عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

مراجعات

محمد رمضان المَلَّوِيّ

العمارة والذاكرة في «ساحة التحرير»

2026.10.17

العمارة والذاكرة في «ساحة التحرير»

 

حين يدخل القارئ رواية «ساحة التحرير» للكاتب السلوفيني أندريه بلاتنيك يظن أنه أمام رواية عن علاقة عاطفية تبدأ في مظاهرة عام 1988، ثم يكتشف أنَّ المكان بطل خفيّ لا يقل حضورًا عن الشخصيات. تتغيَّر الأسماء والأنظمة والأجيال، والحجارة والجدران والأسوار هي التي تحفظ ما يتبدَّل. يقرأ بلاتنيك المدينة قراءة اجتماعية، فيجعل من الساحة والكشك والفيلا والبيت الريفي والمقبرة سجلًا للسلطة والطبقة والذاكرة. ومن خلال النص العربي، بترجمة محمد رمضان المَلَّوِيّ، يبدو هذا السجل مقروءًا بقدر ما هو ساخر. وفي المقال تتبّعٌ لهذه العمارة من الساحة التاريخية إلى المنزل المتواضع في الريف، ومن كشك الآيس كريم إلى طرق المدافن.

 

الساحة:

يخصّص الفصل المعنون «انقطاعات» صفحات كاملة لسيرة الساحة. صُمّمت أولًا لمؤتمر الحلف المقدس عام 1821، ثم أُعيد تصميمها في عهد العمدة هراديكي على شكل نجمي لتصبح أول حديقة عامة في المدينة. ومن يومها تتناوب عليها أيدي المعماريين والحكّام: النمساويون والإيطاليون والتشيك، ثم إعادة تصميم بلِتشنيك بين الحربين. يلخّص السارد الأمر بجملة موجزة: «شهدت الساحة أعمال بناء وهدم، وتغيّر الحكام، وأُعيدت تسمية الساحات».

أما الأسماء فتتبع السلطة. تنتقل الساحة من فضاء احتفالي إلى موقف سيارات ثم إلى موقف تحت الأرض، وتستقبل معارض الكتب وخط نهاية الماراثون وكرة الطائرة الشاطئية. وتنتقل المظاهرات إلى الساحة المجاورة، فتتحول «ساحة الثورة» إلى «ساحة الجمهورية». يمكن أنْ يتغير المكان وظيفةً واسمًا دون أنْ يتحرك حجر.

 

النصب التذكاري:

أبلغ ما في هذه العمارة الرمزية هو مصير النُّصب. يُقام نصب للملك ألكسندر عام 1940، ويحطّمه الإيطاليون بعد عام ويصهرونه. تُنصب مرساة تذكارية فتصير نقطة موعد قبل عصر الهواتف المحمولة. ويُنقل الأصل من نصب الطاعون إلى المتحف، وتبقى في الساحة نسخة تكاد تطابقه، ويعلّق السارد: «يتلاشى الأصل وتبقى النسخ». هذه الجملة تقول في سطر واحد ما تقوله الرواية عن الانتقال من نظام إلى آخر، فالرموز تُستنسخ وتفقد أصالتها لكنها تؤدي وظيفتها.

 

مبنى كازينا:

يقدّم النص مبنى كازينا مثالًا على أن التصميم الداخلي يرسم الطبقات. في الطابق الأرضي مقهى وقاعة بلياردو مفتوحة للجميع وشقق للخدم، وفي الطابق الأول قاعات الأعضاء والقراءة وقاعة تتسع لأربعمائة شخص. ثم يتعاقب على المبنى ألمان ليوبليانا، فالحزب الديمقراطي اليوغوسلافي، فالجيش الإيطالي، فالألمان، فالجمعية الشعبية السلوفينية، حتى يُفتح أخيرًا للراقصين وعلماء الفولكلور والطلاب. وتأتي التفصيلة الساخرة: "تساءل المهندسون الإنشائيون هل ستصمد الأعمدة الحاملة أمام هذا التحول". السؤال هنا هندسي ومجازي معًا، فهل تحتمل البنية القديمة اجتماعًا جديدًا؟

 

الفيلا والشقة:

داخل البيوت تتكرر الفكرة بصيغ أصغر. للفيلا سور عالٍ وجرس بلا اسم، وفيلات تصمت نوافذها وتُسدل ستائرها. وتحدد الفيلا مصائر ورثتها، فمن وُلد في غرفة فيها ليس كمن وُلد في كوخ وسط الحقول، وأخرى نجت من المصادرة لأنها بعيدة في الضواحي. ثم تنقلب وظائفها: فيلا مسؤول حكومي تعود إلى الدولة وتصير مركزًا للكتاب في سراييفو، وفيلا وسط المدينة تقيم فيها رابطة الكتّاب أمسيات شعرية وتحرسها من أصحاب الحقائب المحشوة بالنقود. وفي الجهة الأخرى شقة الاستوديو ذات القرض العقاري الذي "يمتد لخمسة آلاف عام".

أما الاشتراكية المعمارية فتُعرض في حي «سيجلان»، فخر العمارة الاشتراكية، الذي تُفكَّك أنابيب صرفه لتُباع في ساحات الخردة، فتُرشّ السيارات الفاخرة العابرة بمياه الصرف دون تمييز. وفي مدن الانتقال تتداعى الواجهات خلف لوحات الإعلانات، وتُحوَّل كل قطعة أرض في وسط المدينة إلى فندق، ويحوّل الناس شققهم إلى نُزُل وينتقلون إلى الضواحي.

 

المنزل الريفي:

في مقابل الفيلا الفخمة التي بناها جد البطل لأمه، يقف في الرواية البيت الريفي الذي وُلد فيه أبوه. ولا يقدمه السرد وصفًا معماريًا، وإنما يستحضره الأب نفسه بجمل قصيرة قاسية: "ننام ثلاثة في غرفة واحدة، ونأكل ما نبت في الحقول في اليوم السابق". والثلاجة، وهي قطعة أثاث عادية، ترف لا يُنال في ذلك البيت، فيصير المطبخ والغرفة الواحدة مقياسًا للطبقة. ويكتمل المشهد بأخ وأخت لم يغادرا الأرض الصغيرة، وبأب حلم أن ينقذ ابنًا واحدًا على الأقل من عناء العمل فيها، وبمنحة تعليم لأبناء المزارعين هي ما أخرج الابن إلى المدينة. وتصف الأم هذا البيت بعين أخرى، فتراه كوخًا وسط الحقول، بينما يرد الابن على أمه أنها وُلدت بسرير مستقل وغرفة خاصة في فيلا. أما الأب فيعلّق على الفارق بمثل ريفي، "الحظيرة أولًا ثم البقرة"، فتردّ عليه الأم ساخرة بأنه كان من الأفضل أن يبقى في قريته. هذا البيت المزدحم الغائب عن المشهد هو الأصل الاجتماعي للأب، والرواية تعامله كذاكرة طبقية لا كديكور ريفي.

 

عمارة الأكشاك:

تلتقط الرواية أيضًا عمارة الأشياء الصغيرة؛ كشك K67 الأبيض المستدير، وهو نظام معياري صممه المهندس ساشا مشتيج، يمرّ في الرواية مرورًا هادئًا، لكنه من أكثر عناصرها المعمارية دلالة. فهو بناء يمكن تكراره ونقله ونصبه في أي ركن من المدينة. وتصوّره الرواية ليلًا، حين تسطع في الأفق أضواء البوليستر، وفي نهار الأيام الأخرى كشكًا أبيض مستديرًا يلوّح منه البائع بمغرفة الآيس كريم. وتتعدد الأكشاك في الرواية: كشك الصحف الذي يشتري منه الأب أعداده، وكشك الفاكهة والخضراوات على طريق بيت الأهل، وهو مفتوح دائمًا ويديره رجل ألباني بابتسامة عريضة. بهذا يصير الكشك نقطة التقاء الاقتصاد الصغير بالهجرة الداخلية في يوغوسلافيا السابقة وما بعدها، وهو مبنى صغير مؤقت لا يشبه شيئًا من النُّصب الضخمة في الساحة. وتتفوق هذه العمارة المتواضعة على النصب في أمر واحد، هو أنها تبقى في استعمال الناس اليومي ولا تحتاج إلى إزاحة ستار أو إلى صهر.

 

عمارة المقابر والمدافن:

يصل السرد إلى المقبرة في فصل متأخر، حين يلتقي البطل حبيبته القديمة على الطريق الطويل المؤدي إليها. المقبرة الكبيرة هنا من تصميم مهندس معماري شهير هو يوزيه بليتشنيك، وهو رجل أشعلت علامته المميزة جدلًا مع كل حجر يُنقل في المدينة. ولا يكتفي النص بوصف التصميم، بل يجعل المقبرة مسرحًا للتأمل؛ مكان هادئ يذكّر بأن كل شيء يتغير، وبأن الجميع متساوون فيه مهما بلغت الثروة. وترد عليه رفيقته بسخرية: "المقبرة أداة للصراع الطبقي، فإن لم نستطع أن نتساوى أحياءً فعلى الأقل نتساوى موتى". وفي المشهد نفسه تظهر عمارة المقبرة امتدادًا؛ حيث ينحرف الطريق عنها إلى مرج واسع، ويقول أحدهما إنها تركت مساحة للتمدد، فيجيب الآخر أن كل شيء يتمدد حتى المقابر. وأمام هذا الاتساع يتساءل سؤالًا بلا جواب: "أين دُفن هؤلاء الناس أو تشتتوا؟ أهنا فقط، أم حيث تركوا ما فعلوه؟"، فتقول المقبرة إن المدينة تتسع بالموتى كما تتسع بالأحياء، وإن الذاكرة لا تحدّها أسوار المدافن.

 

تخلص الرواية إلى أن المباني لا تكتفي بإيواء ساكنيها، بل تكتب تاريخهم. الساحة تحمل أسماء الحكام المتعاقبين، والنصب الأصلي يُنقل إلى المتحف وتبقى نسخته، والفيلا تنتقل بين الطبقات، والبيت الريفي يعيش في ذاكرة أب لا يعود إليه، والكشك الصغير يواصل عمله خارج التاريخ الرسمي، والمقبرة تتسع وتنتظر. وفي جملة قصيرة من الرواية تتلخص الفكرة؛ تكثر الأسوار وتقل الدروب. وبلاتنيك لا يرثي عمارة بعينها ولا يمجدها، بل يرصد ما يحدث لأناس عاشوا في هذه الحجارة حين تبدلت وظائفها من تحتهم. لذلك تبقى الرواية، بعد انتهاء القراءة، أقرب إلى جولة في مدينة منها إلى حكاية حب.