عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

مراجعات

شريف حسين

رحلة دوكينز فى البحث عن أصل الخطيئة

2026.10.03

رحلة دوكينز فى البحث عن أصل الخطيئة

 

مؤخّرًا، وفي هذا العصر الرقمي المعلوماتي، أصبح الابتعاد عن المنظومات الدينية يُعد من الأمور المألوفة والشائعة، فمع تعدُّد مصادر المعرفة، ومع إمكانية الوصول لكل ما كان غير متاح من قبل، الصحيح منه وغير الصحيح، ومع إمكانية مشاركة الأفكار ووجهات النظر، عبر العشرات من وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تكوين رأي خاص، بعيدًا عن الموروثات أو الثوابت، يُعد أمرًا طبيعيًّا، ومع ازدياد مساحات الحرية للأجيال الجديدة، أصبحت مخالفة السائد أمرًا متاحًا وشائعًا، ومن هنا كان ازدياد أعداد تاركي الأديان أمرًا طبيعيًّا متناسبًا مع طبيعة هذا العصر، حتى لو كان ذلك الاختيار - في بعض الأحيان - يمثّل مجرد تمرد على السائد فقط لا غير.

لكن في وسط تلك الحالة التي بدأت تسود العالم في العقود الأخيرة، ظهر ريتشارد دوكينز منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وقد سخّر نفسه لنشر المبدأ، بدايةً من كتابه الأول «The Selfish Gene» أو «الجين الأناني» سنة 1976، في محاولة دائمة منه لنشر أفكاره، سواء من خلال كتبه التي بلغت تسعة عشر كتابًا حتى الآن، والتي كانت الغالبية العظمى منها إما مناقشةً لنظرية التطور، أو تفنيدًا لوجهات نظره الخاصة، أو من خلال أفلامه التسجيلية التي قام بإنتاجها، والتي ضمت خمس سلاسل تسجيلية، ناقش معظمها ما جاء من خلال كتاباته وكتبه.

وُلد البريطاني ريتشارد دوكينز في نيروبي بكينيا، حيث عاش هناك حتى سن الثامنة، وكان لتلك المرحلة أكبر الأثر في دراسته وتخصُّصه العلمي فيما بعد. عاد دوكينز لبريطانيا في سن الثامنة، وتدرّج في الدراسة حتى درس علم الأحياء التطورية في جامعة Oxford، وحصل على درجة الدكتوراه متخصّصًا في السلوك الحيواني، حتى أصبح زميل جامعات New College وOxford، حيث قام بتدريس علم يُسمى «الفهم العام».

عند عودة دوكينز لبريطانيا، تم إلحاقه بمدرسة إنجيلية مسيحية، ومن الغريب أن تلك الدراسة ذات الطابع الديني، مثّلت أحد أهم عوامل فقدانه الإيمان لاحقًا بوجود أديان، بل وبوجود الخالق، وكانت أهم أسبابه في هذا الأمر، أن الدين لم يستطع توفير الإجابات الشافية على الكثير من تساؤلاته، خلال تلك المرحلة المبكرة من العمر، التي تمثّل فيها المعرفة شغفًا مستمرًا.

أثار كتاب دوكينز الأول «الجين الأناني» ضجةً كبيرةً، ما بين معارض -من وجهة النظر الدينية بالطبع-، أو مؤيد قام بتصنيف الكتاب كثورة فعلية في علم التطور، ليستمر دوكينز في إصدار كتبه حتى كتابه الأخير «The Genetic Book of the Dead» أو «الكتاب الجيني للموتى»، إصدار سنة 2024.

بدأ دوكينز مسيرة أعماله التسجيلية بدايةً من سنة 1986، وبنفس المنهجية التي تتابعت عليها كتبه، حيث اتخذت أعماله التسجيلية الأولى منحى علميًّا، ثم تحوّلت للتوجهات الفلسفية الوجودية، التي اهتمت بمناقشة آراء دوكينز الخاصة بعدم مصداقية الأديان، أكثر ما ناقشت نظريات أو أطروحات علمية.

من بين سلاسل دوكينز التسجيلية، أنتج خلال سنة 2012 بالتعاون مع القناة الرابعة بالتليفزيون البريطاني BBC، سلسلة تسجيلية مكوّنة من ثلاثة أفلام، اختلفت تمامًا عن كل ما قدّمه دوكينز من أعمال تسجيلية من قبل، بالطبع، لم يُغيّر فيها دوكينز من وجهات نظره، لكنه غيّر تمامًا من أسلوب عرضه لأفكاره، التي قلّت حدتها جدًا في مهاجمة الآراء المخالفة له، ليقدّم دوكينز لأول مرة طرحًا فلسفيًّا إنسانيًّا، أكثر من تقديمه تفنيدًا لمهاجمة الأديان، ليُصبح ما قدّمه دوكينز من خلال تلك السلسلة، قابلًا لأن يُقدّم للطرح على طاولة النقاش.

جاءت سلسلة «Sex, Death, and the Meaning of Life» أو «الجنس، الموت، ومعنى الحياة» لتُمثّل نقلة نوعية حقيقية في أعمال دوكينز التسجيلية، والسلسلة تناقش مفاهيم الحياة والموت، من خلال وجهة نظر الإنسان الذي لا يؤمن بوجود خالق، وكيف يمكن أن يُكوّن هذا الإنسان أهدافه الحياتية، لكن جاء الطرح الأهم في تلك السلسلة، من خلال الفيلم الأول منها والمسمى «Sin» أو «خطيئة»، هذا العمل الأهم والأكثر عمقًا في طرحه، والذي حمل سؤال العمل الأهم: «هل الأخلاق هي نتاج الأديان، أم تُمثّل وازعًا إنسانيًّا فطريًّا، وهل يمكن للشخص اللاديني، أن تكون لديه أخلاقًا ومبدأ؟»

 

هل الأخلاق وازع إنساني.. أم قانون ديني؟

قبل مناقشة الفيلم التسجيلي «خطيئة» لريتشارد دوكينز، يجب أن نقوم بطرح السؤال ذاته الذي قام دوكينز بطرحه عن ماهية الأخلاق ومنبعها، وهنا يجب أن تبدأ الإجابة من الأصل، من المجتمعات الأولية بدائية التكوين، والتي نجحت في أن تصيغ لذاتها قوانين خاصة بكل مجتمع، تلك القوانين صيغت من هذا الإحساس الجمعي بمفاهيم الصواب والخطأ، أو ما تبناه هذا العقل الجمعي من كونه تعديًا على حقوق الآخر، لتتشكل المبادئ التي صاغت الأعراف، التي لم تختلف كثيرًا عن «الحلال والحرام» في الأديان، ولعل الأعراف والتقاليد لا تزال في الكثير من المجتمعات المنغلقة حتى يومنا هذا، بنفس قوة وتأثير الحلال والحرام الديني.

الخطأ هو سلوك إنساني لا يعني على الإطلاق عدم دراية الإنسان بالصواب، فمثلًا قوانين المرور، والتي تستهدف دائمًا سلامة السائق وعابر الطريق، معلومة ومفهومة، بل ومقنعة للجميع، ومن يقوم بمخالفتها يكون على دراية تامة بها، وبأضرار ما يقوم به، لكن لمخالفة «الصحيح» أسباب كثيرة، تلعب فيها أهواء النفس البشرية الدور الأهم، لكن قلما يكون الأمر عن جهالة.

مثال آخر يتمثل في تلك القوانين التي صاغها المصريون القدماء، والتي لُخّصت في كتاب الموتى المبني على سلوكيات الإنسان خلال مرحلة حياته الأرضية، فتلك القوانين التي تمت صياغتها خلال مرحلة ما قبل الأديان الإبراهيمية، ما هي إلا الصورة الأولى للمحللات والمحرمات في الأديان، كذلك شريعة قوانين حمورابي في بابل بالعراق، والتي يُقدّر تاريخها بـ1750 عامًا قبل الميلاد، أي أيضًا قبل مرحلة ظهور جميع الأديان الإبراهيمية.

 

خطيئة

تُعد سلسلة «Sex, Death and the Meaning of Life» أهم أعمال ريتشارد دوكينز التسجيلية، وفي اعتقادي أن مورجان فريمان قد استوحى منها فكرة سلسلته التسجيلية الأشهر «The Story of God» أو «قصة الإله»، والتي تم إنتاجها في ثلاثة أجزاء من 15 حلقة، بدايةً من سنة 2016، لأنها تتبع نفس المنهجية البحثية، وتتناول -تقريبًا- نفس الأفكار، لكن بدت إمكانيات National Geographic الأمريكية مع مورجان فريمان أكثر إبهارًا، وهذا هو دائمًا الفارق بين الإنتاج التسجيلي الأمريكي شديد الإبهار، والإنتاج التسجيلي البريطاني المتواضع إنتاجيًّا مقارنةً بمثيله الأمريكي، رغم عظمة الإنتاج البريطاني من حيث الفكر والتناول.

من خلال أول أفلام تلك السلسلة، وهو فيلم «خطيئة»، قام دوكينز بالتنقل بين أكثر من موقع، كانت جميعها ما بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن كان الأهم في تلك الرحلة هو رحلة مناقشة مفهوم «الخطيئة ما بين الوازع الإنساني والأديان»، لذا دارت رحلته ما بين الدين، والعلم، والمفهوم المجتمعي الذي يمكن أن نطلق عليه «عادات وتقاليد»، والطب النفسي، بل إن دوكينز قد ناقش الأمر من خلال عالم الحيوان أيضًا، وهو المجال الذي تخصص فيه دوكينز علميًّا.

دوكينز يتصف دائمًا بالصلافة والغطرسة، وتحيزه الدائم لأفكاره، لكن من خلال هذا العمل شعرت وكأنني أرى دوكينز آخر، فمساحة معارضيه في هذا العمل بدت أكبر كثيرًا من المعتاد، ولم يحاول دوكينز -كعادته دائمًا- فرض وجهة نظره على ضيوفه، وهو الأمر الذي مثّل إحدى أهم إيجابيات هذا العمل.

بدأت أحداث العمل بمجموعة مشاهد متنوعة لتجمعات دينية من ديانات مختلفة، مصاحبة بتعليق صوتي من دوكينز، يؤكد فيه أنه خلال هذه السلسلة لن يقوم بمناقشة قضيته الرئيسية، والتي قام بمناقشتها كثيرًا من قبل، لكنه سيناقش فكرة كيف يمكن أن يخلق شخص غير مؤمن بالأديان، بل وبوجود الخالق، معنى لحياته، وكيف يمكنه أن يقابل أو يتقبل فكرة الموت، وهو مؤمن تمامًا بعدم وجود حياة أخرى بعد الموت، وأخيرًا، وهذا هو الموضوع الرئيسي للعمل، كيف يمكن أن تكون مفاهيم الصواب والخطأ بالنسبة له، وتساءل دوكينز: هل عدم الاعتراف بالأديان سيسمح باستباحة الكثير من الأمور والمفاهيم التي اتفقت البشرية والأديان معًا على أنها تمثل خطًّا، مثل الاغتصاب، والسرقة، والقتل؟

بدأت أحداث العمل فعليًّا بمشاهد لحريق في لندن، مؤرخ بتاريخ أغسطس 2011، مع تعليق صوتي أعاد فيه دوكينز نفس عباراته، لكن بصياغة مختلفة تلك المرة، حيث أكد أن الكثير من البشر يعتقدون أن عدم وجود أديان يعني استباحة كل شيء، ويتساءل دوكينز: هل هذا الأمر صحيح على المستوى الواقعي؟

محطة دوكينز الأولى حملت ثلاثة أسئلة مؤسسة لطبيعة تشكيل الأفكار والمبادئ لدى أي إنسان، فلقد أجابت تلك المحطة عن أسئلة: «هل ما نتلقاه من أفكار وتوجيهات خلال المراحل الأولى من حياتنا يؤثر على اختياراتنا المستقبلية؟»، و«هل للبيئة التي نعيش داخلها أثر في تشكيل الشخصية؟»، وأخيرًا: «لماذا يجب أن نعمل على أن تكون دائمًا حياتنا أفضل؟».

دارت نقاشات تلك المحطة من خلال زيارة أكاديمية صغيرة جدًا يقوم بإدارتها بريطاني ملوّن، مخصصة لتدريب المراهقين -الملوّنين أيضًا- في إحدى الضواحي شديدة الفقر، ويبدو أنها ضاحية لا يقطنها سوى الملوّنين، والتي ينتشر فيها الإجرام بكافة صوره، إضافة إلى كافة أنواع المخدرات، وجميع مشكلات الضواحي المهمشة الفقيرة.

الأكاديمية تهدف لتدريب المراهقين على القيادة، لكن بمفهوم ديني مسيحي، من خلال مفاهيم «الحلال والحرام» حتى لا يتأثروا بتلك البيئة المحيطة، والتي لن تنتج -بالتأكيد- سوى مجرمين أو متعاطي أو متاجري المخدرات، وهو الأمر الذي ذكّرني بمشروع عظيم أُقيم بمنطقة أرض اللواء في القاهرة منذ أكثر من عشرين عامًا، أُطلق عليه اسم «أرت اللواء»، أو «فن أرض اللواء»، والمشروع كان يهدف لمحاولة إخراج النشء في تلك المنطقة من تأثير المجتمع الذي يمكن أيضًا أن يكون مفرخة للمجرمين، عن طريق إخراج طاقة هذا النشء بصورة إيجابية بنّاءة. دار الحوار بين دوكينز وضيفه حول الدوافع التي يمكن أن تتسبب في أن يكون أي إنسان قويم التوجه، وبالطبع، تحدث كلاهما من وجهة نظره الخاصة.

الحوار بين دوكينز وضيفه دار حول موضوعين، أحدهما ظهر في الحديث بقوة، وهو: هل يجب أن نعمل على أن نعيش حياة أفضل، أيًّا كان مفهوم وتوجه هذا الأفضل، لأن الحياة هي الطريق إلى حياة أخرى أبدية، أم لأننا لا نحيا سوى حياة واحدة، فيجب أن نحياها كأفضل ما يكون، وتلك بالطبع كانت وجهة نظر دوكينز. بينما جاء الموضوع الآخر مبطّنًا طوال الوقت، ألا وهو مدى تأثير تلك البيئة على تشكل مفاهيم الحلال والحرام لدى هذا النشء.

المحطة الثانية دارت حول مفهوم كبت الشهوات، خاصة الشهوات الغرائزية «الجنسية»، ولقد انقسمت تلك المحطة لمحطتين فرعيتين، قامتا بمناقشة نفس المفاهيم، من خلال زاويتي الرؤية، الأولى بالطبع من خلال المفهوم الديني، والأخرى من خلال المفهوم العلمي، الذي تمثل في الطب النفسي، وأيضًا، لغة الأرقام والإحصائيات.

دارت حوارات المحطة الأولى من خلال إحدى ورش التنمية البشرية الخاصة بالرجال فقط، والتي تنظمها إحدى الأكاديميات المسيحية الكبرى، وتدور جلساتها حول كيفية وإمكانية السيطرة على الشهوات الخاصة لدى الرجال، والتي من أهمها حاليًّا المواقع الإباحية عبر شبكة الإنترنت. ناقش دوكينز المدرّب الرئيسي في الورشة، الذي أكد أن أعداء الإنسان ثلاثة: العالم، والشيطان، والجسد، والجسد يتمثل في تلك الشهوات الجسدية الغرائزية، ومن هنا تأتي أهمية محاربة النفس وكبت الشهوات، لأنها تعد أحد أهم الشرور والاختبارات التي يواجهها الإنسان، وأن الإحساس بالندم المستمر لدى الواقعين تحت تأثيرها قد يؤدي إلى الإقدام على الانتحار، مؤكدًا ذلك من خلال تجربته الذاتية، وكيف أنه وجد في الإيمان الديني قوة الإرادة التي طالما بحث عنها لمجابهة شرور النفس ومحاربة الشهوة.

المحطة الثانية الخاصة بالعلم والطب النفسي، ولغة الأرقام والإحصائيات، والتي أُديرت من خلال حوار مع طبيب نفسي، قامت باستكمال الجزء المنقوص والأهم من الحوار السابق، والخاص بالأرقام والواقع الفعلي، حيث تحدث الطبيب عن بحثه الخاص الذي قام به عن الممارسات الجنسية غير الشرعية، مثل مشاهدة الأفلام الجنسية، أو حتى ممارسة العادات السرية في الولايات المتحدة، وجاءت النتائج تؤكد أن كلتا الحالتين تتساويان، المؤمن مثل اللاديني، فالجميع يقعون تحت تأثير وسيطرة الشهوات الجنسية، حتى إن النتيجة وصلت في كلتا الحالتين لأكثر من 94% من حالات الاستبيان. تمثل الفارق فقط بين كلتا الحالتين في الشعور بالذنب الذي يشعر به المؤمن بعد ارتكاب أي خطأ، مقابل عدم الشعور بأي ذنب في حالة اللاديني، وأحيانًا يصبح الذنب مضاعفًا لدى المؤمن، لأنه قام بارتكاب الذنب، واضطر أيضًا للكذب.

وعن مفاهيم العادات والتقاليد، وكيف ولماذا يمكن أن يكون تأثير الخوف من المجتمع أكبر من تأثير الخوف من الغضب الإلهي، وأيضًا عن مفهوم «الغاية تبرر الوسيلة»، دارت حوارات المحطة الثالثة لدوكينز في هذا العمل، لكن من فرنسا تلك المرة، ومن خلال الجاليات العربية التي تعيش في فرنسا، والتي لا تزال تحتفظ بثقافاتها المحلية، وعاداتها وتقاليدها.

ومن النقطة الأخيرة في المحطة الثانية، المتمثلة في الإحساس بالذنب والكذب، سافر دوكينز لفرنسا، لمقابلة طبيب - ودعني أسمّيها - مريضته، لكن هي أقرب لكونها Client أو عميلة، أكثر منها مريضة. الطبيب متخصص في عمليات إعادة العذرية، وبالتأكيد أن أغلب، إن لم يكن جميع عملائه من العرب.

أدار دوكينز حوارين شديدي الأهمية مع الطبيب والعميلة العربية، التي بالطبع لم تظهر بوجهها. الحواران فعليًّا مثّلا أهم حوارات العمل وأقواها. من خلال الحوار الأول، حاول الطبيب توضيح هل هو شريك في الذنب والخداع أم لا. بالطبع، أوجد الطبيب لنفسه العديد من المبررات، بل على العكس أيضًا، لقد أكد على اهتمامه بمعرفة هدف كل عميلة من إجراء تلك العملية، والتأكد من ندمها على ما فعلت!! بل أكد أنه يقوم بمساعدتها عملًا بمبدأ أن الله حليم ستّار، فهو يساعد على تحقيق هذا الستر، لأن جميع عملائه يهدفون لبدء حياة جديدة. كانت قناعة الطبيب بموقفه تسيطر على الحوار، بالرغم من عدم اقتناع دوكينز التام بالتأكيد، وأكد الطبيب أن التقاليد العربية (البالية من وجهة نظره)، تمثل السبب الرئيسي في تلك النوعية من المشكلات، مع تأكيد كل عميلة بأنها عرضة للقتل إن علم الأهل. من خلال الأرقام، يقوم الطبيب بإجراء أربع عمليات في المتوسط أسبوعيًّا.

الحوار الثاني كان مع العميلة ذاتها، التي قامت بالتأكيد على كل ما ذكره الطبيب فيما يخص المجتمع العربي، لكن بعبارات شديدة القوة والتأثير، يمكن تصنيفها كـmasterscene العمل، وهي أنها أمام الله ستُحاسب وحدها، لكن أمام المجتمع، سيكون الحساب جماعيًّا، هي وجميع ذويها، مما يؤكد أن بعض الأخطاء يمتد أثرها وتأثيرها لنطاق أوسع، ربما الأسرة أو العائلة بأكملها، كما أكدت أنها كإنسانة لا تشعر بأنها مذنبة، في ظل مجتمع مليء بالكذب والنفاق والخداع.

العمل به عدد من المحطات المهمة الأخرى، لكني سأكتفي بالثلاث المحطات الأولى منه. العمل بالفعل ناقش قضية شديدة الأهمية عن معنى الأخلاق، والمبادئ الإنسانية، وهل تمثل وازعًا إنسانيًّا داخليًّا، أم أن البشرية عرفت الأخلاق فقط من خلال الأديان، وهل المجتمعات اللادينية لا تعرف الأخلاق؟ أسئلة مهمة يجب الاهتمام بإعادة التفكير في إجاباتها.