هوامش
نجلاء عبد الجوادالصوت العربي في الكنيست: مأزق الأرقام وتحدي الشراكة في المشهد الإسرائيلي
2026.10.31
الصوت العربي في الكنيست:
مأزق الأرقام وتحدي الشراكة في المشهد الإسرائيلي
أعادت انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر ترتيب الأسئلة في السياسة الإسرائيلية أكثر مما أجابت عنها؛ فالأرقام التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية تضع معسكر بنيامين نتنياهو عند 53 مقعدًا، وتمنح الأحزاب اليهودية المعارضة نحو 48 مقعدًا، وتترك للقائمتين العربيَّتين - المشتركة بقيادة يوسف جبارين والموحدة بقيادة منصور عباس - قرابة 19 مقعدًا، وهي الأعلى في تاريخ التمثيل العربي في الكنيست، بعدما كان لكل منهما 5 مقاعد فقط في البرلمان المنتهية ولايته.
غير أنَّ الحصيلة النهائية لم تُعتَمد بعد، وما يدور حولها من تأويلات يسبق الأرقام الرسمية بمسافة، ولهذا يحسن بالقارئ أنْ يتعامل مع المشهد بوصفه لحظةً مفتوحةً لا حكمًا مبرمًا. وما يستحق التوقف عنده ليس عدد المقاعد وحده، بل المفارقة التي يحملها: أقلية تشكِّل نحو خُمس السكان تبلغ ذروة وزنها العددي، في الوقت الذي تبقى فيه قدرتها على تحويل هذا الوزن إلى قرار سياسي في أضيق حدودها.
ولا يمكن فصل هذا الصعود عن موجة الإقبال على صناديق الاقتراع في البلدات العربية، فقد أعلنت اللجنة أنَّ نسبة التصويت العامة بلغت نحو 55.7%، وهي الأعلى في ذلك التوقيت منذ عام 1977، وجاء جزء معتبر من هذا الارتفاع من قرى ومدن اعتاد ناخبوها المقاطعة أو الفتور بعد سنوات من الإحباط. ولم يكن الدافع واحدًا عند الجميع؛ فبعضهم ذهب إلى الاقتراع لإسقاط حكومة يرى أنَّها جعلت العداء للعرب برنامجًا يوميًّا، وبعضهم ذهب غاضبًا من عجز الشرطة عن وقف جرائم القتل التي حصدت مئات الأرواح في السنوات الأخيرة، وبعضهم تحرَّك بدافع الخوف الصريح من تشريعات تقلص ما تبقَّى من هامش المواطنة. وهذه الدوافع المتباينة تُذكِّر بأنَّ الصوت العربي ليس كتلة صماء تحرِّكها يد واحدة، بل هو تراكم من الحسابات الفردية والعائلية والمحلية التي تلتقي أحيانًا في لحظة غضب مشتركة، ثم تتفرَّق في اليوم التالي.
شرعية مشروطة.. واستدعاء تكتيكي
وجاء ردُّ معسكر اليمين سريعًا ومتوقعًا؛ فحزب «الليكود» طالب بالتحقيق في نتائج البلدات العربية. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية قبل يوم الاقتراع أنَّه كان يعد العدة للطعن فيها والحديث عن انتخابات مسروقة إذا لم يفز نتنياهو. وفي هذا السلوك ما يكشف جوهر المعضلة، فالمواطن العربي مطالَب بأنْ يشارك ليثبت ولاءه للنظام الديمقراطي، وما إنْ يشارك بكثافة حتى يصبح اقتراعه نفسه موضع اشتباه. إنَّ الخطاب الذي يعامل ارتفاع المشارَكة العربية وكأنه تزوير محتمل لا ممارسة ديمقراطية سليمة، ينسف الحجة التي طالما رفعتها إسرائيل أمام العالم عن ديمقراطيتها؛ لأنَّه يفترض ضمنًا أنَّ شرعية النتيجة تتوقَّف على هوية مَن صوَّتوا لا على سلامة الإجراءات. وهو من جهة أخرى يقدِّم للأحزاب العربية خدمةً لم تطلبها، إذ يؤكد لجمهورها أنَّ صوته مؤثر إلى حدٍّ يستدعي كل هذا الذعر. ولعل أخطر ما في هذه الدعوى أنَّها تُعلِّم الأجيال الجديدة من الناخبين العرب أنَّ قبول قواعد اللعبة لا يشتري لهم حماية من التشكيك، وأنَّ الشرعية في هذا النظام تُمنَح لهم بمقدار ما يخدمون حسابات غيرهم.
على أنَّ معسكر المعارضة لا يقف على أرض أخلاقية أصلب؛ فقد سمعنا من قادته، ومنهم غادي آيزنكوت ويائير جولان، لغةً تحاول أنْ تجمع بين حاجتهم إلى المقاعد العربية لبلوغ الأغلبية، وحرصهم على ألا يظهروا في صورة من يعتمد عليها، حتى إنَّ زعيم حزب الديمقراطيين وصف معسكره بأنه بلغ 65 مقعدًا عندما تُحتسب الأحزاب العربية، وهي عبارة تكشف أنَّ الأصوات العربية تدخل في العملية الحسابية ولا تدخل في الشراكة السياسية. فالمعارضة الإسرائيلية، في شقها الأكبر، تريد من العرب أنْ يكونوا احتياطيًّا انتخابيًّا صامتًا يُستدعَى عند الحاجة ويُصرَف بعد أداء المهمة، وتخشى أنْ يتحوَّل وجودهم داخل الحكومة إلى مادة دعائية بيد خصومها. وهذا الخوف ليس وهمًا سياسيًّا، فقد جرَّبه ائتلاف نفتالي بينيت ويائير لبيد عام 2021 وانتهى به الأمر إلى التفكك، لكنه يبقى اعترافًا بأنَّ العداء للعرب بات معيارًا تقيس عليه الأحزاب مواقفها، لا مجرد هوى عند اليمين المتطرف.
خيارات القوائم العربية: بين البراجماتية وشروط الدعم
وتجربة القائمة الموحَّدة في ذلك الائتلاف تستحق قراءةً أكثر صراحةً مما أُتيح لها في السجال العام. فقد راهن منصور عباس على أنَّ الاندماج في اللعبة البرلمانية، لا الوقوف على هامشها، هو السبيل الوحيد لانتزاع ميزانيات للنقب والجليل والمثلث، ونجح فعلًا في تحصيل مخصصات غير مسبوقة لخطط التنمية والسكن والبنية التحتية، وكسر بذلك محرمًا قديمًا، إذ جعل حزبًا عربيًّا إسلاميًّا شريكًا في حكومة إسرائيلية. غير أنَّ الحصيلة ظلت موضع جدل، فالمال الذي دخل لم يوقف نزف الجريمة، والشرعية التي نالها الحزب في الأوساط اليهودية لم تتحوَّل إلى قفزة انتخابية عام 2022، إذ بقي عند 5 مقاعد، ولم تُقنع شريحة واسعة من جمهوره بأنَّ ثمن الصمت عن الحرب على غزة وعن اقتحامات القدس كان مبررًا. وقد يجادل أنصار عباس بأنَّ حكومة عاشت عامًا واحدًا لا تصلح مقياسًا، وبأنَّ الرجل أنجز أكثر مما أنجزته عقود من المعارضة الاحتجاجية، وهي حجة لها وزنها، لكنها تصطدم بسؤال لا مهرب منه: هل تُقاس السياسة العربية بحجم الميزانية المنتزعة، أم بمقدار ما تغيِّره في بنية العلاقة بين الدولة ومواطنيها؟
أما القائمة المشتركة، فقد اختارت صيغةً وسطى أعلنها جبارين في 10 أكتوبر، وهي توفير شبكة أمان برلمانية لحكومة بديلة عن حكومة نتنياهو، بالتصويت أو بالامتناع من خارج الائتلاف، مقابل معالجة الجريمة وهدم المنازل والحقوق المدنية والوطنية، وفتح أفق سياسي للقضية الفلسطينية. والصيغة ذكية في ظاهرها لأنَّها تحفظ لأصحابها نقاءهم الآيديولوجي وتُبقي باب التأثير مفتوحًا، لكنها تحمل ضعفًا بنيويًّا لا ينبغي إغفاله؛ فالدعم الخارجي بلا مقابل مكتوب يشبه شيكًا مفتوحًا، وأي حكومة تدرك أنَّ أصواتك مضمونة لأنك لن تسمح بعودة نتنياهو، لن ترى سببًا مقنعًا لدفع الثمن. وشروط من قبيل الأفق السياسي للقضية الفلسطينية تبدو في سياق الكنيست أقرب إلى بيان نوايا منها إلى بند تفاوضي يمكن قياسه ومحاسبة الحكومة على تنفيذه، وهنا يكمن الفارق بين موقف يُرضي الجمهور وموقف يغيِّر الواقع. وللمفارقة فإنَّ كثيرًا من ناخبي القائمة المشتركة يفضِّلون هذه الصيغة، لا لأنهم مقتنعون بنجاعتها، بل لأنَّها تعفيهم من اختبار الضمير الذي فرضه الدخول المباشر إلى الحكومة، فهي بهذا المعنى راحة نفسية قبل أنْ تكون استراتيجيةً سياسيةً.
وفي قلب هذه الشروط تقف قضية الجريمة، وهي القضية التي تكشف حدود المنطق التفاوضي كله. فأنْ يتحوَّل أمن المواطنين العرب إلى سلعة تُساوم عليها الأصوات في سوق الائتلافات هو بحدِّ ذاته إدانة للدولة، لأنَّ حماية الأرواح واجب لا يحتاج إلى مقعد برلماني كي يُؤدَّى، والقول إنَّ أجهزة تملك كل هذه الإمكانات الاستخبارية وتعجز عن تفكيك عصابات تعمل في وضح النهار قد قصرت عمدًا أو إهمالًا، هو توصيف يتداوله العرب في بيوت العزاء قبل قاعات السياسة. ومع ذلك، فإنَّ اختزال العمل البرلماني في ملف الجريمة، على جسامته، قد يصرف الأنظار عن الأسئلة البنيوية؛ فقانون القومية الذي سُنَّ عام 2018، وسياسات الأرض والتخطيط والتمويل لا تُنتج العنف مباشرة، لكنها تصنع بيئة الإقصاء التي ينمو فيها، ومَن يعالج العَرض ويترك المرض يَعِدُ ناخبيه بتحسُّن مؤقت وينتظر موسمًا آخر للتفاوض. ثم إنَّ استمرار الجريمة في المدن والقرى العربية بوتيرة تفوق ما يحتمله أي مجتمع، يجعل الحديث عن أولويات أخرى أقرب إلى الترف في نظر أسر فقدت أبناءها، وهذا ما يفسِّر لماذا ترتفع أسهم من يَعِدُ بنتائج ملموسة حتى لو كانت متواضعة.
وتكشف المقارنة بين الخيارات العربية الثلاثة - البراجماتية عند القائمة الموحدة، والمساواة المدنية والشراكة اليهودية العربية عند الجبهة والحركة العربية للتغيير، والهوية القومية الفلسطينية عند التجمع - أنَّ الوحدة التي تحقَّقت في القائمة المشتركة هي وحدة حساب أكثر منها وحدة رؤية. فنسبة الحسم ورغبة الناخب في ألا يضيع صوته دفعتا الأطراف إلى الاجتماع، وما إنْ يأتي استحقاق الخيار الأصعب، كالمشاركة في حكومة أو التصويت على ميزانية حرب، حتى تظهر الفروق القديمة. وهنا يصح النقد لكلا الاتجاهين، فالبراجماتية التي لا تضع سقفًا أخلاقيًّا تتحوَّل إلى تبرير، والتَّمسُّك بالمبدأ الذي لا يسمح بأي خطوة عملية ينقلب إلى طقس احتجاجي لا يغيِّر في يوميات الناس شيئًا. والتحدي الحقيقي هو بناء مرجعية جماعية تحدِّد مسبقًا ما يُقبل وما يُرفَض، بدلًا من ترك كل زعيم يرتجل موقفه أمام الكاميرات. وليس من المبالغة القول إنَّ غياب هذه المرجعية هو الذي سمح لخصوم العرب بأنْ يلعبوا على التناقضات بينهم، فيستضيفون مَن يناسبهم ويخونون مَن يزعجهم، ثم يعلنون أنهم يتعاملون مع العرب كأفراد لا كجماعة.
مأزق البنية الحزبية.. وأفق العمل السياسي
ويتجاوز أثر الصوت العربي حدود الحسابات الحزبية ليلامس طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي نفسه؛ فالانقسام الذي جعل الكتلتين عاجزتين عن بلوغ الواحد والستين مقعدًا يضع الدولة أمام خيارات ثلاثة لا يُرحِّب بها أحد: حكومة وحدة تعيد تدوير النخب ذاتها، أو جولة انتخابية جديدة تستنزف ثقة الجمهور، أو حكومة أقلية تعتمد على دعم عربي خارجي تخشاه الأحزاب اليهودية وتحتاج إليه. وفي الحالات الثلاث يتضح أنَّ البنية الحزبية الإسرائيلية، التي نظرت طويلًا إلى العرب بوصفهم خارج المعادلة، باتت تدفع ثمن ذلك الإقصاء في صورة شلل حسابي. وهذه نتيجة لها وجهان؛ فهي تثبت من ناحية أنَّ المواطنة العربية لا يمكن شطبها من الحساب، وتنبه من ناحية ثانية إلى أنَّ النفوذ الذي ينشأ من أزمة الخصم يظل نفوذًا هشًّا، يتبخر ما إنْ يستعيد النظام توازنه. وربما كان الأخطر من ذلك كله أنْ تظلَّ الحكومة المقبلة، أيًّا كانت صورتها، مدينة في بقائها لأصوات لا تعترف لها بالجميل، فتكتفي بإدارة الأزمة بدل حلها، وتؤجل الاستحقاقات العربية إلى ما بعد الجولة التالية.
أما على المستوى الأوسع، فلا يستطيع الصوت العربي في الكنيست أنْ يحمل وحده عبء القضية الفلسطينية مهما تعاظمت المقاعد. فالسياسات المتعلقة بالاستيطان والحرب والضم تُقرَّر في دوائر لا تدخلها الأحزاب العربية، وأقصى ما تملكه هو الاعتراض والتعطيل الجزئي وكشف التناقضات. ومن هنا يخطئ مَن يرى في كل مقعد إضافي مكسبًا وطنيًّا تلقائيًّا، كما يخطئ مَن يَعُدُّ المشارَكة خيانةً بالضرورة. فالسؤال الأجدى هو ما إذا كانت هذه المقاعد تُستعمَل لبناء قوة اجتماعية واقتصادية وإعلامية داخل المجتمع العربي نفسه، تجعل الضغط على الدولة مستدامًا ولا ترهنه بمواسم الانتخابات. وإلى أنْ يحدث ذلك سيبقى المنتقدون من الجانبين محقين في جزء من اتهاماتهم، مَن يقول إنَّ الصوت العربي صار غطاءً لسياسات لا يملك تغييرها، ومَن يقول إنَّ مقاطعته ترك للساحة لمَن يعادونه. ومن غير بناء كهذا ستظل الانتخابات تعيد إنتاج المشهد ذاته، موجة حماسة في الخريف وخيبة في الشتاء، مع خطب كثيرة عن الإنجاز التاريخي وواقع يومي لا يتبدَّل إلا بمقدار ما يسمح به الآخرون.
إنَّ أصدق ما يمكن قوله اليوم هو أنَّ الصوت العربي نجح في فرض حضوره على الحسابات، ولم ينجح بعد في فرض مضمون سياسي لهذا الحضور. وبين الحالتين مسافة يقطعها الزمن والتنظيم والجرأة على المحاسبة الذاتية، فإن أحسنتْ القيادات العربية استعمال لحظتها بصياغة شروط مكتوبة وقابلة للمتابعة وتنسيق جماعي يحمي مجتمعها من الارتجال، فقد تتحوَّل هذه الدورة إلى نقطة تحوُّل فعلية، وإن اكتفت بالاحتفال بالأرقام وترك الباقي لمفاوضات غامضة، فستكتشف أنَّ الكنيست مرآة تضخم الصورة ولا تغيرها. وسيبقى على إسرائيل بدورها أنْ تقرِّر هل يظلُّ المواطن العربي ناخبًا مرغوبًا عند الحاجة ومشتبهًا به عند الفوز، أم شريكًا كاملًا لا يحتاج إلى شبكة أمان ليشعر بالأمان.