عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

مراجعات

نجلاء عبد الجواد

أفي شلايم و«الإبادة في غزة»: شهادة مؤرخ إسرائيلي بلغة القانون والتاريخ

2026.10.03

أفي شلايم و«الإبادة في غزة»:

شهادة مؤرخ إسرائيلي بلغة القانون والتاريخ

 

يحتل أفي شلايم (Avi Shlaim) موقعًا فريدًا بين مؤرخي الصراع العربي - الإسرائيلي. فهو وُلد في بغداد عام ١٩٤٥ لعائلة يهودية عراقية ميسورة، وغادرها طفلًا في الخامسة من عمره عام ١٩٥٠ ضمن الموجة الكبرى من هجرة يهود العراق إلى إسرائيل. وهي تجربة اقتلاع مبكرة روى تفاصيلها لاحقًا في مذكراته «عوالم ثلاثة»؛ إذ فقدت عائلته مكانتها الاجتماعية وشعرت بالخجل من نطق العربية علنًا بوصفها لغة العدو. ونشأ الفتى داخل تراتبية إسرائيلية تضع اليهود الأوروبيين في القمة وتدفع يهود البلدان العربية والأفريقية إلى القاع. فانجذب في مراهقته إلى يمين السياسة الإسرائيلية معجبًا بمناحيم بيجن، والتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية بين عامي ١٩٦٤ و١٩٦٦. قبل أنْ ينتقل إلى بريطانيا حيث درس التَّاريخ في كلية يسوع بجامعة كامبريدج وتخرج فيها عام ١٩٦٩، ثم درس في جامعتي ريدنج وأكسفورد، وتحول إلى أستاذ فخري في كلية سانت أنتوني حتى اليوم.

بدأ التَّحول الفكري الحقيقي في وعيه بعد حرب ١٩٦٧، حين خلص إلى أنَّ إسرائيل تحولت إلى قوة استعمارية تقمع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وهو استنتاج تعمَّق تدريجيًّا وبصورة مؤلمة، على حد وصفه، إلى أنْ برز اسمه عام ١٩٨٨ ضمن جيل من الأكاديميين الإسرائيليين عُرف بـ«المؤرخين الجدد»، ضم أيضًا بيني موريس (Benny Morris) وإيلان بابيه (Ilan Pappe). حينها، نشر كتابه «التواطؤ عبر الأردن» الذي كشف بالوثائق عن تنسيق سري بين الحركة الصهيونية والملك عبد الله الأول على حساب الفلسطينيين. وأثارت كلمة «التواطؤ» في العنوان جدلًا واسعًا دفعه لاحقًا إلى إصدار طبعة مختصرة بعنوان أكثر حيادًا هو «سياسات التَّقسيم».

تًوَّج شلايم مسيرته البحثية عام ٢٠٠٠ بكتابه الأشهر «الجدار الحديدي»، الذي استعار عنوانه من مقالتين كتبهما زئيف جابوتنسكي (Ze'ev Jabotinsky) عام ١٩٢٣. رسم فيه صورة شاملة للسياسة الإسرائيلية تجاه العرب قائمة على فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية بانتظار خضوع الطرف الآخر، وقد وصف فيه إسرائيل حتى أواخر الخمسينات بأنها كانت بمنأى عن وصمة الاستعمار. ودافع في كتابه «إسرائيل وفلسطين» الصادر عام ٢٠٠٩ عن حلِّ الدولتين بوصفه الخيار المعقول الوحيد. لكن مسار السنوات التَّالية غيَّر هذا الموقف جذريًّا؛ إذ بات يصف الصهيونية في مذكراته الأخيرة بأنها كانت مشروعًا استيطانيًّا استعماريًّا منذ لحظة تأسيسها، وأصبح اليوم أقرب إلى تأييد قيام دولة ديمقراطية واحدة بين النهر والبحر بدل حل الدولتين الذي طالما تبناه. وهي مسافة فكرية طويلة قطعها رجل يُعرِّف نفسه، على حد تعبيره، بوصفه «يهوديًّا وعربيًّا في آنٍ واحد»، رغم أنَّ هذا الجمع بات يبدو متناقضًا في أعين كثيرين بفعل الإرث التَّاريخي للصراع.

 

توثيق الإبادة: حصاد فكري متراكم

يأتي كتابه الجديد «الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين» (الصادر عن دار إيرش بيجز برس في بلفاست عام ٢٠٢٥) ليكون المحطة الأحدث في هذا المسار الطويل. وقد اختير كـ«كتاب عام ٢٠٢٤» من مجلة «التايمز» الأدبية البريطانية العريقة، وأُطلق رسميًّا في الثامن عشر من فبراير عام ٢٠٢٥ في مركز الشرق الأوسط بجامعة أكسفورد، بحضور محرر مجلة إيرش بيجز (Irish Pages) كريس أجي (Chris Agee).

يقع الكتاب في ٤٣٥ صفحة من القطع الكبير. وخلافًا لما قد يوحي به من الوهلة الأولى من كونه حصيلة أربع سنوات فقط، فإن الكتاب يضم اثنتي عشرة مقالة متفاوتة الطول؛ كتب شلايم ثلاثًا منها خصيصًا لهذا الإصدار، بينما تعود بقيتها إلى محطات متباعدة زمنيًّا. يعود أقدمها إلى تأملاته في «عملية الرصاص المصبوب» أواخر عام ٢٠٠٨ ومطلع ٢٠٠٩، مرورًا بتقرير قانوني قدمه للمحكمة الجنائية الدولية عام ٢٠١٩، وصولًا إلى مقالات كتبها في خضم الحرب الحالية على غزة بين عامَي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤. وهذا التَّرتيب غير المتسلسل زمنيًّا يجعل من الكتاب سجلًا تراكميًّا لتطور موقف مؤرخ واحد عبر أكثر من عقد ونصف العقد، لا مجرد رد فعل آنٍ على أحداث السابع من أكتوبر.

يفتتح شلايم مجموعته بمقالة بعنوان «بريطانيا والنكبة: تاريخ من الخيانة» كتبها عام ٢٠٢٣، يدين فيها ما يسميها ازدواجية بريطانيا وخداعها في قضية فلسطين، مستشهدًا بآراء الفقيه القانوني جون كويجلي (John Quigley) حول عدم شرعية الانتداب البريطاني. ثم يتبعها بتقرير موسع من ثمانين صفحة أعده للمحكمة الجنائية الدولية في العام نفسه، يصف فيه قرار التَّقسيم لعام 1947 بأنه كان خطأ فادحًا، ويربط نظام الفصل العنصري الحالي بجذوره في الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. تليها مقالة لعام 2024 عن حرب بنيامين نتنياهو على قيام الدولة الفلسطينية.

قبل أنَّ يعود بالقارئ إلى عام 2009 في فصل يذكر فيه بأنَّه لم يُشكِّك يومًا في شرعية دولة إسرائيل ضمن حدود ما قبل ١٩٦٧، بل في «المشروع الاستعماري الذي تجاوز الخط الأخضر»، وهو تمايز دقيق يكشف المسافة بين شلايم القديم وشلايم الحالي.

 وفي مقالة لاحقة بعنوان «الضوء الأخضر للإبادة»، يوجه سهام نقده نحو الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن (Joe Biden) الذي يصفه بالشريك الفعلي في الحرب، ناقلًا عن وزير خارجيته أنتوني بلينكن (Antony Blinken) اعترافًا لافتًا بأن واشنطن لا تتحدث عن «خطوط حمراء» حين يتعلق الأمر بإسرائيل.

بينما يعود في مقالة أخرى من عام ٢٠٢١ بعنوان «حل الدولتين: وهم وواقع»، ليجادل بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدركان جيدًا أنَّ الفصل العنصري هو الواقع القائم على الأرض، لكنهما يواصلان ترديد شعار «حل الدولتين» خشية الاعتراف بأن جذر المشكلة يكمن في طبيعة الحكم الإسرائيلي العنصرية والاستعمارية. أما التَّقرير الذي قدمه إلى المحكمة الجنائية الدولية عام ٢٠١٩ فيستعين فيه بمفهوم قانوني نادر الاستخدام هو «اللامبالاة الجسيمة» لوصف سلوك إسرائيل تجاه سكان غزة.

فيما يضم الفصل الذي شارك في تأليفه الباحث البريطاني الإسرائيلي جيمي شتيرن واينر (Jamie Stern-Weiner) توثيقًا مطولًا لتصريحات مسؤولين إسرائيليين، استخدمها المؤلفان كدليل على وجود نية متعمدة للإبادة. من دون أنْ يقتصر هذا التَّوثيق على السياسيين وحدهم؛ إذ يورد الكتاب في مواضع أخرى أمثلة من تصريحات جنود وشخصيات عامة إسرائيلية تدعو صراحة إلى محو غزة عن الخريطة، في محاولة لإثبات أنَّ ما جرى لم يكن تجاوزات فردية معزولة بل كان مزاجًا عامًّا متجذرًا.

ويستحضر شلايم أيضًا مقولة رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بعد انهيار قمة كامب ديفيد عام ٢٠٠٠ حول «غياب شريك فلسطيني للسلام»، ليجادل بأن هذه المقولة بالذات هي التي مهَّدت الطريق أمام صعود اليمين المتطرف الإسرائيلي وتفرغ حزب «العمل» من قاعدته الانتخابية لصالح تيار نتنياهو. في تتبع نموذجي لطريقة اشتغال شلايم التي تربط الخطاب السياسي اللحظي بتحولات بنيوية أعمق في المشهد الإسرائيلي.

 

كتاب آيرلندي.. ووثيقة بصرية وقانونية

يحيط شلايم هذا النسيج النصي بمواد بصرية ووثائقية مساندة. فالكتاب يُفتتح بمقدمة كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي (Francesca Albanese)، المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أوصت فيها بالكتاب بعبارة موجزة تصفه بأنه «يستحق القراءة بحزن مهيب». ويختتمه بنص الخاتمة القانونية التي ألقتها المحامية الآيرلندية بلين ني جرالاي (Blinne Ní Ghrálaigh) في الحادي عشر من يناير عام ٢٠٢٤ أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بصفتها محامية جنوب أفريقيا في دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل.

بينما تختم الروائية والمحامية الفلسطينية البريطانية سلمى دباغ الكتاب بكلمة تصف شلايم بأنه «عاش في ثلاثة عوالم (عراقية وإسرائيلية وبريطانية) بهوية دينية يهودية وانتماء عرقي عربي». ويتخلل هذا كله محفظة خرائط ومجموعة رسوم للفنان بيتر رودز (Peter Rhodes) استلهمها من عدوان ٢٠٠٨ و٢٠٠٩ على غزة، إلى جانب صور فوتوغرافية لأطفال غزة جمعتها المصورة فدا شطية ومصورون فلسطينيون آخرون. فيتحول الكتاب إلى وثيقة مركبة تمزج بين التَّأريخ الأكاديمي، والشهادة القانونية، والتعبير البصري.

اختيار دار «إيرش بيجز برس» الآيرلندية المستقلة تحديدًا لنشر هذا العمل ليس تفصيلًا عابرًا. فهذه الدار، التي سبق أنْ نشرت لشلايم مقالة بعنوان «إسرائيل وغطرسة القوة» ضمن كتاب سابق، دفعته إلى وصف مجموعته الجديدة في حديث لصحيفة إيرش نيوز بأنه «كتابه الآيرلندي». شارحًا أنَّ آيرلندا هي «الصديق الطبيعي لأي نضال مناهض للاستعمار بحكم تجربتها التَّاريخية الخاصة مع الاحتلال البريطاني والانقسام الطائفي القسري». وهو ما ينعكس في إحدى مقالاته حين يقترح أنَّ التَّسوية السياسية التَّفاوضية على غرار ما جرى في آيرلندا الشمالية هي السبيل الوحيد المتاح لإنهاء الصراع، معتبرًا أنَّ الولايات المتحدة التي لعبت دور «الوسيط النزيه» في الملف الآيرلندي تقف اليوم عائقًا أمام تسوية مماثلة في فلسطين.

 

الاحتفاء البريطاني.. والترجمة العربية

منحُ مجلة «التايمز» الأدبية هذا الكتاب لقب «كتاب العام» يحمل دلالةً تتجاوز الاحتفاء الأدبي المعتاد. فهذه المؤسسة الثقافية البريطانية التَّقليدية نادرًا ما كانت تجازف بمنح مثل هذا التَّتويج لعمل يصف صراحة السياسات الإسرائيلية بـ«الإبادة الجماعية». وقد لاحظ نقاد بريطانيون أنَّ صدور هذا الكتاب ترافق مع كتابين آخرين في العام نفسه هما «كارثة» لفنتان دروري، و«كارثة غزة» لجيلبير الأشقر، في مؤشر على أنَّ مصطلحي «الإبادة» و«النكبة» لم يعودا حكرًا على الخطاب العربي أو التَّضامني، بل باتا يتسللان بثقة متزايدة إلى صميم النقاش الثقافي الغربي السائد.

غير أنَّ هذا الاحتفاء لا ينبغي أنْ يحجب ملاحظة نقدية وجهها بعض القراء والمراجعين؛ إذ رأى أحدهم أنَّ إصرار شلايم على الاحتفاظ بالتكرار الحرفي بين المقالات دون حذف - تنفيذًا لنصيحة ناشره كريس أجي بأن ذلك «أكثر صدقًا وأصالة من إعادة الصياغة» - أضعف في مواضع عدة من وقع الحجة حين يكرر القارئ النقطة نفسها للمرة الثالثة أو الرابعة. وهو تحفظ تحريري مشروع لا ينتقص من قيمة الوثيقة التَّاريخية والقانونية التي يقدمها الكتاب في مجمله. ويلفت الانتباه أيضًا موقف شلايم من أحداث السابع من أكتوبر ذاتها؛ إذ يرفض إدراجها ضمن سلسلة متصلة مع محرقة اليهود كما يفعل كثير من المعلقين الصهاينة، ويصر على قراءتها بوصفها «انتفاضة دافعها الاستياء من الاستعمار، لا معاداة السامية». وهو موقف تحليلي مثير للجدل، بقدر ما هو متسق مع أطروحته العامة عن طبيعة الصراع بوصفه صراعًا استعماريًّا في جوهره وليس صراعًا دينيًّا أو عرقيًّا خالصًا.

أما وصول الكتاب إلى القارئ العربي عبر ترجمة الباحثة شهد دعباس (الصادر عن منشورات تكوين بعنوانه العربي «الإبادة الجماعية في غزة») فيحمل دلالة مختلفة عن دلالته في السياق البريطاني. فالقارئ العربي لم يكن بحاجة إلى شهادة شلايم ليقتنع بوقوع إبادة جماعية في غزة. لكن أهمية التَّرجمة تكمن في كونها تمنحه سلاحًا فكريًّا إضافيًّا حين يواجه الرواية الغربية السائدة بمصادرها ومؤرخيها هي بالذات. فحين يستشهد كاتب أو ناشط عربي بمؤرخ إسرائيلي المولد درس في أكسفورد ونال جائزة من مجلة أدبية بريطانية عريقة، يصعب اختزال الاتهام بالإبادة في كونه مجرد خطاب دعائي متحيز. ويصبح بدلًا من ذلك استنتاجًا تاريخيًّا وقانونيًّا يشترك فيه باحثون ينتمون إلى خلفيات متعددة، بينهم مَن يحمل الجنسية الإسرائيلية نفسها.

في نهاية المطاف، يمثل هذا الكتاب محطة أخرى في مسيرة طويلة كرسها آفي شلايم (وهو اليوم في عقده الثامن) لتفكيك الأسطورة التَّأسيسية للدولة التي وُلد بعيدًا عنها ثم عاش داخل ظلها الفكري طوال حياته. لكنه محطة تواجه القارئ بحاضر دموي مباشر لا بماضٍ بعيد فحسب. وهو ما يمنح الكتاب طابعًا استعجاليًّا وغضبًا أخلاقيًّا يصفه شلايم نفسه بأنه جزء من معركته ضد ما يسميها «الفاشية الصهيونية». بينما يبقى السؤال المعلق بعد إغلاق صفحته الأخيرة هو ما إذا كانت شهادة كهذه، مهما بلغت من رصانة أكاديمية وثقل مؤسسي، قادرة فعلًا على ترجمة نفسها إلى ضغط سياسي يوقف آلة القتل، أم أنها ستظل حبيسة فضاء الإشادة النقدية دون أنْ تمس بنية القرار السياسي الفعلي في تل أبيب وواشنطن ولندن.