عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

دار المرايا

الموازنة العامة وسؤالها المتكرر: أين يصب التقشف؟

2021.08.01

الموازنة العامة وسؤالها المتكرر: أين يصب التقشف؟

لا تمثل موازنة العام الحالي 2021/2022 إلا حلقة جديدة من حلقات «برنامج الإصلاح المالي» كما تطلق عليه الحكومة والمؤسسات الدولية، أو برنامج «التقشف» كما يطلق عليه بعض منتقديه- الذي بدأ عام 2014/2015 بخفض كبير في الدعم الموجه للطاقة. ومن هذا المنطلق، قد يبدو من المفيد النظر إلى حجم التبدلات في أولويات الدولة في مصروفاتها عبر تلك السنوات إجمالا وإعادة تقييم جدوى تلك التبدلات.

يوضح الشكل التالي التغير في الأوزان النسبية لأبرز مكونات التصنيف الوظيفي للمصروفات في الموازنة العامة التي شهدت تغيرات هيكلية خلال الفترة من عام 2014/2015 وحتى صياغة موازنة العام المالي الجديد 2021/2022: وهي الفوائد، والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، والاستثمارات.

والتصنيف الاقتصادي للموازنة -تبعا لدليل تصنيف الموازنة العامة للدولة في جمهورية مصر العربية وفقا لإحصائية مالية الحكومة لعام 2001-(١) هو تصنيف للاستخدامات وفقا لطبيعتها والهدف منها (مرتبات، شراء سلع وخدمات، فوائد، دعم ومنح، أو سداد قروض...إلخ)، وكذلك الأمر بالنسبة للموارد التي تصنف ما بين ضرائب ومنح ومبيعات أصول وأقتراض ...إلخ.

ويستند الشكل التالي إلى قياس الإنفاق على الفوائد والدعم والاستثمارات كنسبة إلى المصروفات -التي تتضمن ستة بنود.

ويتضح من الشكل السابق، من ناحية، التراجع الكبير في الوزن للإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية من27 % تقريبا عام 2014/2015 إلى 17.8 % في موازنة العام الجديد. وفي مقابل ذلك، فقد ارتفعت مدفوعات الفوائد من 26.3% إلى 32%، وهو ما يعني ببساطة أن خفض الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية لم يصاحبه انخفاض الوزن النسبي للإنفاق على الفوائد على النحو الذي قد يبدو متوقعا.

ويتشكل بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية من أربعة أقسام هي الدعم السلعي، والدعم والمنح للخدمات الاجتماعية، الدعم والمنح لمجالات التنمية، والدعم والمنح للأنشطة الاقتصادية بالإضافة بمخصصات احتياطية للدعم.

وخلال تلك السنوات، أقدمت الدولة على خفض الوزن النسبي للدعم إلى المصروفات في الأساس عبر خفض الدعم السلعي بشدة بدءا من دعم المواد البترولية ومرورا بدعم الكهرباء ووصولا لدعم المياه. وبذلك تراجع الوزن النسبي للدعم السلعي بشدة كما يتضح من الشكل التالي، الذي يوضح الأوزان النسبية لأنماط الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في موازنة العام الحالي مقابل موازنة عام 2014/2015.

وفي المقابل، فقد بدا أن مخصصات الدعم والمنح للخدمات الاجتماعية قد تضخمت، لكن يعود ذلك في حقيقة الأمر إلى سداد الحكومة أقساط مديونياتها لدى صناديق المعاشات، «ووفقا لتصنيفات الموازنة العامة للدولة وقوانين ربط الموازنات والأعراف المعمول بها دوليا، كان لابد أن يتم وضع هذه المخصصات فى باب سداد القروض وليس فى باب الدعم» تبعا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية(٢).

لكن في واقع الأمر، يبدو أن خفض الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية وبالتالي انخفاض وزنها النسبي بالنسبة لإجمالي المصروفات قد سمح بالفعل بالتوسع بشدة في الإنفاق على الاستثمارات العامة على نحو قد لايبدو مسبوقا. ويتضح من الشكل السابق نفسه أن الوزن النسبي للإنفاق على الاستثمارات قد قفز ليتجاوز الضعف. ففي حين كان الإنفاق على الاستثمارات العامة يقل عن 8.5 % من إجمالي المصروفات عام 2014/2015، وصل هذا الإنفاق في 2020/2021 إلى 19.5 % في موازنة العام المالي الحالي.

وفي هذا السياق، تثني وزارة المالية في البيان المالي لموازنة العام الجديد على سياستها المالية قائلة إن «استمرار إصلاح هيكل الإنفاق العام لضمان فاعليته وبما يسمح بوجود مساحة مالية تمكن الدولة من استمرار زيادة الإنفاق الموجه للتشغيل والإنتاج والتنمية البشرية بدلا من الإنفاق غير المؤثر على النشاط الاقتصادي أو جودة الحياة للمواطن مثل فاتورة خدمة الدين»(٣).

وبالفعل يبدو التحول نحو التوسع في الاستثمارات العامة خلال الفترة الممتدة من 2014/2015، استثنائيا وممتدا على نحو يبدو معه كسياسة قد تمتد لسنوات قادمة، لكن في واقع الأمر فإن هذا التوسع لم يتجسد كـ»إنفاق موجة للتشغيل» وفقا للعبارة السابقة.

من الملفت للنظر حقا، في هذا السياق، أن السنوات الماضية -بدءا من عام 2014/2015- وإلى الآن والتي شهدت التوسع التدريجي والكبير في الإنفاق على الاستثمارات الحكومية، شهدت انخفاضا في ما يسمى بمعدل التشغيل.

وتبعا لتعريف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء(٤)، يمثل معدل التشغيل «الأفراد ( 15 سنة فأكثر ) الذين يزاولون أعمالاً بأي من الأنشطة الاقتصادية لبعض الـوقت (على الأقل ساعة) خلال فترة الإسناد القصيرة للبحث (أسبوع) سواء داخل المنشآت أو خارجها منسوبًا إلى السكان فى نفس الفئة العمرية ويتم حساب معدل التشغيل على أساس السكان 15 سنه فأكثر وذلك بالفترة 2008-2014 بخلاف السنوات السابقه حيث [كان] يتم الحساب على أساس السكان 15 إلى 64 سنة(%)». وبعبارة أخرى، يعبر هذا المفهوم عن عدد من يعملون كنسبة إلى عدد القادرين على العمل.

ويتضح من الشكل السابق أن معدل التشغيل واصل مسارا من الانخفاض المستمر منذ العام 2013 وحتى العام 2020، بدءا من 44.5 % وصولا إلى 38.2 %، بالرغم من كل هذا التوسع في الاستثمارات الحكومية.

يمثل هذا الانكماش المتواصل في معدل التشغيل، جانبا «مظلما» تسعى الحكومة على مايبدو لمداراته، عبر التجاهل والاستناد في بياناتها الرسمية في المقابل إلى مفهوم آخر -أكثر شهرة- هو مفهوم معدل البطالة السنوي.

ويشير مفهوم معدل البطالة إلى»الأفراد من (15-64 سنة) الذين يقدرون على العمل ويرغبون فيه ويبحثون عنه ولكنهم لا يجدونه منسوبًا إلى قوة العمل في نفس الفئة العمرية, ويتم حساب معدل البطالة على أساس السكان 15سنة فأكثر وذلك بالفترة 2008-2014 بخلاف السنوات السابقة بينما يتم حساب على أساس 15-64 سنة» تبعا لتعريف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.(٥) وبعبارة أخرى، فمعدل البطالة هو عدد من لايجدون عملا كنسبة إلى من يرغبون أصلا في العمل ويبحثون عنه. ولهذا السبب، لا يبدو معدل البطالة هو الفيصل الحقيقي في قياس عدد الوظائف التي يتيحها الاقتصاد، لأن معدل البطالة قد ينخفض لا لتراجع عدد العاطلين وإنما لتراجع عدد الباحثين والراغبين في العمل.

و»يرجع الخروج من قوة العمل أو توقف الناس عن البحث عن وظائف إلى عدة أسباب من أكثرها شيوعًا هو اليأس من الحصول على عمل أصلًا»، حسبما أوضحت هبة الليثي مستشارة رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والمشرفة على إعداد بحث الدخل والإنفاق(٦).

وبعكس معدل التشغيل، يبدو استعراض معدل البطالة السنوي طوقا للنجاة -على مايبدو- من التساؤلات البديهية حول جدوى برنامج «الضبط المالي» إن لم ينعكس في صورة وظائف.

وفي هذا السياق، تقول هالة السعيد وزيرة التخطيط، إن «جهود زيادة الاستثمارات العامة* وتنفيذ هذه البرامج والمبادرات قد لعبت دوراً مُحفّزاً في دفع عجلة النمو الاقتصادي، حيث تحقّقت معدلات نمو تصاعدية في الأعوام الخمسة الأخيرة حتى وصلت إلى 5,6 % في النصف الأول من عام 19/2020، قبل تأثير تداعيّات فيروس كورونا والتي أثّرت سلباً على كافة اقتصادات العالم، ورغم الأزمة حقّق الاقتصاد المصري معدل نمو 3,6 % خلال (19/2020) حيث جاءت مصر ضمن عددٍ محدودٍ من دول العالم التي حقّقت نمواً موجباً في ظل الجائحة، وبالتالي فإنه على رغم انتشار جائحة كورونا في العالـم، كما بلغ معدل النمو 2,9 % في الربع الثالث من العام الجاري (20/2021)، ومن المتوقع أن يبلغ معدل النمو 2.8 % خلال العام»، مضيفة « من الـمُؤشّرات الإيجابية أيضاً للأداء الاقتصادي، اقتران معدلات النمو المحقق بانخفاض معدلات البطالة، حيث تراجعت - رغم أزمة كورونا- إلى 7.4 % في الربع الأول من عام 2021 (يناير - مارس)، مقارنة بـ 7,5 % في الربع المناظر من العام السابق، وانخفض معدل البطالة السنوي من 13 % في عام 2014 إلى 7,9 % في عام 2019»(٧)

كما يلجأ صندوق النقد نفسه لنفس المفهوم في سياق استعراض فخره بنجاج برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر الذي تضمنه الإتفاق الحكومي مع الصندوق في نهاية عام 2016. ففي بيان يعود إلى منتصف عام 2019، مع قرب نهاية الاتفاق، قال الصندوق إن البرنامج أحرز عدد من الأهداف من ضمنها انخفاض البطالة لتصل إلى 9 % وهي أدنى مستوياتها «على مدار العقد الماضي»(٨).

ويظهر الشكل التالي تطور معدل البطالة السنوي. ويتضح من الشكل نفسه مفارقة تلفت النظر إلى «فخ» المفاهيم هذا، إذ مثل العام 2013 ذروة ارتفاع معدل البطالة خلال الفترة من 2008 إلى 2020، وهو نفس العام الذي مثل ذروة ارتفاع معدل التشغيل السنوي، وفقا للشكل السابق.

الخلاصة: يطرح هذا المقال المفارقة بين أبرز متغيرين في بنود المصروفات منذ بدء مايسمى ببرنامج الإصلاح المالي عام 2014/2015 وما تخلل تلك الفترة من توقيع إتفاق عام 2016 مع صندوق النقد والذي شدد من إجراءات «الضبط المالي»، وهما بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية الذي تراجع وزنه النسبي بشدة عبر السنوات الماضية -في مقابل بند الاستثمارات الذي ارتفع وزنه النسبي إلى أكثر من الضعف عبر تلك السنوات وصولا لموازنة العام الحالي. ويمكن النظر هنا إلى الدعم المتراجع كثمن سدده الشعب على نحو أو أخر - راضيا أو مكرها - مقابل المزيد من الإنفاق على الاستثمارات الحكومية. ويتولى المقال هنا تتبع هذه هدف التشغيل كثمة كان يفترض أن تجنيها السياسة الاقتصادية خلال تلك الفترة، دون التطرق للإنفاق على الصحة والتعليم كأحد الأوجه الأساسية لإعادة توزيع الموارد على نحو عادل بعدما أصبح راسخا لدى متابعي السياسة المالية أن الحكومة اختارت بشكل قاطع عدم الإلتزام بالحد الأدنى للإنفاق عليهما وفقا للدستور استنادا لإعادة تعريف الإنفاق على الصحة والتعليم(٩). لكن عبر تلك السنوات، لايبدو أن «القفزة» التي حققتها الاستثمارات الحكومية قد انعكست على أي نحو يذكر على التشغيل كثمرة لتلك التضحية بدعم السلع البترولية والكهرباء والمياة، وهو ما يتجسد في معدل التشغيل السنوي الذي واصل تراجعه بلا توقف بدءا من العام 2014 وحتى نهاية العام الماضي. وفي المقابل، تؤكد الحكومة على أن برنامجها قد أحرز أهدافه، استنادا لمفهوم معدل البطالة الذي يقيس عدد العاطلين كنسبة إلى اجمالي القادرين والراغبين في العمل.

هوامش

(1) دليل تصنيف الموازنة العامة للدولة في جمهورية مصر العربية وفقا لإحصائية مالية الحكومة لعام 2001 الصادر عن وزارة المالية عام 2016.

(2) المبادرة المصرية للحقوق الشخثصية، «موازنة 2021/2022: الأولوية للديون والعاصمة الجديدة وكبار العاملين بالدولة.. وأقل من نصف الحد الدستوري للصحة والتعليم»، https://bit.ly/3mj92Kc.

(3) البيان المالي لموازنة العام 2021/2022، موقع وزارة المالية المصرية https://bit.ly/2XInYaE.

(4) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، معدل التشغيل السنوي، https://bit.ly/3D0Wnlc.

(5) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، معدل البطالة السنوي، https://bit.ly/3ANJIQG.

(6) بيسان كساب، «المشرفة على بحث الدخل والإنفاق: «برنامج الإصلاح» مسؤول عن زيادة الفقر. البطالة تراجعت والتشغيل أيضًا»، مدى مصر، https://bit.ly/2We6CBU.

(7) حسن هريدي، «وزيرة التخطيط: زيادة الاستثمارات لعبت دوراً مُحفّزاً في دفع عجلة النمو الاقتصادي»، أخبار اليوم، https://bit.ly/3mwxnN1

تستند هالة السعيد وزيرة التخطيط في تصريحاتها إلى مفهوم الاستثمارات العامة لا الاستثمارات الحكومية، والاستثمارات العامة تشمل الاستثمارات الحكومية التي تشملها الموازنة العامة والتي تناولها المقال هنا عبر قياس وزنها النسبي إلى إجمالي المصروفات، بالاضافة لاستثمارات أخرى تنفق عليها جهات عامة لا تشملها الموازنة العامة كالهيئات الاقتصادية على سبيل المثال.

(8) صندوق النقد الدولي، «مصر: نحو تحقيق الرخاء الاقتصادي»، https://bit.ly/2W2Ea6g

(9) بيسان كساب، «الحماية الاجتماعية في موازنة كورونا الثانية»، مدى مصر، https://bit.ly/3D3rjkH.