عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

عدد 13-ملف: على الرصيف.. مع إبراهيم فتحي

إبراهيم فتحي

الماركسية وأزمة التقليد الأيديولوجي الليبرالي

2019.10.01

الماركسية وأزمة التقليد الأيديولوجي الليبرالي

البحث عن دلالة المصطلح

تحيط بمصير مصطلح «الليبرالية» مفارقة تاريخية صارخة التناقض. فالحزب الديموقراطي الأمريكي معقل الليبرالية في سالف الأيام قد أسقط الكلمة من حسابه باعتبارها وصمة عار يدفعها عن نفسه في الانتخابات الأخيرة. وفي أثناء تلك الحملة تفاخر الرئيس السابق جورج بوش بأنه لديه ما يثبت أن منافسه الديموقراطي صرح في إحدى المناسبات بأنه ليبرالي. وذلك مما يلوثه ويلطخ سمعته.

 وقد حذر الرئيس السابق رونالد ريجان الناخبين من أن يخدعوا باستنكار الحزب الديموقراطي لليبرالية. فأنصاره يخفون ليبراليتهم الأمينة وراء الزي المحترم؛ أي بمعاطف واقية من المطر ونظارات الشمس.(1)

وفي مسقط رأس الليبرالية (بريطانيا) يتضاءل الحزب الليبرالي البريطاني ويواصل انحساره على الرغم من لحظة الإفاقة العابرة، وينطوي تحت جناح الاشتراكية الديموقراطية.

ولكن، ما سبق ليس أشد الجوانب صخبًا في المفارقة التاريخية. فمن الشرق «الاشتراكي» سابقًا تخرج كلمة «الليبرالية» بمعناها التقليدي حاملة رايات التجديد والانتصار: التعددية، الديموقراطية التمثيلية (البرلمانية)، اقتصاد السوق، حرية الفرد، حرية التعبير والمعارضة وتغيير الحكومات بصندوق الانتخابات، باعتبارها مبادئ مطلقة للنزعة الإنسانية والحرية والتقدم. وتتألق الألعاب النارية الليبرالية في السماء في أثناء احتفالات ومواسم الإصلاح الديموقراطي في بولندا والمجر وروسيا وغيرها من البلاد «الاشتراكية» سابقًا. وهذه المفارقة في مصير مصطلح «الليبرالية» أو مسافة لافتة «الليبرالية» تمتد أيضًا، إلى نشأتها في الماضي البعيد.

وهل يصدق أحد اليوم أن كلمة «الليبرالية» في مهدها -أي في بريطانيا- ظلت حتى بداية القرن التاسع عشر كلمة تلحق الازدراء والتحقير بمن يدافع عنها؟ أو أنها كانت تعتبر مذهبًا أجنبيًّا يهدد أمن البلاد وجاراتها في مرحلة ما بعد نابليون بونابرت ؟(2) ولقد كانت الكلمة اللافتة تعني شيئًا يقترب من الفوضوية في العرف الشائع. أي الدفاع عن «حريات» التحلل من الأخلاقيات السائدة والتحلل من التعصب القومي (موقف موضوعي من الثورة الفرنسية) وهي شبيه بما يقصده الحزب الجمهوري الأمريكي اليوم (الليبرالية) تعني الدفاع عن «حقوق» إباحة الإجهاض والتعبير عن الشذوذ الجنسي وإحراق العلم الأمريكي) وحينما أصدر الشاعران المشهوران بيرون وشللي جريدة «الليبرالي» عام 1822 لقيت نفورًا كبيرًا وإخفاقًا قاتلًا. ولكن دلالة المصطلح دارت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر دورة عكسية حول نفسها. وتحول الموقف من الليبرالية إلى النقيض.

فإن جريدة تحمل اسم «الليبرالي» لقيت على العكس من جريدة بيرون وشللي احترامًا ونجاحًا كبيرًا ابتداء من عام 1879،(3) وهذه الأحداث الطريفة التي تطفو على «سطح» دلالة اللفظة في الوعي الجماهيري، وعلى ظاهر المسار الفعلي لمصيرها تنقلنا إلى مستوى أكثر عمقًا ففي السنوات التالية للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، حينما أصبحت الرأسمالية في بريطانيا نظامًا راسخًا وأصبحت الدولة التمثيلية حقيقة شديدة الصلابة بُدئ في تأسيس «النادي الليبرالي» وامتدت عضويته لتشمل الموتى العظام من كبار المفكرين الأوروبيين، الذين لم يستعملوا كلمة «ليبرالية» ولم يعرفوا قط أنهم كانوا ليبراليين، أمثال لوك وآدم سميث وفولتير ومونتسيكيو الذين لم يرشحوا أنفسهم لعضوية هذا النادي المجيد. فالمعنى السائد في أيامهم لليبرالي كان يتوزعه شقان؛ إما صفة تطلق على العلوم الجديرة بالرجل الحر Liberalis وهو السيد المهذب الذي لا يدرس ابتغاء قيود العامة والحرفة والرزق فله من الملكية ما يفي بحاجته قاعدًا يدرس الفنون والآداب النظرية العامة «الليبرالية»، البحتة المجردة، المتحررة من شوائب التطبيق والمنفعة (أي النقيض المباشر لمفهوم الليبرالية اللاحق)، وإما في اشتقاق لاتيني آخر من الجذر نفسه يعني واحدًا من القائلين بالإباحية في القرن السابع عشر وأول الثامن عشر ، وهم أصحاب متعة ولهو ينسبونهما إلى «الطبيعة» وقوانينها، وأصحاب ريبة في العقائد ينسبونها إلى «العقل» (جيوم دي شوليوGuillaume de Chaulieu 1649-1720 وشارل دي سانت إفرمون Charles de Saint Evremond 1613-1702).(3)

الأبناء ينجبون الآباء!

إن الليبرالية، إذن، تختلف عن التقاليد الأيديولوجية الكبرى الواعية بذاتها التي تنحدر من مؤسسين يدافعون عن مبادئ محددة (الاشتراكية الماركسية أو الفابية أو القومية على سبيل المثال). وقد تم اختيار الأسلاف العظام لليبرالية وعُهد إليهم بوضع أسسها ومبادئها بعد قرن على الأقل من وفاتهم ثم وضعوا في رفقة أعلام من القرن التاسع عشر أمثال الفرنسي الكبير ألكسيس دي توكفيل Alexis de Tocquoville (1805-1859)، والألماني فلهلم فون همبولت Wilhelm von Humboldt (1767-1835) والإنجليزي جون ستيورات ميل دون أن يعرف أحدهم شيئًا عن عضوية زملائه أو عن انتسابه الشخصي، على الرغم من تباين مجالات دراساتهم وآرائهم.(4) ومن الواضح أن الليبراليين الواعين بليبراليتهم هم الذين أنجبوا أسلافهم، واختاروا آباءهم وفقًا لمقاييس عصر الأبناء استنادًا إلى ملامح بارزة في كتابات الأسلاف اختيرت ورتبت بحيث تتلاءم مع موقف عقلي لاحق.(5)

وهذه الواقعة التاريخية توضع لنا عند مناقشة الليبرالية بعض خصائصها العميقة؛ فلن نجد تعبيرًا مكتملًا عنها في أعمال مفكر بارز وتلاميذه (كما نجد في الماركسية، ماركس، إنجلز، بليخانوف ولينين إلخ.. على سبيل المثال). وعبثًا نبحث لها عن نقطة انبثاق محددة في الزمان بمثابة «قطيعة معرفية» (عند لوك مثلا) أو عن ذروة نضج و«أوج» تفتح في كتابات أي علم من أعلامها؛ جون ستيورات ميل أو جون ديوي أو كارل بوبر إلخ.. ولعل ذلك يرجع إلى أنها واصلت البقاء زمنًا طويلًا وفي أوجه متعددة باعتبارها مواقف عقلية في دوائر مختلفة قبل أن تكون عرضًا نظريًا متسقًا واعيًا بذاته.

فالأهمية التي يعزوها آدم سميث إلى حرية العمل في الاقتصاد، ويعزوها لوك إلى القانون الطبيعي، وجون ستيوارت ميل إلى مذهب المنفعة، وجرين  T.H. Green إلى التحقيق الأخلاقي للذات، تجعل من الصعب، في مستوى التجريد الخاص بكل منهم، ودرجة التعميم اللازمة لطريقة بحثه، وللمجال المعين (فلسفة/ اقتصاد/ سياسة/ أخلاق) الذي تنصب عليه الدراسة، أن تتكامل مؤلفاتهم في مذهب متسق يرتكز على نظرية فلسفية قاطعة التحديد تنهض على أساسها تصورات كلية للمجتمع والسياسة والأخلاق ذات ترابط نسقي محكم.(6)

ولا يترتب على ذلك أننا أمام شبح فكري من اختلاق المخيلات، بل أمام تقليد أيديولوجى واسع الانتشار يتغلغل في مسام الوعي الجماهيري للأفراد والجماعات هو التقليد الأيديولوجي الأساسي في المجتمع الرأسمالي، والثقافة الغربية على السواء بكل دوائرها.

التيار الأيديولوجي الليبرالي

وليس المقصود، هنا بالأيديولوجية الليبرالية وعيًا زائفًا أو عنصرًا خادعًا في الفكر، بل المقصود نظام شامل من التصورات والمعتقدات المترابطة إلى هذه الدرجة أو تلك (وليس من الضروري أن يكون الترابط منطقيًا متسقًا) يوجه على نحو سافر أو مضمر تحليلات وتطبيقات واستنتاجات ومعانٍ أكثر تحددًا وخصوصية. والأيديولوجية الليبرالية وثيقة الصلة بمواقف وممارسات وسياسات معينة ( وليس بالضرورة على نحو واضح أو مباشر)، كما تتضمن موقفًا فلسفيًا لا بالمعنى الشكلى الصارم ولا بالمفهوم المنهجى التفصيلى الدقيق(7) ولا تقف الأيديولوجية الليبرالية عند بعض المصادرات الأخلاقية وأحكام القيمة كما تذهب بعض الادعاءات التبسيطية، بل تتجاوز ذلك لتقدم «رؤية» للشكل المركب للواقع، ولطبيعة المشكلات التي تواجه الإنسان في وضع تاريخي معين (بعد أن تنسب إلى إنسان الطبقة الوسطى طابعًا أبديًا وإلى العلاقات الرأسمالية طبيعة أبدية). إن هذه الرؤية الأيديولوجية هي إطار تتناقله الأجيال عن شكل مركب لواقع تحللت فيه روابط القرون الوسطى القروية والحرفية والطبقية وانفصل الفرد Individual (وكانت الكلمة التي تدل عليه تعنى «ما لا يمكن أن ينفصل» في القرون الوسطى، أي تعني عضوًا في مجموعة ما)، وأصبح الفرد على العكس مطلقًا لايقيد تعريفه إشارة إلى جماعته(8)، عن شروطه المادية وأصبح ذاتًا حرة منفصلة عن الأرض (الطبيعة باعتبارهًا موضوعًا)، ولم يعد أمامه إلا أن يأخذ قراراته بيديه بدلًا من الهيئات الدنيونة والروحية. وتدرج مراتبها(9). ولم يعد العمل وسيلة لإعادة إنتاج هذا الفرد وعائلته الممتدة في اقتصاد معيشي بل وسيلة لإنتاج شيء منفصل عن الفرد هو القيمة التبادلية. وبعد انهيار التصورات الشاملة للقرون الوسطى التي كانت تضع « المعنى» و « القيمة» في الجماعة وفي الهيئات والقوى والتكوينات الفائقة للفرد، ولا تضعها في الفرد الذي يعبر عن نفسه تعبيرًا ذاتيًّا، أصبح المعنى والقيمة داخل الفرد نفسه وهو الذي يسبغها على كل شيء خارجه. وبدلاً من أن تكون أهداف الفرد وأفعاله إمكانات معطاة مع علاقات حياة اجتماعية، أصبح التصور الجديد « الليبرالي» أنها مقاصد وأفعال ذاتية تلقائية طبيعة محضة. هذا الفرد الطبيعي نجده في مركز الأيديولوجية الليبرالية، إنه فرد كامل التشكل، أو ذات مكتملة القدرات المعرفية والخلقية مسبقا، تتميز بتفرد جوهري خارج العلاقات الاجتماعية، وأصبح الفرد القيمة الأولى، له السيادة المطلقة والأصالة التي لا تقبل اختزالاً يتفاعل تفاعلاً حرًا ( أو ينبغي أن يكون كذلك) مع أفراد متماثلين متغايرين في الوقت نفسه. وكل الذوات الفردية سابقة التكوين قبل التفاعل تشارك فيه متساوية عند مستوى المنطق والعقل (العقل السليم هو أعدل الأشياء قسمة بين البشر) ولكنها تتفرد عند مستوى الرغبة والإرادة. وترى الإغراءات والأهداف عند الأفراد الطبيعيين قد اختزلت إلى بواعث ودوافع طبيعية خارج العلاقات الاجتماعية، وخارج الزمان، ماثلة في أعماق الفرد.

وبدلاً من القول إن الكائنات الإنسانية لا تصبح أفرادًا إلا خلال عملية اجتماعية تاريخية، وبأن كائن العشيرة أو تبعية القنانة أو الطائفة الحرفية بوجوده القطيعي أمكن له بواسطة العلاقات الرأسمالية الوليدة القائمة على التبادل أن يجد وسائل تفريده، وأن تضع له هذه العلاقات أهدافًا جديدة، وحاجات جديدة، أكد المفهوم الليبرالي عن الفرد الطبيعي، والذات الفردية أن الأهداف والحاجات تنبع من داخل الفرد، وأن الفرد مؤلف لأفعاله بحكم طبيعته الحقة. وماذا يصبح «الشكل المركب» في الأيدولوجية الليبرالية للمجتمع الإنساني؟ إنه ساحة المواجهة بين الذوات الطبيعية الحرة المتنافسة، فهل ستقفز كل ذات حرة بحكم تكوينها الطبيعي على رقبة الذات الحرة الأخرى لتنشب مخالبها؟ فالذات لا تنشد إلا إشباعها الخاص (هوبز)، وكل إنسان هو العدو «الطبيعي» للإنسان الآخر؟ هذا الكاريكاتير لأيديولوجية الفردية البروجوازية عند توماس هوبز راجع إلى إنه كان يصر على أن يدفع المقدمات إلى نتائجها المنطقية، وهو أمر مغاير لاتجاه الأيديولوجية الليبرالية وللفلسفة البرجوازية التي تقف دائمًا في منتصف الطريق ولذلك ظل هو الرجل المنعزل الشاذ خارج تاريخها(10). وبدلًا من المجزرة الطبيعية بين الذوات الحرة المتنافسة هل يكون «الشكل المركب» للمجتمع هو «الزكيبة» التي تحتفظ بحبات البطاطس، كل منها غير مكترثة بالأخرى، فلا بد من أن يكون ما هو اجتماعي حاجزًا أمام المقصد النقي المتفرد الأصيل للذات، فالذات أصل أول والمجتمع مشتق ثانوى، (فكل ذات سابقة التكون)، وثمة آخرية (نسبة إلى آخر) (Otherness) مطلقة تفصل بين الذوات نتيجة لسبق التكوين؟(11)، وتلك هي الطبعة الخامدة الساكنة من كاريكاتير هوبز للفردية الليبرالية لو اتسقت منطقيًّا.

لكن الأيديولوجية الليبرالية تعتمد على وظيفتها العملية الاجتماعية أكثر من اعتمادها على وظيفتها النظرية (المعرفة المنطقية) ولا تقف كثيرًا عند الاتساق؛ إنها إطار ضروري للحياة الاجتماعية من زاوية رجل المصرف وصاحب المتجر ومالك المصنع، وهي النماذج الجديدة لنمط الحياة الفردية البازغ بعد تدمير العقبات التي كانت تجعل الامتياز مترتبًا على المولد وملكية الأرض. ولابد من تكرار القول المعاد بأن شبكة التصورات الليبرالية التي هي بمثابة نماذج أو عناقيد من المفهومات أو طرق رؤية العالم الاجتماعي والطبيعي مارست بنجاح عظيم دور التبرير العقلي للنظام الرأسمالي منذ نشأته. لقد قدمت صورة عامة للمجتمع بوصفه كلاً يتكون من ذوات فردية حرة، صورة لإطار شامل يضم قطعًا وأجزاءً ودوائر مختلفة مترابطة على نحو ما؛ فلسفية وعلمية واقتصادية وسياسية وأخلاقية. وهذا الإطار الأيديولوجي الشامل للنظام الرأسمالي، وهو النظام الذي أحل لأول مرة على أرض الواقع الفعلي العقد القانوني بين أفراد محل المكانة الاجتماعية الموروثة، وأطلق حرية أفراد الطبقة الوسطى وقيد سلطة الدولة بالدساتير، وخلق مدنًا جديدة وصناعات جديدة (طبيعة ثانية أو عالمًا طبيعيًّا موازيًّا للطبيعة)، وتقدمًا علميًّا، وجعل جمع الثروة لذاتها محركًا أساسيًا للنشاط الإنساني، كما أسس الدولة القومية الحديثة؛ كان لا بد أن يكون تبريرًا عقليًّا لهذا العالم صاحبه منذ النشأة، وظل التيار الأساسي له(12).

لقد كانت الليبرالية «بشبكة» تصوراتها العامة أساس لطرح زمرة معينة من المشكلات الجديدة بطريقة خاصة، وحددت مجموعة مسموحًا بها من أنماط الرؤية والقول في الدوائر المختلفة لكل منها آفاقها، كما فتحت الطريق لمزيد من المشاكل، وأرشدت البحث اللاحق، وجلبت النظام إلى تلك الكتل اللامتناهية المختلطة من الملاحظات التجريبية، بل هي التي حددت ما المقصود «بالواقعة» التي تقبل الملاحظة والاختيار، ورسمت طرز الترابط بين الوقائع والمتغيرات. لقد جعلت « الإنسان» مسؤولًا فاعلًا حرًا لا تقيده تبعية القرون الوسطى لقوى يعجز عن فهمها، بل يتقدم مناوئًا للسلطات المطلقة، (والإنسان هنا يقتصر مفهومه على المشاركة في الشكل الجديد من الملكية الخاصة دون تصريح بذلك).

الخلط بين الليبرالية والديمقراطية

نتيجة لكل ذلك كان هناك تطابق شائع بين الليبرالية والديمقراطية في الوعي الجماهيري، وهو تطابق يرفضه التتبع التاريخي. فلقد ظلت الليبرالية ترتكز على أسس معادية للديمقراطية طوال نشأتها، ولم تكن هناك رابطة جوهرية تجمعهما. ولن تجد ليبراليًّا واحدًا دافع أيام النشأة المفترضة عن حق أغلبية الشعب في التصويت أو الترشيح فيما يتعلق بالمجالس التمثيلية المنتخبة، ولكننا، على العكس من ذلك نرى «الآباء المؤسسين» يرفضون جميعًا منح حق التصويت لمن لا يملكون نصابًا معينًا من الملكية يؤدون عنه ضرائب مباشرة، ويقفون من المبدأ الديموقراطي الأصيل؛ حق الشعب بأكمله في السيادة وحكم نفسه موقف الذعر والهلع، وخاصة بعد الثورات الشعبية، ويرجع ذلك إلى أن الأيديولوجية الليبرالية وضعت التزامها الأصيل رهنًا بحق « الفرد» في ملكية حرة لا تقيدها العوائق، فالليبرالية في جوهرها ظاهرة رأسمالية تنتمي إلى حرية الملكية والبيع والشراء، ومنطقها الحتمي يؤدي إلى التفاوت الصارخ في الملكية لا إلى المساواة، ولو تحققت درجة من المساواة لما كان للمنافسة وتراكم رأس المال حافز يستحثهما.

وكان معظم مفكري الليبرالية يظنون أن إعطاء حق التصويت للأغلبية الشعبية من الفقراء سيؤدي إلى الإطاحة بنظام الملكية الفردية وإلى الدعوة للمساواة الاقتصادية ( كما حدث في الثورات السابقة، حينما طالب دعاة المساواة أو التسوية Levellers بالاقتراع العام «لكل الرجال الإنجليز الذين ولدوا أحرارًا»، وبتوزيع عادل للدخول والملكية). إن حقوق الفرد صاحب الملكية ضد الحكم المطلق، ومطالبته بحكومة مقيدة وقد رافقتها المطالبة بها للجميع، أثار هلعا، مما سيسميه دي توكوفيل، بعد ذلك، «طغيان الأغلبية» لأن المساواة ستهدد الفردية الممتازة وتفرض نوعًا من التجانس المميت وتهدد الحرية. فالليبرالية، منذ البداية، كانت تجارب في جبهتين؛ لقد مثلت مصالح البرجوازية التجارية والصناعية في صراعها ضد الحكم المطلق ومؤسساته التقليدية، كما حاولت الحد من أي مطالب ديمقراطية واسعة النطاق بعيدة المدى، من جانب راديكالية البرجوزاية الصغيرة و«جماهير العوام». ومنذ البداية، كانت السياسة الليبرالية متناقضة، ونتيجة لذلك لقد انتهجت الحركة «الديموقراطية» أي الحركة الشعبية الواسعة مسارات سياسية وأيديولوجية مستقلة عنها أثناء الثورات البرجوازية. فبالإضافة إلى دعاة التسوية، كان هناك الحفارون The Diggers في الثورة الإنجليزية ( القرن السابع عشر) وأصحاب النزعة اليعقوبية الراديكالية في الثورة الفرنسية، وهم أولئك الذين أخذوا على عاتقهم تحقيق أهداف الثورة البرجوازية في الإصلاح الزراعي والاقتراع العام والحقوق الدستورية الأساسية للمواطنين. وظل الوعي الليبرالي، منذ البداية، فريسة للتوتر بين المساواة الديمقراطية وبين الملكية الفردية بلا قيود. وقد تعددت المحاولات لحل هذا التناقض. وعند نهاية القرن الثامن عشر، كانت نظرية «بنتام» هي الشكل الناضج نسبيًّا لحل هذا التناقض، ونقطة الانطلاق لتطوير الأيديولوجية الليبرالية.

حساب كميّ للذات والمنافع.. النزعة الحسية التجريبية

ونقف قليلاً عند جيريمي بنتام (1748-1832)، وعنده تصبح «المنفعة» المعيار الوحيد للصالح (للخير) الفردي وللصالح العام معًا. والمنفعة عنده هي مقدار من «اللذة» تطرح منه مقدار الألم. وما هو «خير» المجتمع؟ إنه وفقًا للتحيز الأساسي في الأيديولوجية الليبرالية (الفرد المجرد وإحساساته الداخلية وأفكاره النابعة عنها)، لن يكون إلا حاصل جمع المنافع الفردية. وعلى الرغم من رفض بنتام لمصادرات نظرية «الحق الطبيعي» و«العقد الاجتماعي» في الأيديولوجية الليبرالية المبكرة إلا أنه يهربهما إلى نظامه في شكل آخر؛ فعند القيام بعملية جمع المنفعة الفردية لآلاف الأفراد نجده بحسب كل فرد بواحد صحيح فقط. وهو، هنا، يبرر الدولة الليبرالية بأنها التي تحقق أكبر حاصل جمع في حساب المنفعة للجميع، إنها تقدم المنافع السياسية الأساسية للفرد؛ أمن الملكية وحرية الحركة الفردية وأمن الحياة، وكذلك أقصى منفعة للمجتمع كله. ويرجع ذلك إلى أن الدولة الليبرالية تسمح للسوق الحرة بأن تضاعف إلى أقصى مدى المنافع المادية، فالسوق ينبغي أن يترك لها مهمة تخصيص الموارد وتحديد العائد المادي بين الأفراد، بمقدار إسهامهم في العمل (الأغلبية) أو الأرض أو رأس المال (الأقلية)، على الرغم مما سيؤدى إليه ذلك من انعدام المساواة في الدخل الذي سيتوزع على أساس من تفاوت الإنتاجية. فهذه الحرية هي التي تضاعف الإنتاجية إلى أقصى مدى يحقق أكبر منفعة لأكبر عدد من الناس. وفي هذا النظام تتحقق درجة من «المساواة» الخفية، على الرغم من التفاوت البادى للعيان على أساس من مبدأ المنفعة المتناقضة، فالرغيف الثاني لا يعطي للجائع قدرًا من الإشباع مساويًا للرغيف الأول، وكلما زاد مقدار ما يمتلك الفرد من شيء قلت منفعة كل زيادة إضافية. ولكن التناقض لا يحل بهذه الطريقة، فمنطق بنتام يؤدي إلى القول بأن مجموع الإشباع العام، أو حاصل جمع المنفعة الإجمالية للمجتمع سيكون أكبر، إذا كان لكل فرد قدر متساو منه (فالزيادة في الثروة يتناقص إشباعها)، وبما أن المساواة (من الناحية الأخرى) خاضعة للإنتاجية، وحافز مضاعفتها هو مزيد من التراكم الرأسمالي وارتفاع نسبة الريح، فإنه دون ضمان للتفاوت في الملكية وانعدام المساواة سيسقط الحافز لزيادة الإنتاجية، وتظل مسألة تحقيق أقصى منفعة لأكبر عدد من الناس منطوية على التناقض بين السوق الحرة ومصالح الأغلبية، بين الليبرالية والديمقراطية.

التوفيق بين الليبرالية والديمقراطية

وننتقل إلى محاولة أكثر عمقًا في الأيديولوجية الليبرالية لحل هذا التناقض عند جون ستيوارت ميل ( 1806-1873) وسنجده يضع مطالب الديمقراطية الوليدة، التي اشتد عودها، مع الحركات الشعبية والنقابات العمالية المطالبة بحق التصويت، في الحساب (مع تحفظات طبعًا). إن ميل لن يعطي حق التصويت للأميين أو الذين لا يدفون ضرائب مباشرة. ولكنه يطالب مع ذلك للفقراء بحق التعليم ودفع الضرائب المباشرة. ولم يدر بفكر هذا العملاق الليبرالي أن يكون لمن لهم حق التصويت أصوات متساوية، فالأفضل تعليمًا ينبغي أن يكون لكل منهم أكثر من صوت لأنهم أقدر على إصدار الحكم السياسي!(13).

ولكن ميل، من ناحية أخرى، يدخل على فكرة «حرية العمل» تعديلاً، فهو يرى أن حرية السوق لن تؤدي إلى تنمية اقتصادية عادلة منتظمة، إلا إن وجدت نقابات عمالية لكي تستعيد التكافؤ في القدرة على المساومة بين أصحاب المال والعمال. ونلاحظ أن ذلك وارد في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي المنشور عام 1848. فالفكر الليبرالي والقانون الفعلي كانا يعتبران تشكيل نقابة عمالية للمساومة الجماعية مؤامرة ضد الحرية عمومًا، وحرية التجارة والعمل خصوصًا. ولم يتم الاعتراف القانوني بالنقابات التي كانت تناضل من أجل الوجود منذ القرن الثامن عشر إلا في عام 1871 في المملكة المتحدة(14). ونرى جون ستيوارت ميل يُدخل بعض مبادئ الديموقراطية لتعدل من الأيديولوجية الليبرالية؛ فهو لا يوافق على حساب اللذات والآلام عند بنتام باعتباره حسابًا كميًّا، لأن اللذات عند ميل ليست متساوية كيفًا، فيمتنع بذلك الاختيار والمقارنة والطرح،وهو لا يوافق، أيضا، على أن السوق يوزعها توزيعًا عادلاً. وهو يقدم في كتابه «مذهب المنفعة» تصورًا ديمقراطيًّا للطبيعة البشرية يختلف عن مبادئ الإيمان الليبرالية، فهو يبتعد عن السوق ويرثض أن تحدد السوق قيمة الإنسان وقدراته وطاقاته، ويذهب إلى أن البشر جديرون بشيء أفضل من البحث عن النقود وتكديسها وتجنب ألم الموت جوعًا. كما نجده يخرج عن المسلمة الليبرالية المتعلقة بأخذ الأفراد على ما هم عليه بالفعل، وكما هم في سلوكهم الظاهري ليبني نظريته من جانب منها -وعلى الرغم من منهجه «الوضعي» في كتابه المنطق القياسي والاستقرائي (1843)- بصدد إمكانات الأفراد القابلة للتحقق في أوضاع مغايرة افتراضية، فإن مقياس الخير الاجتماعي (الصالح العام) عنده مقياس ديموقراطي، وهو أقصى تطوير وتحقق للقدارت والطاقات البشرية؛ أخلاقية وعقلية وجمالية بالإضافية إلى الطاقات الإنتاجية المادية. ولكن التوتر بين الليبرالية والديمقراطية واضح في كتاباته التوفيقية على الرغم من كل تعديل، إنه يؤمن بالمشروع الفردي التنافسي إيمانًا شديدًا باعتباره أساسًا للحرية والعدالة، ويقف عند محاولة التخفيف من الآثار الجائرة للرأسمالية، فهو ينتقد العلاقة بين العمل ورأس المال في أيامه مدافعًا عن مصالح الطبقة العاملة، أن يجد توفيقًا تعاونيًّا ومشاركة بين الذئاب والحملان، بل ويقدم اقتراحات لإعادة توزيع الدخل على نحو يضمن العدالة مقرًا بمبدأ «تدخل الدولة» في فرض ضرائب للوصول إلى تلك العدالة، وخصوصًا ضريبة التركات على الثروات، فهو يقف ضد مبدأ وراثة الملكية. وبصحبة ميل نرى توماس هيل جرين (1836-1882)، يشكلان المحور الفكري الذي حدد ما يعرف باسم «الديمقراطية الليبرالية»، ذلك الخليط المتنافر طوال سنوات وعقود لاحقة. لقد كان جرين مثل ميل ضد أخلاقيات السوق ومع التطور الحر لشخصية الفرد، ولكنه لا يرى سبيلاً لتحقيق ذلك إلا من خلال آلية السوق. وبلغ من سذاجته في علم الاقتصاد أن ذهب إلى أن وجود بروليتاريا -وهذه هي كلمته-لا يتمشى مع المنطق العقلي للملكية الخاصة، فهذا المنطق يتطلب أن يمتلك كل فرد ملكية كافية فوق حد الكفاف، ووجود «عمال» محرومين من نعمة الملكية ليس راجعًا إلى آلية الرأسمالية، بل تتحمل جريرته الملكية الإقطاعية. فالفيلسوف الديموقراطي الليبرالي يتخيل نظامًا رأسماليًا بلا عمال، وهو ينتقد النظرية الليبرالية التقليدية في الحرية، فهي الآن تميل نحو أن تكون عائقًا، ففي الحقيقة المدينة السائرة إلى الأمام تجلب معها مزيدًا من التدخل في حرية الفرد في أن يفعل ما يشاء، وهذه النظرية (الليبرالية في صيغتها الأصلية) تقدم مبررًا لمقاومة كل الإصلاحات الإيجابية؛ كل الإصلاحات التي تستتبع تدخلًا من الدولة في طريق تهيئة الشروط المواتية للحياة الأخلاقية(15).

خطوات الليبرالية إلى الوراء بعيدة عن الديموقراطية وجاءت نظرية المنفعة «الحدية» بعد ذلك، خطوة إلى الوراء لتبرر نظام السوق تبريرًا مطلقًا، وترفض أي تدخل من جانب الدولة، إن نظام السوق في هذا الزعم يضاعف المنفعة إلى أقصى درجة ويعطي كل عامل من عوامل الإنتاج (رأس مال - أرض- عمل- تنظيم المشروع) مكافأة تساوى الإنتاجية الحدية لإسهامه (الحدية هي إنتاجية الوحدة الأخيرة عند تزايد الوحدات) فالنظام الرأسمالي يميل حتمًا نحو التوازن، محكوم عليه بالتوازن!

وجاء جون كينز (1883-1946) محاولاً التوفيق بين المشروع الحر وتدخل الدولة بعد أن قذفت الأزمات الاقتصادية والإضرابات العمالية والبطالة بنظرية التوازن والانسجام المسبق في نظام السوق إلى مأزق حاد. فهو يؤكد أن النظام لا يميل تلقائيًّا إلى التوازن عند أقصى منفعة، بل يستطيع أن يجد توازنًا ما عند أي قدر من نقص تشغيل الموارد والعمالة. لقد أصبح على النظرية الليبرالية أن تبحث عن تعديل لتسمح بضرورة التدخل الحكومي المستمر لكي يستطيع نظام السوق «الحرة» أن يعمل! وبقي مقابل هذا «التدخل الحكومى» أن يصر منظرو الليبرالية على الحريات الفردية الأساسية: الكلام، والنشر، والدين، والاجتماع والقيمة النهائية الأخلاقية للفرد وتطويره الذاتي باعتبار ذلك الخير الأسمى. غير أن هذا الخير الأسمى لن يتحقق إلا من خلال السوق، بعد تعديلها «بدولة الرفاهية». وأفضل العوالم الممكنة هو مجتمع السوق المعدلة. لماذا؟ لأنه يضاعف المنافع إلى أقصى مدى ويوزعها في عدالة وفقًا لاستحقاق كل فرد. وهنا، يشكل س. بى. ماكفرسون في دراساته المعنونة «ما بعد الديمقراطية الليبرالية»(16)، ردة ضخمة على ميل وجرين وعودة ناكصة إلى الليبرالية المناهضة للديمقراطية (أو السابقة عليها). فعلى الرغم من اتساع نطاق حق التصويت (اتسع ليشمل جزءًا محسوسًا من العمال بعد عام 1867 نتيجة لصراع عنيف سالت فيه الدماء شاركت فيه حركة «الميثاق» وعمالها من أجل حق التصويت للذكور البالغين دون اشتراط حد معين من الملكية)، فإن المبررات الليبرالية للحرية ومضاعفتها للمنفعة المادية ارتكزت على سلم القيم المسجل في السوق، وعلى افتراض أن العادات والأذواق والتفضيلات الفردية الحالية معطيات نهائية، وأن كل الحاجات متساوية وأن كل ما هو أمر واقع حق وصواب (مسلمات التجريبية والوضعية)، ولكن ذلك إغفال خادع لتلك الحاجات والرغبات المصطنعة التي خلقها الإنتاج للسوق، وروجتها دعايات التسويق لمضاعفة أرباح قلة ضئيلة. أما القول بأن هناك رغبة «فطرية» في منافسة الآخرين والتفوق عليهم، وبأن كل ما يحصل عليه فرد ما من الأشياء التي تلبي حاجات مصطنعة سيكون موضوعًا للرغبة عند آخر. وتكون تلك الرغبة جزءًا من «الطبيعة الجوهرية» كأي رغبة حقيقية، فهو بمثابة عودة إلى توماس هوبز. ومعنى ذلك هو العودة إلى حاجات لا تُشبع «بالفطرة»، بل تفسح «الغابة» لمنافسة «فطرية» قاتلة بين الذئاب، ومعنى ذلك، أيضا، تقديم نموذج للمجتمع الرأسمالي باعتباره نموذجًا أبديًّا للمجتمع بوصفه مجتمعًا.

الوجه وراء القناع

نحن إذن أمام نظرية تبريرية تطمس تناقضات الواقع، فاقتصاد السوق في الواقع يؤدي إلى تركيز الملكية وتفاقم اللامساواة، وذلك يقف عقبة في طريق تطوير الطاقات الفردية الإنسانية وتحقيقها، وبدلاً من ذلك يضاعف من طاقات الجشع والرغبة في الاستهلاك الأجوف وعدم الاكتراث بالقضايا الاجتماعية والإنسانية وفي التبرير، وتتحول الكتلة المختلطة من الأفراد المستهلكين للسلع المادية والأذواق الجاهزة والآراء المعلبة، وتغيرات الأزياء إلى «شعب حر ذي سيادة»، بل هو صاحب السيادة الوحيد بعد حرمانه بعناية من كل قدرات ممكنة من توجيه الحكومة أو مراقبتها. إنه يعطي صوته (إن اهتم بذلك، فعدد المسجلين في قوائم الانتخاب ضئيل جدًا، ونسبة الذين يشاركون منهم فعلًا في الإدلاء بأصواتهم ترتفع قليلاً عن نصف المسجلين في أفضل الأحوال، أي أن أقلية هي التي تكثرت بالمشاركة) لصورة في التليفزيون تؤدي دورًا مكتوبًا وتتكلف الملايين من الجنيهات أو الدولارات كل عدد من السنوات. كما أن استجابة السلطة التشريعية لناخبيها وحاجاتهم الحقيقة ليست كبيرة، وهي مماثلة لاستجابة السلطة التنفيذية للمجالس المنتخبة، فالسلطة التنفيذية بما تملكه من أدوات ضخمة في الاقتصاد (عقود الدولة العسكرية مثلًا) وأجهزة تنفيذية وبنوك معلومات تتجه نحو مزيد من إضعاف السلطة التشريعية ويقف «الفرد» الذي تتغنى به الليبرالية وتمجده كل ساعة باعتباره في حقيقته العارية العاجزة صفرًا مزوقًا «مفبركًا»، تُصنع له آراؤاه وأذواقه وتحدد له أقليات بيروقراطية كل حياته الداخلية ونواحي سلوكه.

ماذا حدث، إذن، للعلاقة بين الأيديولوجية الليبرالية ودوافع النظام الرأسمالي؟

إن المفهومين المترابطين ترابطين ترابطًا وثيقًا لهذه الأيديولوجية؛ مفهوم النظام الاجتماعي ذاتي التنظيم الذي يصبح ممكنًا بواسطة آلية السوق الحرة، ومفهوم أقل قدر من تدخل الدولة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية كانا من قبيل الأوهام المبررة تاريخيًا، وكانا ملائمين لتطوير العلاقات الإنتاجية في فترة معينة من النظام الرأسمالي. فلقد تميزت تلك الفترة بوجود عدد كبير جدًا من المشروعات العائلية الصغيرة والمتوسطة، مالكها هو مديرها الذي يتخذ قرارته بنفسه ويتحمل مخاطرها. ومداه «الطبيعي» أن يحدث تبادل التأثير بين كل هؤلاء وفقًا لآلية السوق التي تنظم كل شيء دون نظام متطور من قيود الدولة وتحكمها. والجانب الوهمي في الأيديولوجية الليبرالية عن الدولة باعتبارها «الحارس الليلى» ماثل في أن الدولة كانت تتدخل في واقع الأمر لصالح أصحاب المشروعات الرأسمالية تدخلاً كثيفًا في تشريعات العمل التي تضطهد العاملين، وتسمح بتشغيل الأطفال والنساء ساعات طويلة بأقل أجر، وقوانين الفقراء التي تسجن العاطلين، ولوائح المصالح التي تقسر العمال على انضباط صارم يخضعون وفقًا له حركات أجسامهم تبعًا لإيقاع الآلات، وتفرض عليهم الغرامات، كل ذلك مقابل الإعفاءات الجمركية والضريبية للرأسمالين، واتباع سياسة خارجية لصالح تواجدهم في الأسواق العالمية.

السطح.. مملكة المساواة

كما كانت الأيديولوجية الليبرالية تقف عند سطح الظواهر الاقتصادية، أي عند دائرة التبادل بين كميات متساوية وبين ملاك أحرار متساويين (سواء لسلع أو لقوة عمل). فالسوق ممكلة المنافسة الحرة والمساواة بين الأفراد. وحينما يشتري المستهلك السلع يتساوى الغني والفقير في حرية الشراء وفي السعر، ويتحولان إلى مشتريين ومستهلكين مجردين. ولكن تحت عمليات السطح نجد أعماقًا تحكمها بنية مختلفة وعمليات مختلفة تختفي منها الحرية والمساواة الظاهرية بين رأس المال والعمل. إن الوقوف عند السطح في الأيديولوجية الليبرالية ميزها، من حيث المنهج بعملية وصف مباشر وجمع للصفات المشتركة والمختلفة الملاحظة حسيًّا في قوائم، ووضع الظواهر الخارجية للحياة اليومية في تبديها الخارجي ومظهرها تحت تعريفات تصنيفية دون غوص إلى الهيكل المحتجب عن الأنظار لتناقضات النظام الرأسمالي وعلاقاته الداخلية ووظائف أعضائه. وقد استعملت آلية التبادل المتساوي (المتكافئ) تبريرًا يضفي الشرعية على اللامساواة الاجتماعية التي يولدها النظام الرأسمالي وحماية الامتيازات التي حصل عليها المنتصرون في المنافسة.

ومن المؤكد أن الوعي الجماهيري الواقف عند سطح الظواهر امتص وتمثل فكرة أن الاستغلال وعدم المساواة وعدم العدالة في العلاقات بين الأفراد (والطبقات) مستحيلة في ظل قوانين التبادل المتكافئ تبعًا لقواعد السوق.

ولكن ماذا حدث بعد تقلص نفوذ المنافسة الحرة، اعتمادًا على نفس منطقها؟ (فالمنافسة تؤدي إلى منتصرين ومهزومين يخرجون من الحلبة. وفي صميم المنافسة الحرة يكمن منطق التركيز والاحتكار). بدلًا من تحقيق المصلحة العامة تلقائيًّا، أحدثت الممارسات الحرة لقوى السوق إفلاسات هائلة لعدد ضخم من أصحاب المشروعات وانعدامًا صارخًا للمساواة؛ فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، قاعدة نظام المشروع الحر التي وضعت عليها الليبرالية التقليدية آمالها، تضاءل وزنها وفقدت استقلالها وأصبحت تابعة للاحتكارات العملاقة. ولقد أصبح التناقض حادًا بين الشعارات المعلنة عن الرأسمالية باعتبارها مجتمع الفرص المتساوية، والنجاح الذي يتناسب مع مواهب الفرد وجهوده، والرخاء الذي هو في متناول الجميع.

وكان من الطبيعي حدوث أزمة عميقة في القيم الليبرالية والوعي الليبرالي.

وتعالى صراخ الممثلين الأيديولوجيين لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، المؤمنين بالملكية الخاصة وقوانين السوق المقدسة، «إن جميع الأفراد متساوون في الفرص، ولكن بعضهم أصبح أكثر مساواة من الآخرين»، وطالبوا بتدخل الدولة في آلية السوق، لا لإلغائها، بل لحمايتها من أعدائها، أصحاب الامتيازات. لذلك نما داخل الليبرالية اتجاه يتغنى بفضائل تدخل الدولة لمنع الاستقطاب الاجتماعي.

كما أن إخلاص رأس المال الكبير لمبادئ الليبرالية لم تمنعه من الترحيب بأعمال الدولة التي تحقق مصالحه في الدعم والحماية الجمركية والإعفاء الضريبي ومنح كل التسهيلات، بل وتحمل عبء المشروعات الخاسرة بتأميمها، والقيام بالإنفاق على البنية التحتية وتدريب العمالة والبحوث، فكل ذلك التدخل ليس ضد المبادئ الليبرالية. أما التدخل في دفع حد أدنى ملائم لأجور أو شروط العمل أو دعم الفقراء فهو تدخل ضد القوانين الطبيعية الأبدية للسوق الحرة. وكان الإقرار بالأهمية الحيوية لتدخل الدولة من أجل استقرار النظام الرأسمالي نقطة تحول أدت إلى نشأة الليبرالية الجديدة التي تعبر عن تفاقم الانقسامات داخل الطبقة الرأسمالية.

تناقضات الليبرالية الجدية

«التعددية» السياسية قناع «للواحدية» الرأسمالية أصبحت الدولة الرأسمالية (الحارس الليلي في الوهم الليبرالي) أخطبوطًا عملاقًا يمد أطرافه في كل اتجاه، ينمو داخله اتجاه متعاظم نحو درجة من الاستقلال النسبي تتزايد كل يوم في مواجهة الطبقة الرأسمالية التي يُدار الحكم لصالحها (استقلال إزاء المصالح الجزئية والمؤقتة لهذه الطبقة يدفعها إلى مزيد من التدخل). وهناك أقسام من الرأسمالية تفضل السيطرة المطلقة على ملكيتها ومشروعاتها ولا ترحب بالتدخل، وأقسام أخرى تربح من تعاون وثيق مع الدولة، ومجموعات ضغط تستجيب لمصالح متباينة. كما اختلف موقف الاحتكارات من السياسة الخارجية، والضرائب وعقود الدولة، ومعدل التعريفة الجمركية، وقد أدى كل ذلك إلى تحولات في الأيديولوجية السياسية لرأس المال الكبير اختلفت عن الليبرالية في عيون الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة، فكلا الطرفين يفهم تدخل الدولة بطرق مختلفة؛ رأس المال الكبير بقر بدور الدولة باعتبارها منظمًا وموجهًا ومنسقًا يدعم المشروع الحر. والأسماك الصغيرة تفهمه باعتباره يحد من البطالة ويقدم العون لها وبعيد النظام الرأسمالي إلى أيامه القديمة أيام المنافسة الحرة. وهكذا أصبحت الليبرالية أرضية بعيدة عن التجانس تتصارع عليها اتجاهات شديدة التناقض تعبر عن تعايش الاحتكارات مع السوق الحرة، ودولة الرفاهية مع قيم السوق التقليدية.

ولكن الاتجاه الليبرالي التكنوقراطي هو التيار السائد بين كل الاتجاهات وهو يرى الدولة آلية (ميكانزم) إدارية محايدة تحل محل التنظيم الذاتي للسوق ويرى الحكم السياسي مسألة قدرة إدارية تنظيمية، إنه تيار يختزل المشاكل السياسية إلى مشكلات تنظيمية إدارية، لترشيد السيطرة على الصراع الاجتماعي.

هذا الوعي التكنوقراطي يرفض الأيديولوجية السياسة، كل أيديولوجية كائنًا ما كانت في تصريحاته المعلنة ويقدم نزعة وضعية «علموية» تصفي المشاكل الاجتماعية بواسطة تكنولوجيا عقلية تختزلها إلى أبعاد كمية تقبل القياس والحلول الجزئية.

وترى هذه النزعة أن اتخاذ القرار، لحسم أنواع الصراع والنزعات المختلفة، يجب أن يبتعد عن الطابع السياسي والأيديولوجي، فالصراع السياسي الأيديولوجي قد أصبح مفارقة زمنية وحيوانًا منقرضًا. إن أغلبية المشاركين في الصراع لا يملكون القدر الكافي من المعرفة ولا الخبرة المتخصصة الضرورية، وانفعالاتهم وعواطفهم هي الحاكمة ولن يصلوا إلى قرار «متوازن». وليس الناخبون في هذه النزعة مؤهلين في الأوضاع الحديثة لأن تكون لهم مشاركة في اتخاذ القرارات، فذلك متوقف على جمع وتحليل وتصنيف معطيات كثيرة جدًا، متخصصة جدا. فلن تحتاج القيادة السياسية العقلانية إلى مناقشات حرة مع جماهير عديمة الكفاءة في هذا المجال، بل تعتمد حتمًا على شبكة متطورة من خبراء متخصصين ليس من الضروري أن ينتخبهم أحد، ويكفي للناخبين أن تقدم لهم قضايا مبسطة جذابة في اللعبة الانتخابية، ليس من المحتم أن تكون لها علاقة حقيقية بإدارة الأمور بعد الفوز في الانتخابات، كما أن مشاركة الجماهير في صنع القرار السياسي سيؤدي بالضرورة إلى الصراع، ونقص الكفاءة وزعزعة الاستقرار، فاتخاذ القرار ينبغي أن يكون وظيفة الصفوة البيروقراطية وحدها. وهنا تتحول الديموقراطية الليبرالية إلى نزعة معادية للديمقراطية، تغلق الطريق أمام أي فعل مستقل للشعب، وتلغى سيادته، ولا تزيد المعارضة من المجلس النيابي في لعبة الكراسي الموسيقية بين حزبين أساسيين يتبادلان الحكم عن أن تكون تنويعات على لحن النظام الرأسمالي نفسه، وعلى التعبير عن تناقضات ثانوية مهما تحتدم فهي داخل إطار واحد، وتعمل على تكامل المجتمع حول مركز موحَّد للسلطة السياسية، «فالتعددية» الليبرالية نزعة وحدانية رأسمالية إذ تقوم هذه النزعة التكنولوجية على ما يسمى بالهندسة الاجتماعية المحايدة، الإصلاحية الجزئية داخل الإطار الرأسمالي، وتعتمد على فلسفة تجريبية وضعية صاحبت الأيديولوجية الليبرالية، منذ البداية، وسارت معها إلى مأزق حتمي.

التجريبية (الخبروية) القديمة والوضعية الحديثة متماثلان مع نشأة الرأسمالية داخل النظام الإقطاعي، كانت الحاجة تقتضي التغلب على الطرائق العتيقة في التفكير لإفساح الطريق أمام الاكتشاف والاختراع «وروح العلم» وكل ذلك ضروري لرأس المال ونموه في الملاحة والتعدين واستخدام المدافع، وكان على الليبرالية أن تكون شرحًا وتوضيحًا للممارسات العلمية. وكان على هذا «المنهج العلمي» وطرائقه في التفكير أن يمتدا من ظواهر الطبيعة إلى العلاقات الاجتماعية وأنظمة الدولة.

وسنحاول أن نعرض بسرعة لبعض أفكار «لوك» من «مقال في الفهم الإنساني»، إنه يشن هجومًا على الأفكار الفطرية مثل الله والجوهر والعلة التي يقال إنها كامنة في الذهن الإنساني وليست مستمدة من مصادر الخبرة، وأنها صادقة صدقًا بديهيًّا. ثم يوضح بعد ذلك أن كل المعرفة الإنسانية مبنية على فعل الأشياء وتأثيرها في الحواس.

وهنا تتضح المقدمة المركزية للأيديولوجية الليبرالية، الكون الأصغر أمام الكون الأكبر، أي الذات الفردية بقدرتها (حواسها وإدراكها وإرادتها) في مواجهة العالم، وإمكان أن تعرف بتجربتها الفردية دون اضطرار للجوء إلى خبرات الأقدمين ونصوصهم المقدسة ومبادئهم الأولى واعتبار القياس المنطقى الأداة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة.

ولو افترضنا أن الذهن صفحة بيضاء فإن متاعه الفكري، سيأتيه من الخبرة (التجربة)، وملاحظتنا المنصبة على الموضوعات الخارجية أو على العمليات الداخلية لأذهاننا هي منبع معرفتنا، وعند لوك يكون تأثير الموضوعات الخارجية في حواسنا مولدًا في المحل الأول لأفكار بسيطة، أو «لمحات بسيطة» هي المعطيات الحسية التي تقدمها كل حاسة وهذه المعاني البسيطة هي الذرات التي تبني منها أفكارنا المركبة، فهي مواد معرفتنا بأكملها. وحينما يختزن الذهن هذه المعاني البسيطة فإن له القدرة على تكرارها ومقارنتها وتوحيدها، وبذلك يستطيع أن يصنع كما يريد أفكارًا مركبة جديدة فنحن لا نعرف إلا أفكارنا.

ولننتقل من التمييزات لنصل إلى افتراض شديد الأهمية لتطور الفكر التجريبي والوضعي وهو توكيد لوك أننا حينما ندرك، أو نفكر، أو نفهم، أو نصدر حكما، أي حينما نعرف، أو حينما نقوم بأي فعل معرفي بسيط أو مركب فإن «موضوع» معرفتنا ليس أشياء العالم الخارجي بل معانينا وأفكارنا الذهنية التي استدعاها في ذهننا تأثير الأشياء الخارجية.

وهو يقول بالحرف الواحد: «فالمعرفة إذن تبدو لى باعتبارها ليست إلا إدراك الصلة والاتفاق أو الاختلاف والتعارض في أي فكرة من أفكارنا. ولا تتألف المعرفة إلا من ذلك» (الفكرة عند لوك تعني الإدراك الحسي والمعني معًا).

في عملية التفكير إذن نحن ندرك صورًا أو نسخًا ونربطها معًا ونعيد ربطها، وهي صور مدركات حسية عن أشياء العالم. سنظل إذن في نطاق ضيق، وسيعوزنا دائما جوهر Substance الأشياء. وماذا عن هذا الجوهر أو وسادة الدبابيس التي تحمل الصفات الحسية؟ لم نعرف عنه شيئًا، إنه «شيء في ذاته» لا تمكن معرفته كما سيقول كانط بعد مئة سنة(17).

إن الأيديولوجية الليبرالية، أيديولوجية الذات/ الموضوع، أي الانطباعات الحسية للذات الفردية في مواجهة أشياء العالم أي الوقوف عند السطح والظاهر المتبدِّي للحواس، وإحاطة دراسة البنى العميقة، والقوى الدافعة والتناقضات والعلل بالشكوك، هي رؤى «تدخل من الطابق الأرضي إلى الفعل المعرفي السابق للتحليل العلمي، ومع الشروع في التنظير مع المادة التي تقدمها هذه الرؤيا للأشياء» سنجدها متغلغلة في نظرية المعرفة والمنطق كما سنجدها في الاقتصاد السياسي.

هيوم هو النسخة الأصلية من ماخ وحلقة فيينا
ولن تقف التجريبية عند السطح، ويأخذ ديفيد هيوم طرف الحبل ليلفه حول رقبة «الذات» الفردية ما دام من البديهي ومن المسلم به لدى الفلاسفة أنه ما من شيء ماثل أمام الذهن إلا مدركاته وانطباعاته وأفكاره، وأن الموضوعات الخارجية لا تصبح معلومة لنا إلا بواسطة المدركات الحسية التي تبتعثها، فلن يكون من الممكن أن ندرك شيئًا مختلفًا عن انطباعاتنا.

إن وجود الأشياء الخارجية عادة ذهنية تكونت لمعاودة مجموعات معينة من الانطباعات فنعتقد بوجود دائم مناظر لها خارجها. وماذا عن الذات؟ إنها ليست انطباعًا مفردًا بل إنها ما يفترض أن تشير إليه عدة انطباعات وأفكار. وحينما يدخل هيوم إلى أقصى درجة من الألفة الحميمة. داخل ذاته فإنه يتعثر دائمًا بإدراك حي معين أو بآخر، وهو لا يستطيع أبدًا أن يقتنص ذاته دونما انطباع حسى محدد ولا يستطيع، أبدًا، أن يلاحظ شيئا. سوى هذا الإدراك الحسي أو الانطباع... إن ذواتنا ليست إلا حزمة من المدركات الحسية المختلفة. حسنًا ماذا يبقى لنا؟ الأشياء الخارجية الدائمة اختزلت إلى حزم من الانطباعات العابرة وينطبق الشيء نفسه على الذات، والذهن ليس إلا كومة من مدركات حسية مختلفة اتحدت معًا بواسطة علاقات محددة ومن المفترض أن ذلك دونما أساس، ويحدث استنادًا إلى وهم زائف بأن الذات والذهن يتصفان بهوية كاملة وببساطة! ودوائر التجريبية تضيق، وتختفي دائرة الأشياء الخارجية ودائرة الذات أيضا، ولا تبقى إلا دائرة الانطباعات العابرة. ماذا لو اتسقت «نظرية المعرفة» القائمة على المقدمات الأولى للأيديولوجية الليبرالية؟ لن تبقى إلا مدركات الفرد في لحظة الإدراك. فما من أساس عقلي للمعرفة البشرية. وستتحول مشكلة المعرفة، كما تحولت على أيدى الوضعية الجديدة إلى معضلة لا تقبل حلًا. ولا بد أن يثير ذلك التساؤل عن الوضعية القديمة نفسها ولتحاول أن تتبعها عند علم من أعلام الليبرالية هو «جون ستيورات ميل» فما الذي تعنيه الوضعية عند ميل؟ إن العلوم تحقق التنبؤ المنهجي بترتيب الانطباعات الحسية، فحينما تشير العلوم إلى الأشياء، فإن ما تقوم به، بالفعل، هو التنبؤ بأي تجمعات من الإحساسات وتعاقبها سيحدث. إن الموضوع المادي عند ميل هو «إمكان دائم للإحساس» والقانون العلمي هو معادلة للتنبؤ بالخبرة المقبلة. وأشكال القوانين مختلفة تندرج من أن «أ» يتلوه «ب» إلى قوانين تلازم في التغير، «أ» يتغير مع «ب» أو «أ» هو دالة «ب»، وقوانين إحصائية تقرر معدل حدوث نتائج معينة. وتصل الوضعية بعد ميل إلى اعتبار الفيزياء نموذجًا للعلوم، وتؤكد أن قوانين الفيزياء تعبر عن تبعية مقدر معين لمقدر آخر، وتلك المقادير هي قراءة مؤشرات على الأجهزة العلمية، وهذه القراءات وغيرها من المؤشرات هي عناصر الخبرة، وحينما يتحدث عالم الفيزياء عن الذرات والإلكترونات فهو يستخدم تعبيرات صريحة سهلة لصياغة قوانين تنظم معطيات الخبرة الحسية، ولا يكتشف شيئًا عن العالم المادي!

وإن يكن المنطق الاستقرائي من إنجازات الوضعية القديمة عند ميل، فالعلوم عنده تقوم على إجراءات تنتقل من الجزئى إلى الكلى، ومن روابط جزئية لوحظت مرار إلى قوانين عامة؛ إلا أنه يقال، الآن، أنه ما من مبادئ منطقية تبرر هذه الإجراءات.
وترد أصوات من خارج الوضعية بأن مسألة فهم إجراءات العلم ليست مقصورة على ما يسمى مشكلة الاستقراء. فالنشاط العلمي عند خصوم الليبرالية والوضعية يصمم تقنيات بحث يمكن الدراسين من اكتشاف علميات ستكون غائبة عن الأنظار لولا هذه الأجهزة، والاستفادة من هذه العمليات لأهدافهم العلمية وليست مسألة منطقية مجردة، تتعلق بذات فردية ومعطيات حسية، بل هي جزء من نشاط اجتماعي هادف، وقدرات إنسانية تسيطر على الواقع. إن النظرية الوضعية في العلم تختلق علومًا ليست معنية إلا بترتيب وترابط وتعاقب أحداث داخل نطاق التجربة الحسية، وترى أن نتائج هذه العلوم تتألف من قوانين تمكننا من التنبؤ بمثل هذه التجربة الحسية داخل ذواتنا الفردية فحسب(18).

الهيكل العظمي للأيديولوجية الليبرالية

هل يمكن القول إن الأيديولوجية الليبرالية كانت بمثابة «بنية داخلية» مشتركة بين فروع علمية مختلفة ومجالات متباينة للتفكير والممارسة الاجتماعية؟ أو بعبارة أخرى لمضامين فروع معينة، ولصياغة مشاكلها، وأسس لنظرياتها الجزئية؟ لقد كانت المفاهيم المضمرة والموضوعات التي لم تكتمل صياغتها والقواعد الفكرية لليبرالية هي التي تحدد مجالات الدراسة وتشكل المفهومات لبناء النظريات الجزئية. إن حجر الزاوية في الأيديولوجية الليبرالية هو ذات فردية مزودة بالقدرة على تلقى الانطباعات الحسية من عناصر العالم الخارجي وأشيائه، وبالقدرة العقلية على ربط هذه الانطباعات ومقارنتها. والقاعدة الأساسية هي التحليل الكمي وتحليل موضوعات المعرفة إلى وحدات يمكن قياسها، لتأسيس علاقات التساوي والاختلاف بين أبسط العناصر الممكنة، وترتيب الاختلافات تبعًا لأقل الدرجات الممكنة. المسألة مقصورة في التحليل إلى عناصر، سواء كان موضوع التحليل هو الطبيعة الفيزيائية أو البيولوجية أو المجتمع، ثم إقامة نظام أو ترتيب لهذه العناصر، بعد مقارنتها معًا وتصنيفها. «فالآلية» أو الميكانزم أصبحت نموذجًا للمعرفة العلمية يمتد من علم وظائف الأعضاء إلى الاقتصاد السياسي (اليد الخفية عند آدم سميث). وفي البداية، كانت الروابط والصلات بين الفروع المختلفة للمعرفة بادية للعيان. وأبراز الكتاب الليبراليين كانوا موسوعيين عظامًا ينتقلون بإحاطة وعمق بين فروع مختلفة؛ جون لوك مثلًا نشر «رسالة في التشريح» (1668) ورسالة أخرى في «الفن الطبي» يدعو فيهما إلى إدراك تجريبى للعلل الجزئية بدلاً من النظريات العامة في القوى والعلل والمبادئ. كما نشر «في التسامح» و«الحكومة المدنية»، و«ملاحظات حول نتائج تخفيض سعر الفائدة ورفع قيمة النقد» بالإضافة إلى كتابة الشهير «مقال في الفهم الإنساني». ومن المعروف أن جون ستيوارت ميل ألف «مبادئ الاقتصاد السياسي»(1848)، وقبله «المنطق القياسي والاستقرائي» (1843)، و«مذهب المنفعة» (1861)(19).

فالقاعدة المنهجية الأولى لليبرالية هي طريقة تحليل الأشياء إلى عناصرها وربطها معًا أمام العين في ترتيب أو بنية ظاهرية لتقديم ما يشبه الخريطة أو كتالوج التصنيف(20).

حقًا لقد ذلك تعديلاً بعد نظرية التطور، وبدأت ملامح الآلية (الميكانزم) تقترب من ملامح الكيان العضوي (الأورجانزم). كما دخل الزمن إلى الترتيب المكاني؛ لا زمان الساعة الذي يحسب الثواني والدقائق بل زمان القرون والسنوات الطويلة.. ولكن التغيرات ظلت داخل إطار معرفي ومنهجي واحد. وكان من المفترض أن هذا «الإطار المنهجي» هو الإطار العلمي الوحيد الذي ينبغي تطبيقه في الفروع الاجتماعية والإنسانية: الفرد يفسر المجتمع، وما المجتمع إلا فرد تضاعف آلاف المرات، والعنصر سابق على العلاقة، والكل هو حاصل جمع الأجزاء بلا زيادة أو نقصان. وقد تحولت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية، بتأثير نزعة ذرية ميكروسكوبية، إلى بحوث في العلاقة بين المتغيرات داخل دوائر تضيق تدريجيًّا «وتتخصص» معزولة مقفلة تضع عصابة على الأعين، فلا ترى العلاقات الأساسية ولا القوى الكلية المحركة، ولا التناقضات الحية، ووراء تقسيم العلوم يتمزق النسيج الاجتماعي الواحد إلى خيوط متناثرة. كما تتمزق الثقافة إلى فروع ذات نوعية جوهرية لا رابطة بينها، الاقتصاد يدرس إشباع الحاجات وتغيراتها والعرض والطلب والتسويق على أساس المستهلك الفرد، ولا علاقة له بعلم الاجتماع الذي يدرس ظواهر مثل العائلة والمدرسة والجريمة، بفروعها، ودراسة الأدب والفن تنصب على نوعية خصوصية نفسية لغوية.. ويبدو العالم المعاصر لدى الرؤية الليبرالية في انحدارها عالـمًا من الانفصال والتجريد.. بين الحياة السياسية العامة والحياة السياسية العامة والحياة الفردية الحميمية بين المواطن والفرد، بين العائلة والفرد، بين العلم والفن ويمتد  تقسيم العلم  داخل الفرد  فتتحول سيكولوجيته  إلى قوى متصارعة. ويصبح «الفصام» محورًا اجتماعيًّا فرديًّا. ومن ناحية أخرى، فإن إساءة التفسير الوضعي التجريبي للمعرفة وللعلم تقدم خدمة كبرى للأيديولوجية الليبرالية البورجوازية. فالوضعية ترفض القول بوجود أي شيء لا يخضع للملاحظة المباشرة، فالعلة والماهية يختلفان ورارء المدركات الحسية، وكذلك تختفي البنية العميقة للمجتمع الرأسمالي. وكل كلام عن نمط إنتاج أو صراع اجتماعي أو طبقات هو كلام عن كائنات عامضة أو غيبية أو خبيئة أو أشياء في دواتها. والنتيجة المنطقية لذلك أخذ «وقائع» المجتمع الرأسمالي بقيمتها الظاهرية كمعطيات تتعلق بالطبيعة البشرية، أو الفطرة، وهو منهج ملائم للذين يديرون المشروعات الرأسمالية ويربحون منها. وهو يرفض النفاذ إلى العلاقات بين الطبقات وإلى حركة المجتمع وتطوره التاريخي. وبالإضافة إلى ذلك، فهذا المنهج يقع فريسة لأزمة خانقة تنشأ عن اصطدام مبادئه بالممارسة الفعلية للعلم الطبيعي والاجتماعي على السواء، فهو يسئ فهم المعرفة الحسية والمعرفة النظرية، ويفصل بينهما فصلاً ميتافيزيقيًّا، ويترك مجال القيم كله فريسة للقوى اللاعقلية. إن اعتبار المعرفة كلها مقصورة على معطيات حس (من يستطيع يا تُرى أن يوقف تدفق خبرته المباشرة ويغرس دبوسًا في واقعة حسية ذرية ليثبتها ويسميها معطى حسيًّا؟). ولماذا يجب أن تتألف موضوعات الإدراك من معطيات حسية تقف كالحاجز متميزة كل التميز، (بين الموضوعات المادية الخارجية وأعضاء الحس الجسيمة؟) ويُترك المجال فسيحًا للمعتقدات الخرافية التي لا يمكن اختبارها؟ فما دام «المعنى» مقصورًا على الخبرة البسيطة والمنطق، فلابد أن تترك التجربة الاجتماعية بأكملها نهبًا للانفعالات العشوائية، والهوى الفردي، والإيمان، والحدس الصوفي، فلا سلطان للعقل على تلك المجالات الخلقية والجمالية.
ولا مجال للنزاع بين الوضعية الليبرالية وأشد أنواع الكهانة جهالة، فكلتاهما تنشد استحالة التفسير العقلي والتاريخي للمجتمع وتهدف إلى وضع الحدود والقيود على نطاق معرفة الإنسان وإنجازه(21). وعلى الرغم من أن الليبرالية لا توجد في حالتها النقية، اليوم، إلا أن مبادئها الأيديولوجية واسعة الانتشار في الوعي الجماهيري، مختلطة بالكثير من المبادئ التي لا تتمشى معها، كالاشتراكية مثلاً، وليس جون رولز الكانطي في فلسفته عن العدالة هو الوحيد الذي يمزج مزجًا تلفيقيًّا بين عناصر من هنا ومن هناك، فالكثيرون في «المعسكر الاشتراكي» السابق ارتفعت أصواتهم داعية إلى مزيج متغاير التركيب من الماركسية والليبرالية.

الهوامش:

1- Michael Kinsley, Hypocrisy and the “L” Word, Time, Magazine August 1, 1988, p. 23.

2-D.J.Manning, Liberalism, London 1976, P. 9.

3- Ibid.

4 - مجدي وهبة، معجم المصطلحات العربية في اللغة واﻷدب، مكتبة لبنان، ص ص. 274 – 285.

5- D.J.Manning, Liberalism, op.cit. p. 10.

6- Ibid

7- Mourice Dobb, Ideology and Economic Theory, Cambridge University Press, 1973, pp. 2-9.

8- Raymond Williams, The Long Revolution, New York, Columbia university Press, 1961, First Chapter.

9- Eric and Mary Josephson, ed, Man Alone, A Laure edition, 1972, p. 19.

10- Mourice Fornforth, Marxism and Linguistic Philosophy, Lawrence & Wishart London, 1965, p. 36.

11- Gary Saul Morson, Ed. Bakhtin, The University of Chicago Press, Chicago & London, 1986, p. 78.

12 -هارولد لاسكي، نشأة التحررية الأوروبية، ترجمة عبد الرحمن صدقي. وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مكتبة مصر، دون تاريخ، ص ص. 5-18.

13- Robin Blackburn (ed) Ideology in Social Science, Pan books London, p. 2.

14- Rogers Scruton A Dictionary of Political Thought. The MacMillan Press, p. 298.

15- Ibid., p. 467.

16- Robin Blackburn (ed) op.cit, p. 22.

17- USSR Academy of Science Moscow, Political Consciousness in The U.S.A pp. 43-77.

18- Maurice Conforth, op.cit., p. 32.

19 - يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، الطبعة السادسة، ص ص 141- 144، 342.

20- Michel Foucault, The Order of Things, Tavistock Publications, 1977, pp. 53-59.

21 - عاطف أحمد، نقد العقل الوضعي، دار الطليعة، بيروت، 1980 ص 13 ص 27.