عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

محمد سليمان

بهية وتشريح الزينوفوبيا: لماذا أصبح الغريب في مصر مشكلة؟

2026.08.22

بهية وتشريح الزينوفوبيا:

لماذا أصبح الغريب في مصر مشكلة؟

 

وجدت مؤسسة «بهية»، إحدى أبرز المؤسسات المصرية المُتخصِّصة في علاج سرطان الثدي، نفسها خلال الأيام الماضية في قلب مشهد يصعب اختزاله في خلاف حول إدارة التَّبرُّعات.

استقبلت المؤسسة عددًا من السيدات السودانيات المصابات بالمرض ضمن برنامج علاجي تموِّله جهات دولية، فانطلقت على بعض الصفحات وبين قطاعات من الجمهور موجة غضب اعتراضًا على علاجهن، ثم جاء رد «بهية»، الذي أكد أنَّ «تبرعات المصريِّين للمصريات» وأنَّ علاج السودانيات له تمويل منفصل، ليزيد المشهد قسوةً؛ إذ بدت مؤسسة علاجية وإنسانية وكأنَّها مطالَبة بأنْ تطمئن الغاضبين إلى أنَّ جنيهًا مصريًّا لن يصل إلى امرأة سودانية مصابة بالسرطان.

لكن القصة لم تبقَ طويلًا حول المال أصلًا، فحتى بعد توضيح مصدر التَّمويل، استمرَّ الاعتراض، وسرعان ما ظهرت حولها كل المفردات التي أصبحت مألوفةً في النقاش عن السودانيِّين والسوريِّين وغيرهم: الخدمات، الوظائف، الإيجارات، «بلدنا أولى»، و«هم أصبحوا كثيرين». ولم يكن المشهد بعيدًا عن شاب يصوّر في المترو رجلًا سودانيًّا جالسًا بينما مصري يقف، وكأنَّ «مصري واقف وسوداني قاعد» أصبحت في ذاتها قصة ظلم مكتملة، أو عن صفحات تتعقَّب السوريِّين في أعمالهم ومحالهم وكأنَّ مجرد وجودهم أصبح شيئًا يحتاج إلى تبرير.

ومن السهل جدًّا إنهاء النقاش هنا بتفسير مريح: صفحات قومية متطرفة، أو لجان إلكترونية تحرِّض الناس، أو حسابات مشبوهة تضخم الكراهية. وقد يكون لكل ذلك دور حقيقي في صناعة المناخ العام، لكن هذا التَّفسير وحده لا يكفي. فالتحريض لا يعيش في الفراغ؛ وحتى أكثر الدعاية خبثًا تحتاج إلى شيء موجود بالفعل في المجتمع تستطيع أنْ تمسك به وتضخمه. والسؤال الأصعب إذن ليس فقط: مَن يحرِّض؟ بل: لماذا يجد هذا التَّحريض جمهورًا مستعدًّا لتصديقه؟

وهنا تصبح الزينوفوبيا، أو رهاب الأجانب، مفهومًا أكثر فائدة من اختزال الظاهرة كلها في الجهات التي تستثمر فيها. فالزينوفوبيا ليست بالضرورة شخصًا يعلن صراحةً أنَّه يكره الأجانب؛ قد تكون طريقة كاملة في رؤية الغريب، تبدأ حين نتوقَّف عن رؤيته كفرد ونبدأ في رؤيته بوصفه عضوًا في جماعة تزاحم «جماعتنا»: السودانيون يأخذون كذا، السوريون تسببوا في كذا، اللاجئون يضغطون على كذا. وفي لحظة ما يصبح الفرد مسؤولًا عن أفعال جماعة كاملة، بل وعن مشكلات لم يصنعها أصلًا.

لكن لماذا يجد هذا الخطاب أرضًا خصبة الآن؟ وهل يعاني المجتمع المصري فعلًا من الظروف التي تجعل الزينوفوبيا أكثر قابلية للانتشار؟

أول الإجابات التي تقدِّمها العلوم الاجتماعية تقود إلى الاقتصاد، ولكن بطريقة أكثر تعقيدًا من مجرد الفقر. ففي دراسة للحالة الألمانية، وجد الباحث في العلوم السياسية، ساشا رياز، أنَّ العداء للاجئين كان أشدَّ في البيئات التي ترتفع فيها مستويات عدم المساواة الاقتصادية. وناقش ذلك من خلال مفهوم «الحرمان النسبي»: إنَّ المشكلة ليست فقط في مقدار ما يمتلكه الإنسان، وإنما في إحساسه بأنَّ نصيبه أو نصيب الجماعة التي ينتمي إليها أقل مما ينبغي مقارنة بالآخرين.[1]

 واللافت أنَّ الفقر نفسه قد يكون جزءًا من الصورة؛ فقد وجدت دراسة لدانيال توكي في المغرب ارتباطًا بين الفقر المعيشي والمواقف الأكثر سلبية تجاه المهاجرين، وكان ذلك أوضح بين فقراء المدن.[2]

ومن الصعب ألا يثير ذلك سؤالًا عن الحالة المصرية. فالمجتمع المصري مرَّ خلال السنوات الأخيرة بضغوط اقتصادية قاسية، وتراجُعٍ في القوة الشرائية، وارتفاعٍ في تكاليف السكن والخدمات، وشعورٍ واسعٍ لدى قطاعات من الناس بأنَّ الحياة أصبحت أصعب وأنَّ الموارد المتاحة أقل مما يحتاجون إليه. وفي مثل هذا المناخ يصبح ظهور جماعة جديدة في المشهد قابلًا لأنْ يُقرَأ بمنطق شديد البساطة: إذا كان ما لدينا قليلًا، فما يحصل عليه الآخر لا بد أنَّه يأتي من نصيبنا.

ولا يشترط أنْ تكون المعادلة صحيحةً في كل حالة حتى تصبح مقنعة. لا يحتاج السوداني الذي أمامك إلى أنْ يكون قد أخذ وظيفة مصري فعلًا لكي يصبح جزءًا من حكاية «السودانيِّين يأخذون الوظائف»، ولا تحتاج أسرة سورية بعينها إلى أنْ تكون قد رفعت إيجار أحد لكي تدخل ضمن حكاية «السوريِّين رفعوا الإيجارات»، ولا تحتاج مريضة في «بهية» إلى أنْ تكون قد أخذت جنيهًا من تبرُّعات المصريِّين لكي تصبح جزءًا من تصوُّر أنَّ «الأجانب يتعالجون على حسابنا». الإحساس بالمنافسة قد يسبق المنافسة الحقيقية، وأحيانًا يكون أكثر تأثيرًا منها.

لكن الاقتصاد لا يفسِّر كل شيء. فبعض أشد المواقف عداءً للمهاجرين قد تصدر عن أشخاص لا ينافسونهم أصلًا على وظيفة أو شقة أو خدمة. وهنا يظهر عامل ثانٍ أكثر تعقيدًا: النزعة السلطوية.

المفهوم له تاريخ طويل في علم النفس السياسي؛ بدأت جذوره الحديثة مع تيودور أدورنو وزملائه في دراستهم للشخصية السلطوية، ثم أعاد عالِم النفس الكندي بوب التماير تطويره لاحقًا.

وباختصار، ترتبط النزعة السلطوية بالميل إلى الخضوع للسلطات التي يراها الفرد شرعيةً، والتشبث القوي بالأعراف والقيم السائدة، والاستعداد لقدر أكبر من العداء تجاه مَن يُنظَر إليهم باعتبارهم خارجين عنها أو مهددين لها.[3]

وهنا يصبح المهاجر مشكلةً من نوع آخر. السؤال لم يعد: ماذا سيأخذ هؤلاء منا؟ بل: ماذا سيغيِّر هؤلاء في مجتمعنا؟

لهجة مختلفة، وعادات مختلفة، وحضور متزايد في الشارع، ومحال تحمل أسماء غير مألوفة، أو جماعة يُقال إنَّها لا تريد الاندماج؛ كل ذلك يمكن أنْ يتحوَّل لدى الشخص شديد الحساسية تجاه النظام والتجانس وحدود الجماعة إلى تهديد، حتى لو لم يخسر بسبب وجود المهاجر جنيهًا واحدًا.

وهذه ليست مجرد فرضية نظرية؛ ففي دراسة للباحثة آيلين هيلر وزملائها في ألمانيا، برزت النزعة السلطوية بوصفها عاملًا مهمًّا في تفسير المواقف المعادية للأجانب.[4] لكن نقل هذه النتيجة من ألمانيا إلى مصر بصورة آلية سيكون خطأ واضحًا؛ فالمجتمعان مختلفان، ولا تسمح دراسة أُجريت هناك بتشخيص المجتمع المصري هنا، لكنها تسمح بطرح السؤال: إلى أي مدى توجد في المجتمع المصري حساسية مرتفعة تجاه الاختلاف، ورغبة في حدود واضحة بين مَن ينتمي ومَن لا ينتمي؟ وإلى أي مدى يمكن أنْ يتحوَّل الخوف على الهوية أو شكل المجتمع إلى عداء تجاه مَن يُنظَر إليه باعتباره غريبًا؟

هذه أسئلة تحتاج إلى دراسة مصرية جادة قبل تقديم إجابات قاطعة عنها. لكن الخطاب الدائر نفسه يجعل طرحها مشروعًا؛ خصوصًا حين يتحوَّل النقاش من أثر اقتصادي محدَّد يمكن قياسه إلى عبارات عن «تغيير هوية البلد» و«شكل الشوارع» و«انتشار الأجانب»، أو حين يصبح مجرد ظهور جماعة مختلفة بكثافة في المجال العام سببًا للقلق في ذاته. هنا لم نعد نتحدَّث فقط عن توزيع موارد، وإنما عن تصور للهوية وحدود الجماعة، ومَن يحقُّ له الظهور داخلها.

ثم تأتي مفارقة أخرى أكثر إثارة. فدراسة هيلر نفسها لم تجد أنَّ زيادة حضور المهاجرين ترتبط بالضرورة بزيادة كراهيتهم؛ بل ارتبط ارتفاع نسبتهم في المناطق التي تناولتها الدراسة بمستويات أقل من الزينوفوبيا.[4] وهنا نصل إلى واحدة من أشهر أفكار علم النفس الاجتماعي «فرضية التَّواصل» (Contact Hypothesis)، التي ارتبطت بعالم النفس الاجتماعي الأمريكي غوردون ألبورت وكتابه الشهير«طبيعة التَّحيز».[5]

الفكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: المسافة تساعد التَّحيُّز. فمن بعيد يوجد «السودانيون» و«السوريون» و«اللاجئون»، وكل كلمة منها تستطيع أنْ تحمل عشرات الصور والأحكام. لكن الحياة اليومية لا تقدِّم جماعات مجردة؛ تقدِّم جارًا وزميلًا وطبيبًا وبائعًا وأبًا ينتظر طفله أمام المدرسة. والتواصل لا يجعل الناس ملائكةً ولا يلغي الاختلافات والمشكلات، لكنه يجعل التَّعميم أصعب، لأنَّ الواقع أكثر تعقيدًا دائمًا من الصورة النمطية.

ولم يكن ألبورت يقول إنَّ مجرد وضع جماعتين بجوار بعضهما سيصنع التَّسامح تلقائيًّا؛ فالتواصل قد يزيد الصراع إذا جرى في ظروف سيئة. لكنه رأى أنَّ التَّواصل القائم على قدر من المساواة والتعاون والأهداف المشتركة يستطيع أنْ يقلل التَّحيُّز.[5] وبعد عقود، وجدت مراجعة واسعة أجراها توماس بيتيجرو وليندا تروب دعمًا قويًّا للفكرة العامة بأنَّ التَّواصل بين الجماعات يرتبط بانخفاض التَّحيز.[6]

وهنا ربما يصبح السؤال الأول أوضح. إذا كانت الضغوط الاقتصادية والحرمان النسبي قادرَين على تغذية الشعور بالمنافسة، وإذا كان الخوف من الاختلاف وتغيُّر شكل المجتمع قادرًا على تحويل المهاجر إلى تهديد ثقافي، وإذا كانت المسافة بين الجماعات تسمح للصور النمطية بأنْ تعيش طويلًا بلا اختبار، فمن الممكن على الأقل أنْ نفهم لماذا يجد خطاب الزينوفوبيا بعض شروط انتشاره في اللحظة المصرية الحالية. لكن الفهم ليس إدانة للمجتمع كله، كما أنَّه ليس تبرئةً للخطاب نفسه. لا توجد هنا «شخصية مصرية» محكوم عليها بكراهية الغرباء، وإنما ظروف وآليات اجتماعية ونفسية يمكن أنْ تقوى أو تضعف، ويمكن للسياسة والإعلام والخطاب العام أنْ يؤججها أو يحدَّ منها.

والاعتراف بذلك لا يعني إنكار مشكلات الهجرة، ولا يعني أنَّ كلَّ مَن يناقشها عنصري. للدولة حقٌّ كاملٌ في تحديد مَن يدخل أراضيها، وتنظيم الإقامة والعمل، وحساب قدرتها على استيعاب الوافدين، وللمواطن الحقُّ في مناقشة أثر الهجرة على سوق العمل والسكن والخدمات. بل إنَّ دفن هذه الأسئلة أو اتهام كل مَن يطرحها بالكراهية قد يتركها بالكامل للخطابات الأكثر تطرفًا.

لكن هناك مسافة أخلاقية وعقلية هائلة بين أنْ تقول إنَّ سياسة الهجرة تحتاج إلى مراجعة، وأنْ تجعل السوداني الذي يقف أمامك مسؤولًا عن هذه السياسة؛ بين أنْ تناقش أثر اللاجئين على الخدمات، وأنْ تغضب لأنَّ امرأة سودانية مصابة بالسرطان وجدت مَن يمول علاجها؛ بين أنْ تسأل الدولة عن تنظيم سوق العمل، وأنْ تتعقب محلًا يملكه سوري لأنَّ صاحبه سوري. السياسات تُناقش، أما الشعوب فلا تُحاكم بالجملة.

ومن هنا تبدأ مواجهة الزينوفوبيا بالاعتراف بوجودها بدل اختزال كل مظاهرها في صفحات متطرفة أو لجان إلكترونية. فذلك الاختزال، رغم ما قد يحتويه من حقيقة، قد يعفي المجتمع من النظر إلى نفسه. المطلوب هو فهم القلق الاقتصادي الذي يجعل خطاب المنافسة مقنعًا، والخوف من الاختلاف الذي يحوِّل التَّنوع إلى تهديد، والصور النمطية التي تتكرَّر حتى تتحوَّل إلى «حقائق» لا يطالب أحد بإثباتها.

وفي المقابل، يقع على المؤسسات والدولة عبء تقديم معلومات واضحة عن أعداد الوافدين وأوضاعهم القانونية وتمويل الخدمات التي يحصلون عليها، لأنَّ الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية للشائعة. وعلى الإعلام ألا يحوِّل جنسية مرتكب جريمة إلى صفة لجماعة كاملة. وعلى التَّعليم والخطاب الثقافي أنْ يواجها التَّعميم بدل إعادة إنتاجه. وعلى القانون أنْ يضع حدًّا واضحًا حين يتحوَّل الرأي إلى تمييز أو تحريض. كما أنَّ خلق مساحات طبيعية للتواصل بين الناس ليس مجرد دعوة أخلاقية لطيفة؛ فهناك أساس علمي يدعو إلى الاعتقاد بأنَّ المعرفة المباشرة، في الظروف المناسبة، تستطيع بالفعل أنْ تضعف بعض الأحكام المسبقة.[5][6]

ولهذا تعود القصة في النهاية إلى «بهية». لم تكن أهمية الأزمة في أنَّها أجابت عن سؤال: مَن يدفع ثمن علاج المريضة السودانية؟ بل في أنَّها كشفت سؤالًا أكبر بكثير: كيف وصل النقاش أصلًا إلى اللحظة التي أصبح فيها هذا هو أول ما ينبغي معرفته عن امرأة مصابة بالسرطان؟

قد تكون الصفحات المتطرفة ساهمت في صناعة المشهد، وقد توجد حملات منظَّمة تضخمه، لكن تعليق كل شيء عليها سيكون تفسيرًا مريحًا أكثر مما ينبغي. فالدعاية تستطيع صناعة الأكاذيب، لكنها تكون أكثر نجاحًا حين تجد خوفًا حقيقيًّا تستطيع أنْ تسكنه. وإذا كان المطلوب فهم ما يحدث في مصر، فلا يكفي السؤال عمَّن يشعل النار؛ الأهم أيضًا أنْ نسأل ما الذي جعل الأرض قابلة للاشتعال.

وفي النهاية، مقاومة الزينوفوبيا لا تتطلب التَّوقُّف عن الاختلاف حول الهجرة، بل تتطلب شيئًا أبسط وأصعب: ألا نسمح لهذا الاختلاف بأنْ يمحو الإنسان. أنْ نرى المريضة قبل جنسيتها، والراكب قبل جواز سفره، والجار قبل لهجته؛ لأنَّ اللحظة التي يختفي فيها الفرد ولا يبقى أمامنا سوى اسم جماعته، هي اللحظة التي يصبح فيها الظلم أسهل كثيرًا.

المصادر

[1] Sascha Riaz, «Does Inequality Foster Xenophobia? Evidence from the German Refugee Crisis,» Journal of Ethnic and Migration Studies, 2024.

[2] Daniel Tuki, «Unwelcome Neighbours: Poverty and Anti-immigrant Sentiment in Morocco,» Migration and Development.

[3] Theodor W. Adorno et al., The Authoritarian Personality, 1950؛ Bob Altemeyer, Right-Wing Authoritarianism, 1981.

[4] Ayline Heller et al., «Is the Migrant Share Really the Problem? Size of Migrant Population and Individual Authoritarianism as Major Determinants of Xenophobic Attitudes,» Ethnic and Racial Studies, 2024.

[5] Gordon W. Allport, The Nature of Prejudice, 1954.

[6] Thomas F. Pettigrew & Linda R. Tropp, «A Meta-Analytic Test of Intergroup Contact Theory,» Journal of Personality and Social Psychology, 2006.