عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

نجلاء عبد الجواد

جوع المعنى و طبول الحرب: قراءة في سيكولوجيا الحماسة الحربية

2026.10.24

جوع المعنى و طبول الحرب:

قراءة في سيكولوجيا الحماسة الحربية

 

ما الذي يجري داخل النَّفس البشرية عندما تتحوَّل الجموع من الخوف من الحرب إلى الشوق إليها، فتنقلب الصلاة من أجل السلامة إلى دعاء بالنصر، ويصبح الحديث عن الأبناء المجندين مدعاة للفخر بعد أنْ كان مصدرًا للأرق؟ السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يخفي تحته طبقات من الدوافع التي لا تظهر في الخطب ولا في البيانات الرسمية؛ وهي دوافع لا تنفرد بصناعة الحروب بالتأكيد، إذ لا تقع حرب دون سياسة ومصالح وسلاح، غير أنَّها تفسِّر لماذا تجد السياسة والمصالح جمهورًا مستعدًّا لتصديقها وتأييدها.

ومن هنا ينطلق هذا المقال؛ فهو يحاول أنْ يتتبع الآليات النفسية التي تجعل الحماسة الحربية ممكنة بل ملحة أحيانًا، من الحاجة إلى المعنى والانتماء إلى حسابات الخوف والغضب، ومن عدوى الحشود إلى حيل الضمير التي تبرِّر القتل، وأنْ يختبر في الوقت نفسه حدود هذا التفسير، لأنَّ النَّفس التي تستثار لا تعفي من استثارها من المسؤولية، ولا تحول الحرب إلى قدر بيولوجي لا فكاك منه.

 

وهم الخلود الرمزي وذوبان الفرد في الحشود

أقدم هذه الآليات وأكثرها إلحاحًا حاجة الإنسان إلى أنْ تكون لحياته قيمة تتجاوز عمره القصير. وقد بنى عليها عالم الأنثروبولوجيا إرنست بيكر (Ernest Becker) في سبعينات القرن الماضي تصورًا مؤثرًا، مفاده بأنَّ وعي الإنسان بحتمية موته يولد قلقًا عميقًا لا يطيقه، فيحتمي منه ببناء رموز وثقافات وهويات تَعده بنوع من الخلود الرمزي، كأن يموت الفرد لكن الأمة التي ينتمي إليها تبقى الأمة.

وقد حاولت تجارب مخبرية اختبار هذه الفكرة، فوجدت في عدد منها أنَّ تذكير الناس بالموت يرفع تعلقهم بجماعتهم وتحيُّزهم ضد المختلفين عنهم، بل يزيد أحيانًا تأييدهم للسياسات العسكرية الصارمة، وإن كانت نتائج هذا الحقل نفسها مثار جدل. وإذا صحَّ التفسير ولو جزئيًّا، فإنَّ الحرب تقدِّم نفسها للخائف من الفناء بصفقة مغرية: اقبل بخطر الموت الآن مقابل أنْ تنضم إلى سردية أكبر منك لا تموت. وكثيرًا ما أكد جنود عادوا من الجبهات وصحفيون عاينوها أنَّ أيام القتال، على فظاعتها، منحتهم إحساسًا بالقيمة والوضوح افتقدوه بعد عودتهم إلى رتابة السِّلم. وهذا ما يجعل الجاذبية أقل شرًّا مما نتخيل وأكثر إنسانية، وبالتالي أخطر؛ فمن يرى في الحرب فرصةً لاستعادة المعنى لا يصغي بسهولة إلى لغة الأرقام التي تذكره بالكلفة، لأن الأرقام لا تعده بشيء.

ويتشابك هذا الجوع الوجودي مع ميل آخر يعمل على مستوى الجماعة؛ فقد أثبتت تجارب عالم النَّفس هنري تاجفل (Henri Tajfel) في سبعينات القرن الماضي أنَّ مجرد تقسيم أفراد لا يعرفون بعضهم إلى مجموعتين بمعيار عبثي، كتفضيل لوحة فنية على أخرى، يكفي لأن يحابي كل فرد أعضاء مجموعته على حساب الآخرين. فإذا كان الانحياز ينشأ بهذه الخفة، فمن السهل تخيل ما يحدث عندما يضاف إليه علم ونشيد وتاريخ مشترك وخطر خارجي.

وقد التفت علماء الاجتماع منذ زمن بعيد إلى ما يشبه الفوران الذي يتولد عندما يتحرَّك الناس معًا في طقس مشترك، فيذوب الفرد في الكل ويحس بقوة تفوقه، والحرب بما فيها من مواكب وتعبئة وأناشيد تقدِّم أضخم نسخة من هذا الطقس. ثم إنَّ الانتماء إذا بلغ مداه يتحوَّل إلى اندماج كامل، يصبح فيه الفرد والجماعة شيئًا واحدًا في الوعي، فيرى صاحبه في أذى الجماعة أذى لنفسه، ويصبح استعداده للتضحية بنفسه من أجلها أمرًا طبيعيًّا لا بطولة استثنائية.

وقد رسم غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) في كتابه «سيكولوجية الجماهير» الصورة الكلاسيكية للحشد، وفيها يفقد الفرد داخل الجمع حسه النقدي وتسري فيه الانفعالات كما تسري العدوى، فيكون أقرب إلى الطفل منه إلى المواطن الراشد. وقد أثر هذا التصور طويلًا في الساسة والدعاة، لكن علم النفس المعاصر راجعه بقسوة؛ إذ بيَّنت أبحاث لاحقة أنَّ الحشود ليست فوضى بلا عقل، وأن أفرادها يتصرَّفون وفق هوية مشتركة ومعايير يتبنونها. فالحشد الذي يعنّف قد يفعل ذلك لأن هويته تحمل هذا المعنى لا لأن العقل تعطل. ومن المفارقات أنَّ هذه المراجعة تعيد المسؤولية إلى مكانها، فالجموع لا تنزلق إلى الحرب بقوة غامضة، بل تنقاد إلى سرديات تقدمها لها نخب ووسائل إعلام وأحزاب. وهذا الاستدراك مهم لأنه ينقل الاهتمام من السؤال عن لا عقلانية الجماهير إلى السؤال عمَّن يحدِّد المعايير والرموز التي تتبناها، أي إلى الخطاب الذي يُشكِّل هوية الجماعة ويقرِّر ما الذي يُعدُّ شرفًا وما الذي يُعدُّ خيانة.

 

حسابات الخوف والغضب.. وآليات الانفصال الأخلاقي

أما الانفعالات المحرِّكة فليست متساوية في أثرها. فالخوف يجعل الناس أميل إلى الحذر وتضخيم المخاطر، بينما يجعلهم الغضب أميل إلى المجازفة والتفاؤل بنتائج أفعالهم والرغبة في معاقبة المسؤول. وفي دراسة أُجريت على أمريكيين بعد هجمات سبتمبر 2001، قدَّر مَن استثير لديهم الغضب المخاطر بتفاؤل أكبر وأيَّدوا سياسات أشد عقابية من الذين استثير لديهم الخوف. ولهذا يعرف الخطاب الحربي الماهر أنَّ الخوف وحده يشلُّ الجمهور، فيحوله سريعًا إلى غضب موجه نحو هدف محدد، ويمنحه وجهًا يصب عليه سخطه. وتزيد وسائل التواصل الحديثة هذه الاستجابة سرعة، إذ تعرض على المتلقي صور الضحايا ومقاطع الغضب بجرعات متتالية تبقيه في حالة استنفار دائم فلا يجد وقتًا ليعود إلى توازنه. ويضاف إلى ذلك ميل الساسة والجماهير إلى المبالغة في تقدير فرص النصر السريع وتقليل الكلفة، ولعل الوعد الشائع في صيف 1914 بأنَّ الجنود سيعودون قبل عيد الميلاد يلخص هذه الثقة المفرطة؛ فلولاها لما اندفع كثيرون إلى مغامرة الحرب العالمية الأولى، ولو عرفوا مدتها وكلفتها لتراجعوا عنها.

ثم تأتي مرحلة الضمير؛ فالإنسان العادي لا يقتل بسهولة، وعلى الحرب أنْ تفكك ما يمنعه. وقد وصف عالم النفس ألبرت باندورا (Albert Bandura) آلية سماها «الانفصال الأخلاقي»، تتحقَّق عبر أساليب مترابطة: إعادة تسمية الفعل بلغة معقمة، فتصير المجازر عمليات، ويصبح القتلى خسائر جانبية، وتحويل المسؤولية إلى الأوامر والقادة والظروف، وتقليص أثر الضرر بالتركيز على الهدف الأسمى، وأخيرًا نزع الصفة الإنسانية عن الضحية فتصبح أقل من أن تستحق الشفقة. ويبدو أنَّ اللغة هي أول ما يُصاب، فالمفردات الدافئة التي تصف الأحباء تذوي من الخطاب وتحل محلها مفردات الإبادة والتطهير والسحق، ثم يتبعها السلوك بعد أنْ مهَّدت له الكلمات الطريق. ويرافق ذلك شعور بالتفوق الأخلاقي، إذ يرى كل طرف نفسه صاحب الحق والضحية في آن، وهذا الجمع بين البراءة والقوة يمنح العنف شرعيةً داخليةً تكاد لا تقبل المساءلة. ولعل أخطر ما في هذا الانفصال أنه لا يعمل في ساحة المعركة وحدها، بل ينتقل إلى جمهور الداخل، الذي يقرأ أرقام القتلى المدنيِّين عند الخصم بالبرود نفسه الذي يقرأ به نشرة الأحوال الجوية.

 

مغالطة التكاليف الغارقة.. وجراح الذاكرة المقدسة

وعندما تبدأ الحرب فعلًا، تتولى آليات أخرى إبقاءها مشتعلة حتى لو اتضح عبثها. فنظرية «التنافر المعرفي» عند ليون فستنغر (Leon Festinger) تفسِّر لماذا يميل مَن استثمر في قرار ما إلى تبريره بدل مراجعته. فكلما زادت التضحيات تعاظمت الحاجة إلى الاقتناع بأنها كانت في محلها، وتتحوَّل عبارة «لا يمكن أنْ يذهب دم الشهداء هدرًا» إلى منطق يطيل القتال ويضاعف الدماء من أجل تبرير ما سال منها. وهذا ما يسميه الاقتصاديون مغالطة التكاليف الغارقة، ولا أحد يعرف قيمتها أكثر من القادة الذين يخشون الاعتراف بأنَّ آلاف الأرواح ضاعت بسبب خطأ في التقدير.

وتزيد الجماعة من هذا الميل، فمَن يُشكِّك في جدوى الاستمرار يواجه ضغطًا من أقرانه الذين استثمروا مثله، ويصبح الصمت أريح من الاعتراض، وهو ما وصفه إيرفينغ جانيس (Irving Janis) في دراسته عن التفكير الجماعي لدى مستشاري الرؤساء الذين اتخذوا قرارات كارثية كغزو خليج الخنازير. وهكذا تتغذى الحماسة من كلفتها نفسها، وتصبح الخسارة دليلًا على صواب الطريق، وهو انقلاب منطقي لا يحدث في مجال آخر من مجالات الحياة بهذه الحدة.

ولا تكتمل الصورة دون ذاكرة الجماعات المجروحة؛ فثمة أحداث مؤلمة من الماضي، كهزيمة أو مذبحة، تحفظها الجماعة وتعيد إنتاجها جيلًا بعد جيل بوصفها جرحًا مفتوحًا، حتى تبدو الحرب الجديدة تصحيحًا لخلل تاريخي ووفاء للموتى. وأوضح مثال على ذلك استدعاء معركة كوسوفو التي وقعت عام 1389 في خطاب سلوبودان ميلوشيفيتش (Slobodan Milosevic) رئيس صربيا عام 1989 في الذكرى الـ600 لها، قبل أنْ تنفجر حروب يوغوسلافيا بعد عامين. ولا يقتصر أثر الصدمة على الماضي، فالتهديد المدرك في الحاضر يوقظها، إذ يكفي حادث واحد كهجوم أو مجزرة ليعيد ترتيب أولويات المجتمع كله، فينصرف إلى الأمن ويتسامح مع ما كان يرفضه من قيود وإجراءات استثنائية وخطاب عدائي، وهي استجابة مفهومة إنسانيًّا لكنها قابلة للاستغلال سياسيًّا. وتتقاطع هذه الذاكرة مع ما يسميه سكوت أتران (Scott Atran) «القيم المقدسة»، أي المبادئ التي ترفض الجماعة المساومة عليها بأي ثمن مادي. فإذا صُوِّرت الحرب بوصفها دفاعًا عن مقدس تعطلت الحسابات العادية للربح والخسارة، وصار التنازل ضربًا من الخيانة.

 

حدود التفسير النفسي.. وسؤال المسؤولية

لكن النقد الأمين يقتضي أنْ نسأل عن حدود هذا التفسير نفسه. فأول الحدود أنَّ الدوافع النفسية التي ذكرناها ميول لا أقدار، تنشط في ظروف محددة وتخمد في غيرها، وإلا لما عاشت مجتمعات كاملة عقودًا طويلة في سلام، ولما انقلبت شعوب على حروبها بعد أن ذاقت مرارتها كما حدث في أمريكا مع فيتنام. وثانيها أنَّ التفسير النفسي إذا انفرد بالمشهد أصبح مريحًا للمسؤولين، لأنه يوحي بأنَّ الحرب طبع بشري لا يلام عليه أحد، بينما الواقع أنَّ هذه الدوافع لا تتحرَّك من تلقاء نفسها، بل يحرِّكها مَن يملك المنابر والمال والسلطة ويعرف أي زر يضغط عليه. وثالثها أنَّ علم النَّفس نفسه تحيط ببعض تجاربه شكوك، فقد واجه الحقل أزمة في تكرار النتائج جعلت الحذر واجبًا، ولذلك ينبغي أنْ نقرأ ما سبق بوصفه فرضيات قوية الدلالة لا حقائق قاطعة. ورابعها أنَّ ما نسميه حماسة الشعوب قد يكون في كثير من الأحيان صمتًا مفروضًا أو امتثالًا خائفًا، فأصحاب الرأي المخالف يتوارون خشية العزلة فيبدو الإجماع أكبر مما هو. وخامسها أنَّ الفروق الثقافية والتاريخية كبيرة، فما يثير الحماسة في مجتمع قد يثير الاشمئزاز في آخر، ولذلك لا تغني التعميمات المستخلصة من عينات غربية في الغالب عن دراسة السياق المحلي لكل حرب.

فإذا كانت هذه الآليات معروفة، فبماذا ينفع هذا العلم؟ ينفع أولًا في بناء ما يشبه الفرامل النفسية، فمعرفة أنَّ الغضب يغذي التفاؤل المفرط تعلمنا أن نؤجل القرار في ذروة الانفعال، وأن نطلب رأي مَن لا يشاركوننا الحماسة، وأنْ نعامل الأرقام الباردة معاملة الحجج لا الأعداء. وينفع ثانيًا في تفكيك الصورة المبسطة للخصم، فقد أظهرت أبحاث الاتصال بين الجماعات أنَّ اللقاء المنظم بين المتخاصمين، في ظروف تتساوى فيها المكانة ويجمعهم هدف مشترك، يخفف التحيز ويعيد إلى الآخر وجهه. وينفع ثالثًا في تحصين الذاكرة، بأن نروي الحروب بتفاصيلها لا بنصبها، ونعيد إلى الضحايا أسماءهم وحكاياتهم حتى يصعب تحويلهم إلى وقود للرموز.

غير أنَّ هذه الأدوات كلها تظل ضعيفة ما لم تسندها مؤسسات تحاسب مَن يقرر الحرب، وإعلام يرفض أنْ يكون بوقًا. وتبقى الأسئلة الصغيرة أكثر نفعًا من الشعارات الكبيرة: من المستفيد، وما الثمن، وما البدائل المطروحة فعلًا؟ وربما كان أهم ما يمنحنا إياه هذا الفهم أنْ نرى حماستنا ذاتها موضوعًا للتأمل، فلا نصدق كل شعور بالبطولة يطرق أبوابنا فجأة دون أنْ نسأله مَن أرسله ولماذا الآن. وعليه يبقى السؤال الأصعب، وهو هل نستطيع أنْ نتعلم مراقبة انفعالاتنا ونحن في ذروتها، لا بعد أنْ تهدأ وتبقى الأنقاض؟