رؤى
خالد سليمانالتربة كأصل العالم عن رؤية كارل ماركس للتربة والبيئة
2026.08.22
التربة كأصل العالم
عن رؤية كارل ماركس للتربة والبيئة
تواجه التربة اليوم وفي جميع أنحاء العالم، أكبر تهديد باستنزاف مغذياتها جراء الاستغلال المفرط لها واللجوء الى المبيدات والأسمدة والمواد الكيميائية من أجل زيادة الإنتاج أو استعادة ما فقدته التربة من المغذيات التي تعتمد على نظم الأحياء الدقيقة. عالمياً، تحتل حماية التربة رأس قائمة التحديات البيئية، ما دفع كتلة كبيرة كالاتحاد الأوروبي إلى إصدار تشريعات جديدة لحمايتها من التدمير والمزيد من التدهور، ذلك انها أصل العالم كما يقول العالم الفرنسي مارك أندريه سيلوس. في هذه المقالة، سأتناول التربة من منظور كارل ماركس. كيف نظر إليها وإلى استنزافها بفعل النظام الرأسمالي.
في تاريخ الأدبيات البيئية، لم يُهمَل فيلسوف كما أُهمِل كارل ماركس، حتى من قِبَل الماركسيين أنفسهم. يكمن أحد أسباب هذا الإهمال في هيمنة ثقافية نيو- ليبرالية على وسائل الإعلام وعالم الفكر والآداب. أما السبب الآخر، فيكمن في قراءات سطحية لا تُصوِّر الماركسية خارج الاقتصاد السياسي ومبادئ العمل الثوري وكذلك نظرية قيمة العمل.
تظهر معظم الانتقادات الموجهة إلى ماركس، والمتعلقة بإغفاله المزعوم للظروف البيئية وتأثيرها على علاقة الإنسان بالطبيعة في أعماله الفلسفية، في عدة نقاط ظلت دون رد حتى أواخر القرن العشرين. فبحسب بول بوركيت (1956-2004)، وهو اقتصادي ومفكر ماركسي ويعتبر من ألمع رواد (الاشتراكية البيئية)، كان ماركس ضحية مفهوم البطل البروميثيوسي الخارق للإنتاج، وأن الشيوعية امتداد للنزعة الرأسمالية نحو الهيمنة الكاملة للبشرية على الطبيعة؛ كما ان كلا من الرأسمالية والشيوعية تنطويان على عداوة حتمية بين الإنسان والطبيعة.
إضافة الى ذلك، تم الترويج لمفهوم استبعاد مساهمات الطبيعة في الإنتاج أو التقليل من شأنها على نطاق واسع في التحليل الماركسي للرأسمالية، خصوصاً في نظرية قيمة العمل. ولا يتطابق هذا الترويج المجاني مع ما ذهب اليه ماركس في تحليله للتربة والتمثيل الغذائي في النظام الرأسمالي الذي يرجع جزء كبير من نقد ماركس له الى الفجوة الكبيرة التي أحدثها النظام ذاته في الطبيعة ومنتجاتها، بعكس ما روج له منتقدو ماركس الغربيون.
تزامن سيل الانتقادات لكارل ماركس وتغييبه المزعوم للبيئة في مؤلفاته مع بدايات أزمة المناخ العالمية، بخاصة في سبعينيات القرن العشرين. وقد بلغ النقد ذروته عندما كتب المفكر الأسترالي جون باسمور: "لم يُلحق شيءٌ ضررًا بالبيئة مثل الهيغلية الماركسية". يعود كلام باسمور إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي في كتابه الشهير "مسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة"، حيث يجادل بأن الفلسفة الهيغلية الماركسية تُكرّس هيمنة الإنسان على الطبيعة وتضعها بالكامل في خدمته. ويستند رأي باسمور الى وجهة نظر – غير ماركسية في الأساس - مفادها أن الطبيعة البكر شيءٌ يجب إخضاعه، وهو ما يُشكل خطرًا بيئيًا جسيمًا.
بناءً على دراسة الفيلسوف الياباني (كوهي سايتو) لأعمال ماركس والاشتراكية البيئية، أصبح النقد الموجه ضد ماركس بعد كتاب جون باسمور، صورةً شائعةً تُصوّر كارل ماركس في إرادوية بروميثيوسية، زاعمةً بأنه كان يرى في التكنولوجيا المتقدمة غير المحدودة في ظل الرأسمالية فرصةً للإنسان كي يتلاعب بالطبيعة كيفما شاء.
وبشكل عام، في المراكز الأكاديمية في أوروبا والعالم الجديد (الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا)، صُوِّر ماركس كفزاعة تُخيف الطيور البرية المهاجرة أثناء بحثها عن الغذاء في حقول القمح. أما النظام الرأسمالي، فإلى جانب تدفق تلك الانتقادات الأكاديمية لماركس وتصويره كمغامر بروميثيوسي في نقده وتحليله للرأسمالية، بدا وكأنه منقذ الأرض. لكن السؤال هو: في ظل هذا الهجوم على ماركس وتصويره كفيلسوف إرادوي (بروميثوسي) في سعيه لإخضاع الطبيعة، هل تسعى الرأسمالية لحماية نفسها أم الأرض؟ ما هي أسباب تجاهل الانتقادات الجوهرية التي وجهها ماركس للنظام الرأسمالي فيما يخص استغلال الأرض وتدميرها؟ هل تحدث فيلسوف آخر تطرق للفجوة الأيضية بين الطبيعة والإنسان كما تطرق لها ماركس؟
يمكننا البدء بهذا السؤال الأخير، لأن عملية الأيض، التي يتم فيها تحويل الغذاء بعد تكسيره وهضمه، هي في الحقيقة نتاج الطبيعة. يتهم النقاد الليبراليون والنيو-ليبراليون ماركس بأنه ينظر إلى البشر فقط على أنهم منتجون. في الواقع، هذا سوء فهم لماركس، وغالبًا ما يكون استخفافًا متعمدًا بفلسفته.
تُظهر رسائل ماركس إلى إنجلز، بدءاً من عام 1866، أن ماركس كان يُعلي شأن العلم على الفلسفة والاقتصاد السياسي. ففي رسالة مؤرخة في 23 فبراير 1866، أشار إلى كتاب للكيميائي الألماني يوستوس فون ليبيغ، واصفًا إياه بأنه كتب أفضل ما كتبه الاقتصاديون. وكتب ماركس في الرسالة المذكورة إلى إنجلز: "كنت أزور المتحف (مكتبة المتحف البريطاني) يومياً وأكتب ليلاً. كان عليّ أن أتعمق في الكيمياء الزراعية الجديدة في ألمانيا، وتحديداً في كتابات ليبيغ وشونباين، اللذين كانا يُقدمان حلولاً اقتصادية لجميع القضايا الاقتصادية المتعلقة بالاقتصاد السياسي."
كان المفهوم الرئيسي الذي استقاه كارل ماركس من العالِم الألماني وأدرجه في الجزء الأول من كتاب رأس المال هو مفهوم الفجوة الأيضية، وذلك عبر تطبيق أبحاث ليبيغ عن التفاعل الكيميائي بين النباتات والتربة في كتابه المعنون (الكيمياء العضوية وتطبيقاتها في الزراعة والفيزيولوجيا/ الصادر عام 1840) على المجالين الاجتماعي والاقتصادي. لم يقتصر الأمر على مفهوم الأيض أو التمثيل الغذائي فحسب، بل نقل ماركس أيضاً عملية التمثيل الضوئي للنباتات إلى المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وتتجسد هذه العملية في إعادة المركبات الكيميائية الناتجة عن عملية التمثيل الضوئي أو البناء الضوئي إلى التربة عبر تفاعلات ونشاطات حيوية وكيميائية مستمرة. فعندما يجف النبات، لا يعني ذلك موته، بل يصبح غذاءً لجزيئات التربة، مما يجدد دورة حياة الأحياء الدقيقة.
تُعدّ عملية التمثيل الغذائي أو الأيض امتداداً لهذه العملية: فما يأخذه الإنسان من التربة على شكل الغذاء يعود إليها في علاقة عضوية، لكن النظام الرأسمالي يُعطّل هذه العملية الطبيعية ويخلق التصدع الأيضي. وسبب هذا التصدع هو ان العناصر الغذائية المأخوذة من التربة تتحول الى نفايات في المدن ويتم تصريفها في مصادر المياه العذبة، ما يشكل مصدراً مستمراً للتلوث البيئي.
حسب تحليل ماركس، تكمن مشكلة الزراعة الرأسمالية المكثفة في أنها تدمر التربة. ويستند في ذلك الى تحليل عالم الكيمياء الألماني يوستوس فون ليبيغ للتربة ليس كمورد محدود ولا كهبة طبيعية أبدية. فحين تأخذ الزراعة المكثفة عناصر التربة الغذائية، كالفوسفات والبوتاسيوم والنيتروجين، وتُنقل المحاصيل إلى المدن دون أن تعود إلى التربة، يحصل الاختلال في التوازن الطبيعي. وهذا ما يُعرف بنظام النهب Robbery system. وإلى جانب إحداث التصدع في عملية التمثيل الغذائي، كان نظام نهب التربة مفهومًا آخر استعاره ماركس من ليبيغ.
وقد وجد ماركس في هذا التحليل كيفية التمييز بين نمط الإنتاج الرأسمالي في المدينة والريف. ففي الأرياف، تُحرم التربة من العناصر الغذائية الأساسية من خلال الزراعة المكثفة لإطعام سكان المدن، مما يؤدي إلى تدهور خصوبة التربة على المدى الطويل. وفي المناطق الحضرية، بدلًا من أن تعود العناصر الغذائية (المواد العضوية والنفايات) إلى الأراضي الزراعية، تتركز وتتحول إلى نفايات وملوثات في المجاري المائية. لذا، جعل ماركس هذا التصدع غير الطبيعي لعملية الأيض بين الإنسان والطبيعة أحد أسس انتقاده للنظام الرأسمالي.
ولإيجاد حلول لهذا التقيؤ بين الإنسان والطبيعة بفعل النظام الرأسمالي، والناجم عن تدمير التربة واستنزاف مغذياتها، لجأت الرأسمالية منذ القرن التاسع عشر إلى استيراد الأسمدة الطبيعية من مصادر خارجية، مثل الرماد من مصر وفضلات الطيور من بيرو في أمريكا الجنوبية. انتقد ليبيغ هذه السياسة في كتابه، مُجادلاً بأن استيراد الأسمدة، مثل الجوانو (Guano) وهو سماد طبيعي يتكون من فضلات الطيور البحرية وخفافيش الكهوف من بيرو أو غيرها من الأسمدة الكيميائية الطبيعية، ليس حلاً مستداماً، بل هو اجراء وقتي قد يعوض نقصاً في مكان، انما هو سرقة لمصادر مكان آخر، دون أن يؤدي الى اصلاح دورة التربة والغذاء.
وجد ماركس أساساً علمياً في كتابات يوستوس فون ليبيغ لإثراء رؤيته الأساسية للعالم حول خصوبة التربة واستخدامها من قبل البشرية. أي أن الإنتاج الرأسمالي لا يدمر العمل فحسب، بل يدمر المورد الأساسي أيضاً: الأرض والطبيعة. كان ليبيغ ينظر الى ان الاستخدام المفرط من أجل أرباح قصيرة الأجل سيؤدي إلى تدمير طويل الأمد للأسس المادية للزراعة، وهو ما يتوافق مع رؤية ماركس للتحليل الرأسمالي القائلة بأن هدف الربح والتراكم السريع لرأس المال هو على حساب الأرض والحياة الاجتماعية.
استناداً الى هذه الرؤية، وصف ماركس الإنتاج الرأسمالي وتعطيله للتمثيل الغذائي بين الإنسان والطبيعة على النحو التالي: "ان الإنتاج الرأسمالي، ومن خلال تركز السكان في المدن الكبرى حيث يؤدي إلى زيادة سكانية مستمرة، يركز من جهة القوة الدافعة التاريخية للمجتمع، ومن جهة أخرى يخلّ بتوازن المادة بين الإنسان والأرض. بمعنى، أنه يمنع عودة الخصائص التي يستخرجها الإنسان من التربة للغذاء والملبس إلى التربة، مما ينتهك الشروط اللازمة لاستدامة خصوبة التربة. وبذلك، يُقوّض في آنٍ واحد صحة العامل الحضري والحياة الفكرية للفلاح. ولكن في حين أنه يُخلّ بتوازن الحالة الطبيعية الضرورية لاستمرار دورة المادة، فإنه يُطالب بشدة بإعادة ترميم التبادل الأيضي، كقانون مُنظّم للإنتاج الاجتماعي، بتصميم أكثر ملاءمة لتنمية الجنس البشري بأكمله. من وجهة نظر كارل ماركس أن "أي تقدم في الزراعة الرأسمالية ليس تقدماً في فن نهب العامل فحسب، بل في نهب الأرض أيضاً؛ أي تقدم في زيادة خصوبة التربة، وفي وقت محدد، هو تقدم نحو تدمير مصادر تلك النعمة المستمرة".1 تالياً، انه كان ينظر للتربة كأصل العالم، اذا أصابه الخلل فأصاب البشرية والطبيعة معاً.
وفي السياق نفسه، يشير ماركس إلى كتاب آخر يصف مؤلفه بأنه اشتراكي دون وعي. وهذا المؤلف هو العالم الزراعي الألماني كارل فراس، مؤلف كتاب "تاريخ المناخ وعالم النبات" الصادر عام 1847. يرى ماركس أن أهمية قراءة هذا الكتاب تكمن في أنه يثبت أن المناخ والنباتات تتغير عبر العصور التاريخية. ويؤكد على أن التطور الزراعي العشوائي دون رقابة واعية يؤدي إلى فقدان رطوبة التربة، مما يتسبب في انتقال الغطاء النباتي من الجنوب إلى الشمال. والنتيجة هي التصحر وفقدان التربة. وكان كارل فراس من بين العلماء الأوروبيين القلائل الذين وصفوا، في منتصف القرن التاسع عشر، تأثير النشاط البشري والحضاري على التربة والمناخ في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين وإيران واليونان.
1- Karl Marx - Capital Volume I, 2010 Lawrence & Wishart Electric Book
2- Karl Marx, Frederick Engels: Collected Works, volume 24