هوامش
أشرف إبراهيمغضب في الفصول وذعر في قصر الرئاسة: كيف فككت انتفاضة المراهقين أكذوبة التقشف الرأسمالي في فرنسا؟
2026.10.17
غضب في الفصول وذعر في قصر الرئاسة:
كيف فككت انتفاضة المراهقين أكذوبة التقشف الرأسمالي في فرنسا؟
في شوارع باريس هذا الخريف تتساقط مع أوراق الشجر الأقنعةُ عن الوجه القبيح للدولة النيوليبرالية العجوز. وتحت سحب الغاز المسيل للدموع التي غطت سماء العاصمة وليون ومرسيليا في أكتوبر من عام ألفين وستة وعشرين، لم يعد عمال المصانع ونقابات النقل وحدهم في خطوط المواجهة الأولى. يتقدمهم اليوم مراهقون وطلاب مدارس ثانوية قرروا، بوعي مبكر وتصميم عنيد، أن يواجهوا آلة الطحن الرأسمالية التي تصادر مستقبلهم وتسلّع حقهم في التعليم وتحيلهم أرقاماً هامشية في جداول موازنات التقشف.
بدأ الحراك أواخر سبتمبر احتجاجاً على نقص التمويل وغياب المعلمين وتردي الفصول الدراسية، وفي أسبوعه الثالث صار انتفاضة جيلية وطبقية شاملة. في يوم واحد نزل إلى الشوارع أكثر من مائتين وخمسين ألف متظاهر شاب، ووضعوا حكومة سيباستيان لوكورنو وقصر الرئاسة أمام مرآة تعكس بشاعة سياساتهما. مطالبهم المباشرة مقاعد دراسية وأساتذة بدلاء، لكن خصمهم نظام يرى في التعليم العام "عبئاً مالياً" يجب التخلص منه، وفي الشباب طابوراً احتياطياً من العمالة الرخيصة والمرنة الجاهزة لخدمة تراكم رأس المال.
ما الذي تغيّر منذ مايو ثمانية وستين
تستحضر هذه الهبة الشبابية تاريخ الحركات الطلابية في أوروبا، وفي قلبه فرنسا التي طالما كانت مختبراً للثورات الجماهيرية. وأول ما يحضر أحداث مايو من عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين، حين أشعل طلاب جامعة "نانتير" ثم "السوربون" شرارة أكبر إضراب عام في تاريخ فرنسا الحديث، فشلّ اقتصاد البلاد وكاد يطيح بجمهورية شارل ديغول. ثار شباب ذلك الزمن على السلطوية الأبوية والجمود الثقافي والنزعة الاستهلاكية للرأسمالية الصاعدة، ورفعوا شعارات طوباوية حالمة.
حركة ألفين وستة وعشرين تختلف في جوهرها المادي عن أحداث الستينيات والسبعينيات، في فرنسا كما في حركة الاستقلالية الإيطالية. جيل مايو طالب بالمستحيل، أما مراهقو اليوم فيقاتلون بشراسة من أجل الحد الأدنى من "البقاء الآدمي". وُلدوا في كنف أزمات مالية متعاقبة وكوارث بيئية ودولة رفاه تنهار، وشعاراتهم صرخة إنذار ضد المحو الممنهج لمستقبلهم المادي. يعرفون أن الرأسمالية المتأخرة لم يعد لديها ما تقدمه سوى الهشاشة والديون، وأن المدرسة خط دفاعهم الأخير قبل الهاوية: التهميش المطلق الذي يفرضه منطق السوق.
التقشف بعين ماركسية
يقدّم تكنوقراط الاقتصاد التقشف ضرورةً حسابية أو قانوناً طبيعياً، والتحليل الماركسي يراه أداة شرسة في "حرب الطبقات". الحكومات الرأسمالية لا ينقصها المال، وأزمتها الفعلية "تراكم مفرط" في أيدي قلة من الأوليغارشية. والتقشف سياسة تتبناها الدولة، بوصفها لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية، لتنقل عبء الأزمات الاقتصادية من أكتاف أصحاب رأس المال إلى ظهور الطبقات العاملة والمهمشة.
مشروع موازنة عام ألفين وسبعة وعشرين الذي طرحته حكومة يمين الوسط يستهدف خفض العجز المالي المتفاقم إلى خمسة بالمئة، استجابة لإملاءات المفوضية الأوروبية وأسواق السندات المالية. هذا "سلب ونهب" مقنن: مليارات اليوروهات تُسحب من مخصصات التعليم والصحة والخدمات العامة لضمان تسديد فوائد الديون السيادية التي تملكها البنوك وصناديق التحوط الكبرى، ولتمويل إعفاءات ضريبية ضخمة للشركات متعددة الجنسيات، أي "تأميم للخسائر وخصخصة للأرباح".
وفي التعليم تحديداً يخدم التقشف النظام الرأسمالي مرتين. يقلّص نفقات اجتماعية لا تدر ربحاً مباشراً لرأس المال، ويصنع، وهذا أخطر، ما سماه كارل ماركس "جيش العمل الاحتياطي". إفقار مدارس الأحياء العمالية وتدهور جودة التعليم فيها يخرّجان أجيالاً تفتقر إلى المهارات النقدية والأكاديمية العليا، فتُجبر على القبول بأجور زهيدة وظروف عمل هشة، وينخفض بذلك المستوى العام للأجور في سوق العمل كله.
مدارس الضواحي وإعادة إنتاج الطبقات
أرقام وزارة التربية الوطنية الفرنسية نفسها تشهد على ذلك: أقرت الوزارة بأن الطلاب خسروا نحو خمسة عشر مليوناً وأربعمائة ألف ساعة تدريس خلال العام الماضي بسبب العجز المزمن عن توفير معلمين بدلاء. هدر بهذا الحجم أكبر من أن يُردّ إلى "سوء إدارة" عابر، فهو التفكيك الممنهج للقطاع العام في التطبيق. والمدرسة التي يُفترض، وفقاً لأسطورة "الجمهورية"، أن تكون مصعداً اجتماعياً يضمن تكافؤ الفرص، صارت ما سماه المفكر الماركسي لويس ألتوسير "جهاز الدولة الأيديولوجي"، ووظيفته الأساسية "إعادة إنتاج علاقات الإنتاج" والتفاوت الطبقي.
في مدرسة "هنري فالون" بضاحية "أوبرفيلييه" العمالية القريبة من العاصمة، حيث تعيش اثنتان وأربعون بالمئة من الأسر تحت خط الفقر المدقع، يدرس ألف طالب بلا ممرض واحد. هكذا تتخلى النيوليبرالية، تخلياً تاماً وواعياً، عن أبناء الطبقات العاملة والمهاجرين.
الجداول التي ترهق الطلاب من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً، والفصول التي يُحشر فيها خمسة وثلاثون طالباً بلا تدفئة في الشتاء ولا تهوية في الصيف، آليات هندسة اجتماعية تدفع أبناء الفقراء نحو التسرب المدرسي، ليستوعبهم لاحقاً قطاعا التوصيل والخدمات محركاتٍ رخيصة لتوليد "فائض القيمة".
موازنة ألفين وسبعة وعشرين
طالبت النقابات الطلابية والعمالية بعشرة مليارات يورو في ميزانية استثنائية لإنقاذ قطاع التعليم، وهو مطلب عقلاني تسنده الأرقام. فدفعت حكومة لوكورنو إلى الجمعية الوطنية الفرنسية بمشروع موازنة تقشفية بالغة القسوة، لا يزيد ميزانية التعليم الأساسي إلا بواحد فاصلة سبعة بالمئة (لتصل إلى حوالي خمسة وستين ملياراً ونصف المليار يورو). وهي زيادة مهينة لا تغطي حتى معدلات التضخم السنوية، أي أنها بلغة الاقتصاد الفعلي "تخفيض حقيقي" في الميزانية.
وحين تراجعت الحكومة عن مقترح فرض رسوم تسجيل على طلاب التعليم المهني، تحت ضغط الشارع وإغلاق المدارس، كان ذلك "تراجعاً تكتيكياً" مذعوراً أمام قوة الجماهير الغاضبة. الحكومة لم تكتشف فجأة حق مجانية التعليم. ووعد وزير التعليم الإسعافي بتوفير ثلاثة آلاف معلم بديل مسكّن لتبريد غضب الشارع، فيما يبقى الجرح الهيكلي نازفاً، وتواصل المدارس الخاصة النخبوية ازدهارها بفضل الدعم غير المباشر، في تكريس واضح للتمييز الطبقي.
الاعتقالات وخصخصة القمع
حين تعجز الدولة النيوليبرالية عن فرض هيمنتها الأيديولوجية عبر مؤسساتها، تلجأ فوراً إلى ذراعها القمعية. قاصرون طالبوا ببيئة تعليمية آدمية، فردّت الديمقراطية البرجوازية بهراوات قوات مكافحة الشغب وقنابل الغاز المسيل للدموع والاعتقالات الجماعية.
البيانات الرسمية لـوزارة الداخلية أقرت بحصيلة مرعبة بكل المقاييس: نحو سبعة آلاف معتقل منذ بدء الحراك في سبتمبر، بينهم ألف وتسعمائة وتسعة وأربعون شخصاً أوقفوا في يوم واحد. وتسعون بالمئة من المحتجزين في زنازين مراكز الشرطة قاصرون، وهذه كارثة إنسانية وحقوقية. عنف ممنهج كهذا يكشف طبيعة الدولة كما عرّفها لينين: "هيئة لسيادة طبقة معينة، وأداة لقمع الطبقات الأخرى".
وزير العدل الفرنسي برر اعتقال الأطفال، ثم وجّه بتهديد عائلات الطلاب بتحميلها التكاليف الباهظة للأضرار التي تلحق بالممتلكات العامة. هذا تصعيد خبيث هدفه "خصخصة القمع"، أي نقل المعركة من الشوارع إلى داخل البيوت العمالية المنهكة أصلاً بالغلاء. وفي الأثناء تبث الآلة الإعلامية اليمينية صور حاويات القمامة المشتعلة لشيطنة الحراك، متجاهلة ما تؤكده القراءة الماركسية: العنف العفوي الذي يمارسه المحتجون صدى ضعيف ورد مأسوي على "العنف الهيكلي" الذي تمارسه الدولة ضدهم كل يوم بسياسات الإفقار والتقشف.
تلاقي النضالات
فشلت محاولات عزل الطلاب عن مجتمعهم فشلاً ذريعاً أربك حسابات صانعي القرار. استطلاعات الرأي، ومنها الاستطلاع البارز الذي أجرته مؤسسة كلاستر 17 للأبحاث، أظهرت أن سبعة وخمسين بالمئة من المواطنين الفرنسيين يدعمون الحراك الطلابي دعماً كاملاً وصريحاً، في صفعة للسردية الحكومية. الناس فهموا أن ضرب التعليم مقدمة لضرب كافة مكتسبات الطبقة العاملة.
واكتسب الحراك طابعاً أممياً حين وقفت الناشطة السويدية غريتا تونبرغ مع المحتجين في الميدان، مؤكدة أن النضال ضد النيوليبرالية لا ينفصل عن النضال من أجل العدالة البيئية، لأن الرأسمالية تستنزف البشر والطبيعة معاً.
أما الكابوس الذي يؤرق ساكني قصر الرئاسة فهو أن يصير الغضب الطلابي صاعق تفجير لحراك طبقي أوسع. فمع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود وتزايد تكاليف المعيشة، بدأت تظهر دعوات لاستلهام حركة السترات الصفراء. وقد أعلنت نقابات المعلمين والعمال الكبرى انخراطها رسمياً في الحراك، وحددت يوم الخامس من نوفمبر لتظاهرات وإضرابات مشتركة. وحين يتحالف طلاب يطالبون بالتعليم مع عمال يطالبون بالأجر العادل، تتحول الأزمة إلى مواجهة شاملة مع أسس النظام الرأسمالي.
فهم مراهقو فرنسا أن نظاماً يستخرج مليارات اليوروهات لإنقاذ البنوك أو تمويل السلاح، ثم يتذرع بـ"التقشف" حين يتعلق الأمر بتدفئة فصولهم، نظام فاقد للشرعية. وهم يرفعون اليوم شعاراً يعرفه كل يساري: الحقوق لا تُمنح من فوق موائد المفاوضات الباردة، بل تُنتزع انتزاعاً في شوارع النضال. وبذلك يكسرون وهم السلمية الزائفة أمام دولة لا تعرف سوى لغة القوة ورأس المال.