تواريخ
أحمد اسكندرثورة يوليو.. التطور الذي اختمر في أروقة الحقبة الملكية
2026.10.24
ثورة يوليو.. التطور الذي اختمر في أروقة الحقبة الملكية
يذهب «جاك لوغوف» إلى أنَّ «التحقيب» من عمل الإنسان؛ فعل مصطنع ومؤقت ويتطور مع التاريخ. يبرهن لوغوف في عمله الشيق «هل يجب تقطيع التاريخ إلى شرائح؟» أنَّ الانقطاعات التاريخية بين الحقب الزمنية هي وهم خادع لمَن يرى التاريخ في «حقب» متتالية، وأن التراكم صفة جوهرية في تسلسل العصور.
في ذكرى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر؛ دعتني الفرضيات المنثورة مؤخرًا - التي تقول إن النظام السياسي في مصر قبل ثورة يوليو 1952 كان غير قابل للتطور- إلى كتابة هذه السطور. ودعوى هذه الفرضيات قائمة على ثلاث حجج رئيسية: أن النظام السياسي والاجتماعي العام في مصر وقتئذٍ كان عاجزًا أمام مشاريع استكمال الاستقلال الوطني، والحد من السيطرة الأجنبية على الاقتصاد، ثم معالجة الفقر وسوء توزيع الثروة. وعلة ذلك سببان جوهريان افتقدهما النظام القديم: غياب الاستقرار السياسي نتيجة عبث السراي بالحكومات والدستور والحياة النيابية، وعجز حزب الوفد عن أداء هذه المهمة التاريخية جراء عجز النحاس باشا وغياب الجناح الإصلاحي عن الإمساك بالقيادة بدلًا من الجناح اليميني.
حركة التاريخ هي مسار إنساني طويل وعميق، وتدفق غير منقطع من أفكار ومنجزات وعلوم الجماعات الإنسانية المتعاقبة، وهذا التدفق هو ما سمح بوجود وظهور ما أطلقنا عليه اسم «الحقب» على طول مجرى التاريخ. فالموقف السياسي - التاريخي هو نتاج تراكم للأفكار والممارسات والقدرات الممكنة في وعي صانعيه أو القائمين عليه، وليس قفزة من الخارج المفارق، وقد تلعب معه الصدف والأحداث غير المتوقعة تأثيرًا رئيسيًّا في توجيه الأحداث، وهذا ما حدث مع رجال يوليو عقب الإطاحة بالملك.
فبعيدًا عن استقطابات المقارنة بين الحقبة الملكية والحقبة الجمهورية؛ هل حقًّا كان النظام السياسي والاجتماعي في العهد الملكي غير قابل للتطور والتحديث؟ وهل أتى الضباط الأحرار بمشروع متطور وتقدمي مفارق ومن خارج معمل هذا العصر؟ أم كان رجال يوليو يعلنون عن مشروع تقدمي حداثي اختمر بالفعل وحان وقت تنفيذه؟ وهل ما قاموا به ثورة آيديولوجية راديكالية حملوها من الخارج.. أم تسريع لمشاريع متعطلة؟
يحذرنا جاك لوغوف من مغبة الوقوع في فخ الفصل بين الحقب، وقدَّم لنا مثلًا مهمًّا حين برهن على أنَّ عصر النهضة الأوروبية كان امتدادًا صريحًا للقرون الوسطى ولما نضج خلالها، فكانت أوروبا بصدد عصر وسيط طويل امتد حتى أواخر القرن الثامن عشر.
تبدو مقولة إنَّ النظام السياسي في الحقبة الملكية غير قابل للتطور متعسفة كثيرًا عند النظر إلى هذا الواقع في ليلة 23 يوليو. فهذا النظام الذي نشأت بواكيره مع الثورة العرابية وتحددت ملامحه مع ثورة 19 ودستور 1923 هو في ذاته إصلاحي ومتطور؛ وذلك عند تعقب تطورات أوضاعه ومعطياته السياسية والاجتماعية وليس بتصور افتراضي مثالي أو حكم معمم، بل ظلَّ يتطوَّر باستمرار إلى أنْ دقَّت ساعة دولة يوليو الجديدة. ولنأخذ الحجج الثلاث ونفحصها: الاستقلال الوطني، سيطرة الأجانب على الاقتصاد المصري، والفقر وتوزيع الثروة، خلال الفترة الممتدة منذ عام 1936 حتى يوليو 1952، التي شهدت منحنيات الفصل الأخير لهذه الحقبة، والتي رآها الكاتب متوقفة عن الحركة مما استوجب لحظة يوليو.
مجتمع لم يتوقف عن الحركة: الاستقلال والاقتصاد
منذ توقيع معاهدة 1936 وإلغاء الامتيازات الأجنبية، قطعت الوطنية المصرية أشواطًا كبيرة في سبيل الاستقلال، سواء على يد حزب الوفد أو حتى وزارات القصر، فالجميع ناضل في هذا المسار كلٌّ حسب رؤيته. واستردَّت البلاد أجزاء كبيرة من استقلالها السياسي والمالي والاقتصادي؛ فاستردَّت سيادتها الاقتصادية والقضائية مع إلغاء الامتيازات الأجنبية وإلغاء المحاكم المختلطة وصندوق الدين وجهات القضاء القنصلي وتمصير الدين العام.
وبرزت الهوية العربية داخل السياسة والثقافة المصرية بتدرج زمني متسارع، ووعي فكري على مستوى القاعدة الشعبية ومستوى النخبة. واشتدَّت حركة المقاومة المسلحة في منطقة القناة ضد الوجود الإنجليزي؛ حتى أصبحت اللحظة التي أُعلنت فيها اتفاقية الجلاء 1954 بمثابة جني محصول المجهود الوطني المستمر مع معطيات الواقع الدولي الجديد الذي أعلن عن أفول شمس الإمبراطورية البريطانية.
وتزوِّدنا المصادر التاريخية برحلة طويلة من الكفاح الوطني للحصول على الاستقلال منذ معاهدة 1936 حتى توقيع اتفاقية الجلاء، مما يصعب رصدها في هذه السطور.
فيما يتعلق بسيطرة الأجانب على الاقتصاد المصري، فقد استطاعت الجماعة الوطنية المصرية بكل طبقاتها، وعلى رأسها حزب الوفد، أنْ تستعيد مصر اقتصادها بشكل كبير وثوري، وتُبعد الأجانب عن السيطرة في تطور إصلاحي متسارع وعميق. فقد كشفت الإحصاءات عن تراجع سيطرة الأجانب أمام زحف المدِّ القومي المتقدم.
في قطاع ملكية الأرض الزراعية، بلغت سيطرة الأجانب عام 1910 نحو 720230 فدانًا (حسب البيانات التي أوردها جابريل باير في كتابه «تاريخ ملكية الأرض في مصر الحديثة»)، لكن هذه السيطرة شهدت تراجعًا مدويًّا في الفترة من 1943 إلى 1951 لتبلغ ملكية الأجانب 172368 فدانًا فقط، وتناقص عدد الملاك الأجانب إلى 1604 مُلّاك بعدما كانوا نحو 5500 مالك في الفترة نفسها. ثم أصدر «الوفد» القانون الشهير لمنع تملك الأجانب للأرض الزراعية في 1951. وفي مجال المالية، استطاعت البرجوازية المصرية تصفية صندوق الدين عقب إبرام اتفاقية إلغاء الامتيازات الأجنبية، ثم إلغاء هذا الصندوق عام 1940، ومع مشروع القرض الوطني الذي أصدرته حكومة الوفد عام 1943، تمت تغطية المبلغ المطلوب للدين ليقضي بذلك على آخر أثر من آثار التدخل الأجنبي.
في هذه الأثناء، كان الجناح الرأسمالي في الصناعة والتجارة من البرجوازية المصرية يمارس دوره التاريخي في انتزاع السيطرة الاقتصادية من الأجانب، وإن لم ينجح في تحقيق كل أهدافه، لكن التطور كان ظاهرًا ومتسارعًا. فقبل عام 1936 كانت نسبة رؤوس الأموال المصرية في الشركات تبلغ 9% فقط والباقي للأجانب؛ لكن في عام 1948 وصلت هذه النسبة إلى 40% (حسب الدراسة التي قدمها الدكتور عبد العظيم رمضان عن الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر خلال هذه الحقبة). واعتُبرت معاهدة 36 وإلغاء الامتيازات الأجنبية نقطة التحول الأساسية في حياة الجناح التجاري والصناعي من البرجوازية المصرية الصغيرة. وفي ذلك استردَّت مصر سيادتها القانونية والتشريعية على النشاط الاقتصادي، وإخضاع النشاطات الأجنبية للضرائب، والتدخل لمصلحة المصريين، وتخليص البلاد من جاليات أجنبية كانت تحتكر السوق بعد الحرب العالمية الثانية. فحسب البيانات كان يوجد بالبلاد 151423 متجرًا عام 1947، يملك المصريون منها 147845 متجرًا.
صراع الطبقات: الفلاحون والبروليتاريا والوفد
على مستوى الفقر الاجتماعي، كانت طبقة الفلاحين هي الأقل تطورًا في الإصلاح الاجتماعي، رغم توسُّع عدد الملاك الصغار الذين يحوزون ملكية دون خمسة أفدنة؛ فقد بلغوا 2.6 مليون مالك عام 1950 بنسبة 35% من مجمل الأرض الزراعية، فيما حاز الملاك الذين يملكون من خمسة إلى عشرين فدانًا على 30% من مجمل الرقعة الزراعية (حسب بيانات مصلحة الإحصاء والتعداد لعام 1951 وبيانات الجهاز المركزي للتعبئة)، وذلك بعدما كانت الملكية شبه معدومة للفلاح المصري قبل قرن من الزمان. وبعد نحو 15 عامًا وصدور قانون الإصلاح الزراعي، كان أصحاب الأرض الزراعية من الذين يملكون خمسة أفدنة فأقل، حسب إحصاء عام 1965، قد وصلوا إلى 3 ملايين و33 ألف مالك (طبقًا لبيانات علي صبري، الأمين العام للاتحاد على صفحات جريدة الجمهورية في ديسمبر 1966)، فيما بلغ عدد طبقة الفلاحين 15 مليون نسمة حسب بيانات صبري.
ورغم الملكية الواسعة لطبقة الفلاحين من صغار ومتوسطي الملكية قبل يوليو (يمتلكون معًا 65% من إجمالي الأرض)، ظلت الهوة واسعة بين الملاك الصغار والكبار خاصة في ظل الارتفاع الجنوني لسعر الإيجارات مع تردي أحوال الفلاحين معدومي الملكية وعمال التراحيل. حدث ذلك رغم محاولات الوفد في تحسين شروطهم وتخفيف قبضة الأجانب والاستعمار عن الفلاح ومنتجاته، بالتزامن مع إحجام البرجوازية الزراعية عن تطوير واستثمار تراكمها المالي في القطاع الصناعي والاكتفاء بشراء الأرض، الأمر الذي استوجب صراعًا قويًّا بين هذه الطبقة ونظيرتها الصناعية.
ومع التردي الاجتماعي في الريف، ظلَّ الريف (عبر طبقة البرجوازية الصغيرة والمتوسطة من ملاك الأرض) يمتلك تأثيرًا سياسيًّا في مسار الانتخابات وتوجيه الفلاحين ناحية الوفد، بعد تسييس الوفد للقرى والفلاحين عقب ثورة 19. هذه الطبقة التي كانت لديها هاجس الخوف من السقوط في هاوية الفلاحين الصغار ظلت تتمتع بنزعة إصلاحية وديمقراطية وتكره الظلم والطغيان، لكنها نزعة لم ترتقِ إلى الخط الراديكالي اليساري، فهي تهدف إلى ملكية الأرض في الأخير (كما يصفها عبد العظيم رمضان)، فكانت رمانة ميزان بين الفلاحين من ناحية وكبار الملاك والحكومة من ناحية أخرى، وظلت تعطي للقرى زخمها السياسي. ومن هذا الجناح خرج كثير من مثقفي مصر الحديثة الذين لعبوا دورًا مهمًّا في حياتها الفكرية والسياسية مثل الشيخ محمد عبده، ومحمد حسين هيكل، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ومحمد مندور وغيرهم والكثير من رموز الوفد السياسيين.
على صعيد البروليتاريا؛ فكان الحجم العددي لعمال المصانع والشركات يتزايد من 609 آلاف عام 1927 إلى قرابة المليون عام 1947، وارتفع عدد النقابات العمالية من 38 نقابة عام 1932 إلى 219 نقابة في عام 1944 ليصل إلى 568 نقابة عام 1952 حسب بيانات تقويم النقابات والاتحادات العمالية. ثم جاء القانون الذي أقرَّه «الوفد» عام 1947 والذي فرض إلزامية اللغة العربية في مكاتب الشركات والمراسلات داخل مصر فكان خطوةً ثوريةً لتمصير الاقتصاد والوظائف؛ حيثما أقرَّ بألا تقل نسبة الموظفين المصريين عن 75% في الشركات، وألا تقل نسبة العمال عن 90% من إجمالي العمال.
على الجانب الموازي، كانت الطبقة الوسطى من المثقفين والمتعلمين وأصحاب المهن الحرة وممَّن شكَّلوا «طبقة الأفندية» تكتسب توسعًا أفقيًّا ورأسيًّا في المجتمع مع التطور المستمر في تمصير وتسهيل التعليم من بعد دستور 1923، حتى نجحت في اقتناص مجانية التعليم ما قبل الجامعي مع وزارات «الوفد». حتى وصل عدد الخريجين من المدارس إلى تعداد كبير يفوق الوظائف المتاحة، وذلك بعدما أصبحت البلاد قادرةً على الإنفاق على التعليم وتوفير ميزانية كبيرة له؛ فقد زادت ميزانية التعليم بين عامَي 1905 و1951 من 120 ألف جنيه إلى 26.7 مليون جنيه. وارتفعت ميزانية الجامعات من 578 ألف جنيه عام 1935 إلى نحو 4 ملايين جنيه عام 1951 (حسب الإحصائية التي أوردها لويس عوض في كتابه «الجامعة والمجتمع الجديد»). واكتسب أبناء هذه الطبقة موقعًا إضافيًّا مع تمصير الوظائف وتعريب مكاتب الشركات، وهي مَن حملت فوق أعناقها الهم الثوري والإصلاحي سواء في حزب «الوفد» أو التيارات اليسارية واليمينية الجديدة. ومنها مَن التحق بالجيش بعد معاهدة 1936 وسمحت له التشريعات الجديدة بالترقي، فكانت منهم طليعة الضباط الأحرار.
في هذا الوقت الممتد لأكثر من 15 عامًا قبل ثورة يوليو كان «الوفد» يسعى لإبراز طابعه الإصلاحي رغم المشاكل والمؤامرات والانشقاقات؛ يرصد الدكتور عبد العظيم رمضان في دراساته أن «يسارية الوفد لم تبلغ ذروتها إلا في الوقت الذي كانت تتغلب فيه العناصر الإقطاعية في قياداته». فنجده يقر مجانية التعليم الابتدائي والثانوي في هذه الفترة، وإصدار قانون التأمين الإجباري، والاعتراف بنقابات العمال، وتخفيف الضريبة على صغار ملاك الأرض الزراعية، وإقامة مشروع المجموعات الصحية الذي وضعه الدكتور عبد الواحد الوكيل، وقانون استقلال القضاء وتعديل التعريفة الجمركية في عام 1950 لحماية الصناعات المحلية. وذلك بخلاف صراعاته الدستورية والديمقراطية مع القصر الذي ظلَّ يحارب لقتل الحياة الديمقراطية وليس إفسادها فقط.
هذه اللمحة الخاطفة والموجزة، والتي اعتمدتُ فيها على بيانات غير كافية لإيضاح اطراد الحركة الاجتماعية في بر مصر خلال الخمس عشرة سنة قبل ثورة يوليو، لكنها تبيِّن لنا بجلاء أنَّ حالة السياسة العامة في الشق الوطني والديمقراطي والاجتماعي كانت تنبض بالحياة وتحقق إنجازات إصلاحية ليست بالقليلة رغم كل العوائق الرجعية التي وضعها القصر وأحزابه ووزاراته. ورغم التعثرات الإصلاحية خاصة في الشق الاجتماعي والعدالة، ورغم الكوارث الاجتماعية التي جلبتها الحرب العالمية الثانية والإنجليز على الحالة المصرية سياسيًّا واقتصاديًّا وكل الطبقات (وليس الطبقات الفقيرة فقط كما يتصور البعض)، رغم ذلك ظلت الحياة الاجتماعية والثقافية تموج بتيارات وأفكار ومشاريع ثورية كبيرة سواء من داخل «الوفد» أو من الأحزاب والتيارات اليسارية الوليدة. وما تعثر من هذه المشاريع لم يكن يعني موته بل ظلَّ مؤجلًا فقط وينتظر اللحظة المناسبة ومَن يعبر عنه.
يوليو تنهض من قلب الملكية
لم يكن النظام السياسي والاجتماعي والثقافي قبل يوليو متيبسًا أو متصحرًا، ولم يفتقر أدوات التطور والإصلاح، بل كانت معطلة أو بالأدق بطيئة بسبب القصر وحلفائه الرجعيِّين الذين أرادوا فرض الأوتوقراطية على مسار الأحداث. ولم يكن ظهور التيارات والأحزاب اليسارية والقومية والفاشية والدينية منذ الثلاثينات - وهي التي أثرت في تشكيل وعي الضباط الأحرار - علامةً على عجز المجتمع أو تيبسه أو خلو جعبة «الوفد» الذي تعرض لاختبارات قاسية من داخله ومحاولة تفجيره من الداخل. بل كانت تلك القوى من إفرازات الحراك الاجتماعي القائم وحركته الصاخبة في أسفل الهرم؛ حتى إنَّ حزب كبار الملاك «الأحرار الدستوريين» ظل في مقعد أحزاب الأقلية رغم نفوذ أعضائه، وهو ما يدل على نشاط الوطنية وطبقتها الوسطى أو حتى طبقاتها الدنيا.
لم يكن للضباط الأحرار مشروع فكري أو سياسي مفارق، فحركتهم كانت طرقًا على أبواب مشاريع الإصلاح التي ظلت تُناقش على الساحة. فعندما قامت حركة يوليو كانت مسرحيات الإصلاح الزراعي وإنقاذ الفلاح، والصراع بين البرجوازيتين الزراعية والصناعية، وتطوير الاقتصاد نحو الصناعة، والصراع على الحقوق بين البروليتاريا والبرجوازية، وتطوير الجيش الوطني، والعدالة، ومجانية التعليم وغيرها من المشاريع، كانت تُمثَّـل على مسرح السياسة المصرية منذ الأربعينات. فلم تكن أهداف الضباط الأحرار خارجة عن الوعي الإصلاحي والثوري القائم.
كانت التحركات والأهداف الأولى لتنظيم الضباط الأحرار من صميم الوعي البرجوازي، ولم تكن لديهم رؤية راديكالية (على طريقة الأحزاب الثورية الشيوعية) في العدالة والسياسة والتصنيع ونظرية الحكم. كان وعيهم هو تحرير الفلاح من الطبقة المالكة لكن دون نسف الأخيرة، لأنهم أرادوا الاستعانة بها في الانتقال إلى مرحلة الاقتصاد الصناعي، لذلك ظهر قانون الإصلاح الزراعي الأول بصورته الإصلاحية والذي لم يتجاوز 10% من إجمالي الرقعة الزراعية (إجمالي الرقعة الموزعة بلغ 14% فقط بعد تطبيق كل قوانين الإصلاح المتعاقبة واستفاد منها 342 ألف أسرة).
ظل رجال يوليو في ارتباك داخلي لتحديد مفهوم السلطة الجديدة، وفهم الحياة النيابية السليمة التي أعلنوها في أهداف الثورة الستة حتى مارس 1954؛ وتمدَّد الارتباك في تحديد المسار الاجتماعي والاقتصادي العام.
حسب التقويم الماركسي ظلت الثورة تسير في مسار «الثورة البرجوازية الديمقراطية» حتى تبنَّت المسار الاشتراكي لاحقًا، لكن دون تثوير البرجوازية في المرحلة الأولى أو تثوير الدولة في المرحلة الاشتراكية، فحملت جرثومة النهاية في داخلها حتى انفجرت في لحظة يونيو 67.
كان رجال يوليو يهدفون من حركتهم إلى تحرير البلاد والحركة السياسية من السراي، وإفساح الطريق للقوى التقدمية والإصلاحية (كما لاحظ أحمد حمروش)، أي أنهم مدركون أنَّ الحل يمر عبر رصف الطريق للقوى التقدمية الموجودة لصنع الإصلاحات المطلوبة، وإن كانوا متشككين في «الوفد» والأحزاب الكلاسيكية. فهم من أبناء جيل شباب الثلاثينات الذي تفتح إدراكهم السياسي مع التيارات الوليدة سواء التيارات التقدمية من اليسار أو الرجعية كالإخوان والفاشيين. فلم يكن الجيش هو منبع الوطنية وقتئذ حتى تتبلور في أذهانهم السيطرة على السلطة والدولة أو إمكانهم صنع الإصلاحات الثورية حتى لو أُتيحت لهم فرصة المشاركة في الحكم. فالهدف كان عزل القصر والقوى الرجعية لإفساح الطريق لمسار وقوى التطور والإصلاح القادم من الخلف ويحمل معه المستقبل.
ثورة بلا استقرار.. ومسارات مقطوعة
كان بالقصر ملك قبله سلطان ومن قبلهما خديوي؛ لكن ذلك لم يمنع المجتمع من نشاطه على الخطوط الثلاثة الرئيسية: الخط الوطني، والخط الديمقراطي، والخط الاجتماعي. ورغم ضآلة المدة التي حكم فيها «الوفد» منذ 1923 حتى قيام ثورة يوليو، لكن امتلك المجتمع ميكانزمات الحراك والوعي الثوري والإصلاحي حتى في أحلك فترات الإرهاب الحكومي. فغياب الاستقرار السياسي كان ملمحًا أساسيًّا في مصر منذ حركة عرابي، لكن ذلك لم يمنع «الوفد» من تحقيق الكثير من إنجازاته، بل وصل الأمر لتحدي القصر نفسه ومزاحمته في سلطاته. بل إنَّ «الوفد» كان عند لحظة تاريخية للإطاحة بالملك في واقعة 4 فبراير لو أراد لكنه آثر الموقف الوطني والدستوري، ولم تتوقف الجماعة الوطنية بكل طبقاتها عن تحقيق صراعاتها في الخطوط الثلاثة.
وللمفارقة فإن دولة يوليو وهي تصنع إنجازاتها وتوطد أركانها السلطوية لم تحقق الاستقرار السياسي أيضًا رغم ثبات النظام الحاكم.
يوضح طارق البشري أنه عبر الـ18 عامًا من بعد 1952 عرفت البلاد 6 دساتير وإعلانات دستورية، ومنذ عام 1956 حتى 1970 شهدت البلاد 9 تغييرات وزارية بخلاف التأرجح السياسي في وحدة الجمهورية واتحادها مع سوريا ثم الانفصال، مع عجز النظام في توطيد تنظيمه الشعبي بدءًا من «حركة التحرير» إلى تنظيم «الاتحاد الاشتراكي» وعجزهما أن يكونوا ممثلين شعبيين بحق عن المجتمع وجماعاته الوطنية والسياسية. من ناحية أخرى عجز النظام عن تحقيق استقراره السياسي من داخله حينما انشقت الدولة والسلطة في شقين أحدهما عند جمال عبد الناصر والرئاسة، والآخر مع عبد الحكيم عامر وجماعته في الجيش.
لم يكن المغزى من هذه السطور وضع الحقبة الملكية في وجه جمهورية يوليو أو المفاضلة بينهما، فلم توجد يوتوبيا في مقابل ديستوبيا بأي حال؛ لكنها كانت محاولة تفكيك لفهم ما كان يدور في الحياة العامة والسياسية، وكيف كان يفكر مجتمع الضباط الأحرار، وأين كانت وجهتهم ومرجعيتهم، وكيف ظلَّ هذا المجتمع بأبنائه عصيًّا على التصحر والموات السياسي والاجتماعي.
فنلاحظ أنَّ حركة الضباط الأحرار كانت بمثابة حركة تسريع للتاريخ أو بالأحرى فتح مساراته المتعطلة، لا القفز فوقه أو الخروج عن معطياته أو عن مسارات الصراع السياسي الدائرة في مصر منذ 1936 وقبلها بالضرورة. فكانت الممكنات الثورية والإصلاحية عند رجال يوليو داخل هذا النسق وداخل صراعاته وداخل طموحاته أيضًا. مرت الأحداث واختلف رجال يوليو فيما بينهم حتى انتصر الجناح البونابرتي الذي لم يكن يحمل رؤية مسبقة عن السلطة والحكم لكنه يحمل رؤية خيرة ونوايا صادقة بشكل كبير، وتدافع الأحداث وصدفها ألقت بالسلطة في أيديهم على طبق من فضة. ما حدث لم يكن الضروري ولا الحتمي ولا الوحيد، ولم يكن القديم متحجرًا عن التطور بالضرورة، وإذا كانت يوليو قامت لإزالة أكبر حجر عثرة في مسار الإصلاح وهو الملكية وأذنابها، فقد قرَّر هؤلاء الرجال في لحظة فارقة حمل الأمانة بمفردهم. وبدلًا من فتح الطريق لتدفق التاريخ القادم معهم، قرروا أنْ يصنعوه وحدهم.