أن تترسخ. وهكذا تراجعت شعارات الانفتاح السياسي أمام مقتضيات الضبط السياسي، لتظل العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية محكومة بميزان يميل إلى ترجيح كفة الأخيرة، ويقيّد إمكانات التطور البرلماني المستقل.

وتأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن إشكالية التجربة النيابية لم تتمثل في ضعف المبادرات الإصلاحية، بقدر ما تمثلت في هشاشة الاستمرارية المؤسسية؛ فكلما أخذت الممارسة البرلمانية في التشكل واكتساب ملامح النضج النسبي، جاءت التحولات السياسية الحادة لتقطع مسارها وتعيد تشكيلها وفق اعتبارات ظرفية، الأمر الذي حال دون انتقال الخبرة من مرحلة إلى أخرى في سياق تراكمي متصل. وبفعل هذه القطيعات المتكررة، لم تتبلور تقاليد نيابية راسخة قادرة على صون الاستقلال الوظيفي للمؤسسة التشريعية أو ترسيخ أعراف العمل البرلماني المستقر.

السمة الثانية: عدم الاستقرار المؤسسي

يتفرّع عن فقدان التراكمية المؤسسية في التجربة النيابية المصرية سمة أعمق وأكثر تأثيرًا، تمثّلت في غياب الاستقرار المؤسسي للحياة النيابية، ولا سيما خلال المرحلة الملكية، حيث شكّل هذا الاضطراب سمة بنيوية مميّزة لمسار العمل البرلماني. فعلى الرغم من تعدّد الهيئات النيابية منذ عام 1924 حتى عام 1952، وتعاقب نحو عشر هيئات خلال ما يقارب ثمانيةً وعشرين عامًا، فإنّ أيًا منها لم يُتح له أن يستكمل مدته الدستورية على النحو المقرّر، باستثناء برلمان عام 1945، الذي أتم مدته في ظل جدل قانوني ارتبط بتاريخ انعقاده ومدى اتساقه مع نصوص دستور 1923 المنظمة لمواعيد افتتاح البرلمان وانتهاء دوراته.

وقد افتُتحت الحياة النيابية الأولى في 15 مارس 1924، ولم تعقد سوى دور انعقاد واحد عقب انتخاب المجلس في 10 مارس، ثم ما لبثت أن تعرّضت للتعطيل، إذ صدر مرسوم بتأجيل انعقاد البرلمان لمدة شهر، أعقبه في 24 ديسمبر 1924 مرسوم بحل مجلس النواب، لتُطوى بذلك أولى التجارب النيابية في ظل الدستور الجديد قبل أن تستقر تقاليدها المؤسسية. أمّا البرلمان الثاني، الذي اجتمع في 23 مارس 1925، فقد صدر قرار حله في اليوم ذاته بعد ساعات قليلة من انعقاده، في واقعة دالّة على هشاشة الاستقرار النيابي وخضوع المؤسسة التشريعية لموازين القوى السياسية أكثر من خضوعها لانتظام القواعد الدستورية.

وجاء البرلمان الثالث ليجتمع في 1 يوليو 1926، فعقد ثلاث دورات انعقاد قبل أن يصدر في 28 يونيو 1928 مرسوم بتأجيل انعقاده لمدة شهر، ثم أعقبه مرسوم بحلّه في 14 يوليو من العام ذاته، وهو نمط تكرّر فيه تمهيد الحل بقرار التأجيل، بما يعكس توظيف الإجراءات الدستورية توظيفًا سياسيًا للحد من استمرارية المجالس المنتخبة. أمّا البرلمان الرابع، الذي اجتمع في 11 يناير 1930، فلم يعقد سوى دورة واحدة، إذ صدر في 22 مايو مرسوم بتأجيل انعقاده لمدة شهر، ثم أعقبه في 12 يوليو مرسوم بحل البرلمان، وهو ما يرسّخ ملاحظة شبه ثابتة في التجربة النيابية آنذاك، مفادها أنّ قرار الحل كان يسبقه في الغالب قرار تأجيل الانعقاد، في إطار إدارة سياسية مقصودة لإيقاع الحياة البرلمانية وضبط إيقاعها.

وفيما يتعلّق بالبرلمان الخامس، المنتخب في ظل دستور 1930 الذي أصدرته حكومة إسماعيل صدقي، فقد عقد أربع دورات عادية بدأت في يونيو 1931 واستمرت حتى عام 1936، غير أنّه لم يستكمل مدته القانونية كذلك، إذ صدر مرسوم بحلّه قبل نهاية مدته، بما يعكس استمرار منطق التدخّل التنفيذي في تحديد مصير المؤسسة التشريعية. أمّا البرلمان السادس فقد عقد ثلاث دورات عادية ودورتين غير عاديتين، غير أنّ مسيرته لم تمتد طويلًا، إذ افتُتحت إحدى دورات انعقاده في 23 مايو، ثم انتهت سريعًا بصدور مرسوم حل مجلس النواب في فبراير 1938، وهو ما يعكس تسارع وتيرة الانقطاع النيابي خلال تلك المرحلة.

وقد ارتبطت هذه الاضطرابات بما عُرف بالانقلاب الدستوري في مصر، والذي شاركت فيه شخصيات سياسية بارزة، من أمثال أحمد زيور باشا، وعدلي يكن باشا، وإسماعيل صدقي باشا، وهي شخصيات رأت – عن قصد أو عن قناعة – أنّ التطور الديمقراطي السريع قد يهدّد الاستقرار السياسي، غير أنّ سياساتها أسهمت عمليًا في إضعاف الحياة النيابية والإضرار بتقاليدها المؤسسية وترسيخ هشاشتها البنيوية. أمّا البرلمان السابع فقد عقد خمس دورات عادية بدأت في أواخر الثلاثينيات، إلى جانب دورة انعقاد غير عادية، قبل أن ينتهي بقرار الحل، استمرارًا للنمط ذاته من عدم الاستقرار. ثم جاء البرلمان الثامن فعقد ثلاث دورات عادية منذ 30 مارس، إلى جانب دورة غير عادية، غير أنّ مسيرته انتهت كذلك بصدور قرار حل المجلس في أربعينيات القرن العشرين، بما يؤكّد غلبة منطق الحل والتعطيل على انتظام العمل النيابي.

وجاء البرلمان التاسع ليعقد خمس دورات عادية بدأت في منتصف الأربعينيات، إلى جانب دورة غير عادية، ويُعدّ من بين البرلمانات القليلة التي قاربت استكمال مدتها القانونية، كما كان من الحالات النادرة التي لم يصدر بشأنها قرار حل مبكر، الأمر الذي يجعله استثناءً نسبيًا في سياق عام اتّسم بعدم الاستقرار المؤسسي. أمّا البرلمان العاشر، الذي بدأت دوراته في 9 يناير 1950، فقد عقد ثلاث دورات عادية، إلى جانب دورة انعقاد غير عادية في سبتمبر من العام ذاته انتهت في أكتوبر، قبل أن تنتهي مسيرته هو الآخر دون استكمال مدته الدستورية الكاملة.

وهكذا تكشف متابعة تواريخ انعقاد البرلمانات وحلّها منذ دستور 1923 عن نمط متكرّر من الانقطاع المؤسسي، حيث لم يكن حل البرلمان إجراءً استثنائيًا نادر الوقوع، بل تحوّل إلى أداة شبه منتظمة في إدارة الحياة السياسية. وقد حال هذا النمط دون ترسيخ تقاليد نيابية مستقرة، وأفقد التجربة البرلمانية إمكانية التراكم التاريخي في الخبرة والممارسة، وأبقى المؤسسة التشريعية أسيرة التقلبات السياسية وتوازنات السلطة التنفيذية، أكثر من خضوعها لمنطق الاستمرارية الدستورية والانتظام المؤسسي.

وتتضح خطورة هذه السمة بشكل أشد خلال العصر الجمهوري، الذي شهد أطول فترة بلا برلمان منذ عام 1866، إذ لم يُعقد برلمان للثورة إلا بعد نحو خمس سنوات من قيامها، وعمره عام واحد، ثم جاء برلمان الوحدة الذي انهار سريعًا، ليعكس مدى هشاشة المؤسسة النيابية في مواجهة التحديات السياسية والبنى التنفيذية المتغيرة. وهكذا، ظل البرلمان المصري بعيدًا عن الاستقرار المؤسسي، مما أفقد التجربة النيابية فرصة بناء تراكم معرفي ومؤسسي، كان من شأنه أن يرسخ الاستمرارية، ويمنح الحياة البرلمانية القدرة على النضج والفاعلية، ويحولها إلى ركيزة صلبة توازن بين السلطات وتضبط التفاعلات السياسية، بدل أن تبقى أسيرة تقلبات السلطة والتدخلات التنفيذية المستمرة.