رؤى
شريف إمامحين هزّت العروبة عرش النفوذ البريطاني: معركة «الجامعة العربية» على ساحل الإمارات المتصالحة عام 1965
2026.08.29
حين هزّت العروبة عرش النفوذ البريطاني:
معركة «الجامعة العربية» على ساحل الإمارات المتصالحة عام 1965
في خريف عام 1964، بدا الخليج العربي هادئًا تحت مظلة النفوذ البريطاني، لكن ذلك الهدوء كان يخفي تحولات عميقة. فقد كانت البحرين وقطر والإمارات المتصالحة السبع، إلى جانب الكويت وسلطنة مسقط وعمان، واقعة بدرجات متفاوتة ضمن إمبراطورية بريطانية غير رسمية، تستند إلى المعاهدات والحضور العسكري والسيطرة على الشؤون الخارجية. وفي قلب هذا النظام كانت الإمارات المتصالحة، التي ستصبح لاحقًا دولة «الإمارات العربية المتحدة»، تعاني تفاوتًا اقتصاديًّا حادًّا؛ فأبوظبي بدأت تجني عائدات النفط، بينما ظلت إمارات أخرى تبحث عن الطرق والمدارس والمياه والكهرباء ومصادر التمويل.
في أكتوبر 1964 وصل عبد الخالق حسونة، الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلى البحرين على رأس «بعثة الأخوة»، ترافقه شخصيات تمثل العراق والكويت والسعودية. كان الهدف المعلن هو التَّعرّف إلى أوضاع التنمية وتقديم العون الاقتصادي والفني للمشيخات. لم تمنع بريطانيا الزيارة؛ فقد خشيت أنْ يمنح الرفض إذاعات القاهرة وبغداد ذريعةً جديدةً لاتهامها بمحاصرة العروبة في الخليج، في المقابل، أوعز السير وليم لوس، المقيم السياسي البريطاني، إلى الحكام بأنْ يستقبلوا الوفد بحفاوة، من غير أنْ يلتزموا بتعاون رسمي أو دائم. وبالفعل استجاب معظم الحكام بحذر، لكن الشيخ صقر بن سلطان القاسمي (1951-1965)، حاكم الشارقة، خرج عن النصِّ البريطاني. فقد زَيَّنت الشارقة طرقها بالأقواس والأعلام، واحتشد الآلاف لاستقبال الوفد، وارتفعت هتافات مؤيدة لجمال عبد الناصر ومناهِضة للاستعمار، وفي مأدبة أقامها صقر، وقد أسهم المدرسون المصريون في الشارقة في تأجيج الحماس الشعبي، إذ دعوا إلى انضمام المشيخة إلى جامعة الدول العربية، في ظلِّ تأييد الشيخ صقر لهذا التوجه.
وفي رأس الخيمة، رحَّب حاكمها الشيخ صقر بن محمد القاسمي (1948-2010) ابن عمومة شيخ الشارقة، بالمساعدات العربية، وقدَّم احتياجات واضحة لمشروعات إمارته. عندئذٍ أدرك البريطانيون أنَّ الزيارة لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل بداية نافذة سياسية يمكن أنْ تعبر منها الجامعة إلى الخليج.
عزَّز تقرير حسونة مخاوف لندن؛ فقد رأى أنَّ الإمارات الست الأقل ثراءً تحتاج إلى برنامج عربي جماعي. وأوصى بصندوق للمساعدات وبعثة فنية تضع خطة شاملة للتنمية.
وفي ديسمبر جالت بعثة من الخبراء في الإمارات، ثم أنشأت قمة الجامعة العربية في يناير 1965 لجنة دائمة وصندوقًا خاصًّا، وجرى الحديث عن خمسة ملايين جنيه على مدى خمس سنوات، وعن مكتب يتولى إدارة البرنامج من داخل الإمارات المتصالحة. هنا تحوَّلت التنمية إلى ساحة صراع على السيادة في الخليج، فالبريطانيون لم يروا في المكتب المقترح مؤسسةً هندسيةً أو ماليةً فحسب، بل قاعدة سياسية دائمة تهدِّد احتكارهم للعلاقات الخارجية. وكان لوس مقتنعًا بأن الجامعة، مهما بدت مستقلةً، يمكن أنْ تصبح أداةً في يد عبد الناصر لتقويض حكم الشيوخ وإخراج بريطانيا من الخليج. وبمنطق الحرب الباردة، جمع المسؤولون البريطانيون القاهرة وبغداد والجامعة العربية في صورة «تهديد» واحد، ورأوا أنَّ التساهل في الشارقة سيشجِّع خطوات أشدَّ جرأة في بقية المنطقة.
اختارت بريطانيا أولًا المواجهة غير المباشرة، فإذا كان المكتب العربي يبرِّر وجوده بالحاجة إلى تنظيم المساعدات، فلماذا لا تنشأ مؤسسة محلية تقوم بالمهمة نفسها؟ هكذا ظهرت فكرة «مكتب تنمية الإمارات المتصالحة» وصندوق مركزي تودع فيه المساهمات الأجنبية. وكان المطلوب أنْ يبدو المشروع صادرًا عن الحكام أنفسهم، لا مفروضًا من القوة الحامية، حتى تستطيع لندن القول إنَّ مكتب الجامعة غير ضروري وإنَّ تعدّد قنوات التمويل سيؤدي إلى التكرار والفوضى.
ففي اجتماع «مجلس الإمارات المتصالحة» يوم 1 مارس 1965، مَارَسَ الوكيل السياسي، غلن بلفور بول، دورًا يتجاوز رئاسة الجلسة. ذكّر الحكام بالتزاماتهم التعاهدية، ووزَّع عليهم مشروع قرار بريطاني الصياغة يقضي بقبول المساعدات من أي مصدر بشرط مرورها عبر الصندوق الجديد. عارض حاكما الشارقة ورأس الخيمة، لكن القرار صدر بالإجماع. وهكذا حصلت بريطانيا على غطاء محلي لاستراتيجيتها، غير أنَّ الإجماع المكتوب لم يكن دليلًا على اقتناع حقيقي؛ فقد كان الفقر أكثر إلحاحًا من الحسابات الدبلوماسية، وكانت وعود الجامعة أكثر جاذبية من صندوق لم يمتلئ بعد.
حين عجز المال عن شراء الولاء
بدأت لندن سباقًا لجمع الأموال قبل أنْ تتحوَّل الوعود العربية إلى طرق ومدارس ومستشفيات. ضغطت على البحرين وقطر وأبوظبي ودبي للمساهمة في الصندوق، لا لأن جميعها تملك قدرةً ماليةً كبيرةً، بل لأنَّ مشاركتها ستصنع صورة تعاون خليجي مستقل عن الجامعة. أبدت البحرين وقطر ودبي تجاوبًا، بينما اكتفى الشيخ شخبوط حاكم أبوظبي في البداية بخمسة وعشرين ألف جنيه، ثم رفع مساهمته تحت الضغط إلى 100 ألف أخرى. حاولت بريطانيا جذب الكويت والسعودية، لكن الكويت – التي كان لها نشاط تعليمي وصحي في الإمارات-، رفضت دمج نشاطها في المكتب العربي، لكنها لم تستطع التنصل علنًا من مشروع الجامعة؛ فهي دولة حديثة الاستقلال ولا ترغب في مواجهة المؤسسة العربية الجامعة. أما السعودية، التي خافت النفوذ الناصري، فامتنعت عن تمويل صندوق الجامعة وأبدت استعدادًا سياسيًّا للتعاون مع بريطانيا، لكنها ظلت مترددة في تقديم المال حتى أواخر مايو.
تمثلت معضلة لندن في عجزها عن توفير الموارد اللازمة لتمويل صندوق التنمية؛ إذ لم يتجاوز ما كان متاحًا عند وصول سيد نوفل، نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية، في مايو 1965، نحو 330 ألف جنيه، في حين أشار نوفل إلى توافر 900 ألف جنيه للعام الأول. حمل نوفل إلى الإمارات خططًا تفصيلية موجهة لكل إمارة على حدة، وطالب الحكام بتوجيه رسائل ترحيب بالمساعدة العربية دون الإشارة إلى شرط الصندوق البريطاني. فاستجاب خمسة حكام، بل ذهب حاكما الشارقة ورأس الخيمة إلى أبعد من ذلك، داعيين الجامعة إلى افتتاح مكتبين على أراضيهما، في حين انفرد الشيخ راشد، حاكم دبي، برفض التوقيع.وعند هذه النقطة، انكشفت هشاشة الاستراتيجية البريطانية؛ إذ لم يكن الحكام، في ظلِّ احتياجاتهم الملحّة، مستعدين للتضحية بمشروعات تنموية ملموسة لصالح مؤسسة يرونها خاضعة للوكيل السياسي البريطاني.
تزامنت زيارة نوفل مع جولة الوزير البريطاني جورج تومسون، الذي واجه الشيخ صقر بصراحة، غير أنَّ الأخير رفض التراجع، مؤكدًا أنَّ بريطانيا لم تقدم للشارقة ما يستحق الامتنان، وأنَّ قوة ساحل عمان التي أسستها إنما تحمي المصالح النفطية البريطانية أكثر مما تحمي الإمارات. وانتهى تومسون إلى قناعة مفادها بأنَّ الصراع لم يعد مجرد تنافس بين برنامجين للتنمية، بل تحوَّل إلى محاولة لإحلال نفوذ عربي، تقوده القاهرة وبغداد، محل النفوذ البريطاني.
دفعت الأزمة رئيس الوزراء هارولد ويلسون إلى عقد اجتماع خاص في 26 مايو، ووصف وزير الخارجية مايكل ستيوارت اللحظة بأنَّها «نقطة تحوّل»: إما أنْ تنافس بريطانيا الجامعة، وإما أنْ تشهد تآكل موقعها في الخليج. ولم تتوقف المخاوف عند الإمارات؛ فقد ربطت لندن تراجع هيبتها باحتمال اضطراب المنطقة وتوتر علاقاتها مع إيران والسعودية في سياق الحرب الباردة. وافقت الحكومة أخيرًا على مليون جنيه إضافي، وأجازت - إذا فشلت المنافسة المالية - منع مكاتب الجامعة بالقوة. كما غيّر الملك فيصل موقفه وعرض مليون جنيه للصندوق البريطاني. في المقابل، اشتد عزم شيوخ الإمارات على معارضة بريطانيا، فتوالت اجتماعات حكام الشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين، وتحدثت تقارير عن التفكير في إنهاء المعاهدات مع بريطانيا وطلب الحماية من الجمهورية العربية المتحدة، ثم عن السعي إلى عضوية الجامعة العربية. وتذبذب موقفا دبي والفجيرة خشية العزلة أو حملات الدعاية. وبدا أنَّ شبكة النفوذ التي بنتها بريطانيا خلال عقود يمكن أنْ تتشقق أمام بضعة مشروعات تنموية ووعد بالاعتراف العربي.
بدأت بريطانيا تلجأ إلى استخدام سيطرتها على التأشيرات والطيران لمنع موظفي الجامعة من الوصول، وشدِّد التدقيق على المسافرين العرب. ولما بدت المطارات ثغرة محتملة، أغلقت مطارات أبوظبي ودبي والشارقة في 16 يونيو بحجة «الإصلاحات». بل نوقش استخدام قوة ساحل عمان لاعتقال موظفي الجامعة وطردهم، لكن الغموض القانوني والخوف من الفضيحة الدولية ومن وصول القضية إلى الأمم المتحدة كبّلا القرار.
وفي 22 يونيو ورد خبر أخطر، حول استعداد الشيخ صقر، وفق التقارير البريطانية، لمنح ممثلي الجامعة جوازات سفر من الشارقة، بما يجعلهم قادرين على تجاوز نظام التأشيرات. وحدِّد وصولهم المتوقع في 25 يونيو. عندئذٍ بدا أنَّ الطوق الإداري يوشك على أنْ ينكسر، وأنَّ المكتب العربي أصبح على بعد أيام من التَّحوّل إلى حقيقة.
خلع صقر.. واستعادة الهيبة المهدَّدة
في 24 يونيو 1965 خلع الشيخ صقر بن سلطان من حكم الشارقة، وتولى ابن عمه الشيخ خالد بن محمد القاسمي. قالت الرواية البريطانية الرسمية إنَّ كبار أسرة القواسم عزلوا حاكمًا أساء الإدارة وأهمل رعيته، وإنَّ ما جرى تقليد محلي لا علاقة لبريطانيا به. استدعي صقر إلى الوكالة السياسية، وأبلغ بقرار الأسرة ورغبة الحاكم الجديد في مغادرته، ثم نقل إلى البحرين بطائرة تابعة لسلاح الجو الملكي. غير أنَّ تسلسل الأحداث يجعل الرواية الرسمية موضع شك. فالوثائق المتاحة تبيِّن أنَّ فكرة إبعاد صقر كانت مطروحةً في الدوائر البريطانية منذ فبراير. فقد كتب المقيم السياسي يقول:
«كان الشيخ صقر، وسيظل، أضعفَ نقطة في الجبهة البريطانية. وقد اقترح لوس أنه إذا سمح صقر لوفد من جامعة الدول العربية بدخول الشارقة وإنشاء مكتب فيها، فينبغي لبريطانيا أنْ تسحب اعترافها به، وأنْ تشجِّع الشيخ راشد حاكم دبي، بصورة سرية، على اتخاذ الإجراء الذي يراه مناسبًا». وجادل لوس بأنَّ إزاحة صقر سيكون لها «أثرٌ رادع ومقوِّم في أي حاكم آخر قد يحتمل تراجعه عن الصف البريطاني»
Shaikh Saqr was and would remain the weakest point in the British front. He proposed that, if Saqr allowed an Arab League delegation to enter Sharjah and establish an office there, Britain should withdraw its recognition of him and privately encourage Shaikh Rashid of Dubai to take appropriate action. Luce argued that Saqr’s removal would have «a salutary effect on any other possible back-slider
وفي مايو ناقش تومسون ولوس بدائل وصلت إلى سحب الحماية أو التحريض على تغيير الحكم، بل دعا بلفور بول إلى إجراء مباشر ضد الحكام المعارضين، وحذَّر لوس من أنَّ سمعة بريطانيا كلها باتت على المحك، وأنَّ مفتاح الأزمة هو إزاحة صقر خلال أيام. وبعد ثلاثة أيام فقط غادر الحاكم على طائرة بريطانية. كما تكشف رسالة لاحقة من تومسون إلى لوس جاء فيها: «تهنئة حارة على الطريقة التي تعاملتم بها مع الأمر، وعن شعور بالرضا تجاه النجاح المحقق».
عقب خلع الشيخ صقر، سارع حاكما عجمان وأم القيوين إلى العودة إلى الموقف البريطاني، وأرسلا رسالتين اشترطا فيهما أنْ تمرَّ مساعدات الجامعة العربية عبر صندوق تنمية الإمارات المتصالحة. واتخذ الحاكم الجديد للشارقة الموقف نفسه، بينما أعلن حاكم الفجيرة تضامنه مع الحكومة البريطانية، بل عرض تزويد الوكيل السياسي بمعلومات عن اجتماعات الحكام الآخرين. ولم يبقَ خارج الصف البريطاني سوى حاكم رأس الخيمة؛ غير أنَّ لوس زاره وعرض عليه تعويض النفقات والديون التي تحمَّلها لتمويل مشروعات التنمية في إمارته، فاستجاب وأرسل الرسالة المطلوبة التي أعلن بها تراجعه عن موقفه السابق.
وسرعان ما وضعت هذه الولاءات المستعادة موضع الاختبار، عندما حاول ثلاثة فنيِّين تابعين للجامعة العربية الوصول إلى دبي. فقد حالت الإجراءات البريطانية دون استكمال رحلتهم ودخولهم لعدم حصولهم على التأشيرات اللازمة، ثم أبلغهم الشيخ راشد حاكم دبي بأنَّ قدومهم لم يعد مناسبًا؛ لأنَّ الحكام اتفقوا على إسناد تنفيذ المشروعات التنموية إلى مكتبهم المحلي. وهكذا لم يقتصر خلع الشيخ صقر على تغيير حاكم الشارقة، بل أعاد تشكيل مواقف حكام الإمارات المتصالحة جميعًا، ومكَّن بريطانيا من إغلاق الطريق عمليًّا أمام الحضور المؤسسي للجامعة العربية، وتحويل صندوق التنمية إلى الأداة المعتمدة لتوجيه المساعدات وضبط مسارها السياسي.
وفي 30 يونيو، اجتمع مجلس الإمارات المتصالحة من جديد لبحث كيفية إنفاق ما يقرب من 2.5 مليون جنيه إسترليني، وفَّرتها المساهمات البريطانية والسعودية وغيرهما. وانتهى الاجتماع إلى اختيار خمسة عشر مشروعًا للبدء في تنفيذها، في دلالة واضحة على أنَّ بريطانيا استعادت زمام المبادرة، وأنَّ المؤسسة التي أنشأتها لمنافسة مشروع الجامعة العربية أصبحت قادرةً على مباشرة عملها وتحويل الدعم المالي إلى أداة للنفوذ السياسي.
ومن هنا تتجاوز أهمية أزمة عام 1965 حدود الصراع على افتتاح مكتب للجامعة العربية؛ إذ تكشف طبيعة السياسة البريطانية في السنوات التي سبقت إعلان الانسحاب من الخليج عام 1968. فهي لا تسجِّل الفصل الأخير من تاريخ النفوذ الأجنبي في الخليج، بل تكشف عن إعادة تشكيل أدوات السيطرة تمهيدًا لمرحلة جديدة من النفوذ عن بعد: مرحلة يتراجع فيها الوجود الاستعماري المباشر، من دون أنْ يتلاشى تأثيره.