عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

فنون

دار المرايا

عبد الغني السيد.. غنائيات الأيام الحلوة والمُرَّة

2021.08.01

عبد الغني السيد.. غنائيات الأيام الحلوة والمُرَّة

في 9 ديسمبر 1962، فارق المطرب الكبير عبد الغني السيد الحياة بمستشفى العجوزة إثر إصابته بذبحة صدرية. فقد تلقى اتصالاً من الفنانة تحية كاريوكا مفاده أن شجارًا حادًا وقع بينها وبين زوجها فايز حلاوة. فاندفع عبد الغني إلى منزلهما لحل الأمر، نتيجة للصداقة القوية التي كانت تجمعه بهما. في المستشفى علم الموسيقار علي إسماعيل بأن أنبوبة الأكسجين التي كانت بالغرفة قد نفدت فجأة. فاستغاث بالنجدة وطلب من الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يحضر فورًا. فاندفع عبد الوهاب إلى المستشفى، وأحضرت النجدة أنبوبة أخرى، لكن عبد الغني لفظ أنفاسه الأخيرة بعد إفاقة مؤقتة. وبهذا فقدت الحياة الفنية مطربًا لامعًا، قلّما يجود الزمان بمثله.

سنوات التكوين

عاش عبد الغني السيد محمد سرور (مولود 16 يونيو 1908) في محيط أسرة متواضعة بحي عابدين بالقاهرة، وبدأ حياته صبيًّا بمحلات علي خليل الشهيرة للموبيليات، حيث كان يعمل في دهان الأثاث (ستورجي) مقابل 60 قرشًا. وهي المهنة التي ورثها عن والده. لم يكمل عبد الغني تعليمه الأساسي، لكنه امتلك خطًا جميلاً أنيقًا. وفي أحد الأيام كان المطرب الكبير زكي مراد يزور المعرض، فلفت نظره هذا الصبي صاحب الصوت العذب، فطلب منه أن يزوره في المنزل، كي يعلمه أصول الغناء والموسيقى. وفي منزل مراد أعجب الحضور بطبيعة صوت الصبي، وحسن تصرفه. لكن عبد الغني لم يكن يفضل احتراف المهنة، فآثر الغناء لأصدقائه، وجيرانه، وفي سرادقات الأفراح المحيطة بشارع محمد علي إلى جانب عمله الأساسي. وفي أحد الأيام أُعجبت به فتاة من عائلة كبيرة كان والدها قد قُدر له أن يكون وزيرًا للمعارف قبل أن يكون رئيسًا لمجلس النواب، لكن مع الوقت استشعر الوالد والابنة الحرج في الإعجاب بشاب بسيط يعمل في محل للموبيليات بالرغم من عذوبة صوته ووسامته. فقرر عبد الغني حينها أن يمتهن الفن، ويصبح واحدًا من كبار مطربي شارع محمد علي (خليل زيدان، محمد عبد الغني السيد: أبي مات بسبب كاريوكا وفايز حلاوة، الكواكب، العدد 2198، 4/12/2012، ص 51).

بدايات الشهرة

كان من حسن حظ عبد الغني السيد أن تعاقد معه ليتو باروخ مدير شركة أسطوانات (أوديون) الألمانية لتعبئة مجموعة من الأسطوانات بالتزامن مع وجود الموسيقار رياض السنباطي للمرة الأولى بالقاهرة. وما إن خرجت تلك الأغنيات إلى السوق حتى فوجئ الجميع بأرقام المبيعات القياسية التي حققتها. وأصبح السنباطي صاحب حجر الأساس في شهرة وانطلاق عبد الغني السيد (عبد القادر صبري، أمير النغم رياض السنباطي، 1995، ص 67). وهكذا جمعته صداقة متينة حينها بكل من السنباطي، ومحمد صادق، وأحمد عبد القادر. ونجح عبد الغني في تعزيز مكانته في الحياة الفنية بعد أن تعاقدت معه سلطانة الطرب منيرة المهدية للعمل بفرقتها المسرحية. ففي مارس عام 1933 قدم معها مسرحية (المخلصة) من تأليف محمد يونس القاضي وتلحين رياض السنباطي، وفي أبريل قدم أوبريت (لولو) من تأليف أمين صدقي (سيد علي إسماعيل، مسيرة المسرح في مصر 1900 - 1935، 2003، ص 379 - 380).

مصاعب وتحديات

لم يكن الطريق نحو المجد مفروشًا بالورود. فقد واجه مطربنا في بداية حياته تحديات عصيبة كادت أن تعصف به. تحدث عنها في حواره لمجلة الإذاعة (المصرية) بتاريخ 3/9/1955. ويمكننا إجمالها فيما يلي:

الحملة التي شنتها عليه الصحافة المصرية، بوصفه (فاتن بنات الذوات). فالصحف والمجلات الفنية راحت تنشر قصصًا ملفقة حول مغامراته العاطفية، وإعجاب الفتيات به في الأفراح. فامتنعت العائلات الكبيرة عن التعاقد معه، وأُغلقت الأبواب في وجهه.

وفشل فيلمي (وراء الستار) عام 1937 نتيجة لرداءة التصوير، وكذلك (شيء من لا شيء) عام 1938 نتيجة للقصة الملفقة والديكورات التي جاءت مكررة من فيلم (لاشين). فأصبح اسم عبد الغني السيد عند المنتجين يعني الفشل.

لم يكن الحال أيضًا في فرقة منيرة المهدية هينًا. ففي أحد العروض طلبت منيرة من عبد الغني أن يحل محل الممثل منسَّى فهمي إثر خلاف حدث بينهما. فأكد لها عبد الغني أنه من المستحيل أن يظهر كممثل على خشبة المسرح بالإسكندرية. واضطر في نهاية الأمر أن يظهر في المساء بملابس سلطانية مضحكة. وعندما دخل عليه الوزير، لم يتمالك ضحكته. ففشل العرض، واضطر المخرج عبد العزيز خليل أن يعتذر للجمهور عن الموقف بسبب غياب الممثل الرئيسي. وطلب عبد الغني من منيرة في النهاية أن يكملا العرض غناءً، لكن الأوان قد فات (دون توقيع، عندما فلشت، الكواكب، العدد 124، 15/12/1953، ص 40).

محطات مضيئة

تعاقدت الإذاعة الحكومية المصرية مع عبد الغني السيد، فأصبح من ألمع نجومها. وكانت برامجها لا تخلو من وصلاته الغنائية في البدايات، خصوصًا مع ألحان رياض السنباطي ومحمد هاشم. كان فيلم (شارع محمد علي) من إخراج نيازي مصطفى (1944) أشهر أعماله السينمائية. كما شارك بالغناء ضمن الفرقة المصرية في أوبريت (العشرة الطيبة) إلى جوار شهرزاد، وبديعة صادق (1946). وكذلك غنى ضمن فرقة (الفن الاستعراضي) إلى جوار فتحية شريف، وبديعة صادق، وجيهان (1948). وشارك بالغناء ضمن فرقة (ملوك الفن) إلى جانب شادية، وتحية كاريوكا، وإسماعيل يس (1952). وكان يطرب الجمهور بملهى (شهرزاد) لصاحبته فتحية محمود (1958). ولا تُنسى مشاركته بنشيد (الجلاء) من ألحان محمد عبد الوهاب، وغناء كوكبة من ألمع المطربين والمطربات (1956).

له مجموعة من الأغنيات البديعة مع ألمع الملحنين أشهرها: (آه من العيون) و(نسيتي حبي بعد اللي كان) ألحان رياض السنباطي، (آه من الزمان والهوى) و(أنا وحدي يا ليل سهران) ألحان محمد عبد الوهاب، (البيض الأمارة) و(ع الحلوة والمُرة) و(يا ولا يا ولا) ألحان محمود الشريف، (أنا متنسيش) ألحان بليغ حمدي إلى غيرها من الأغنيات الرائعة.

صفاته ورحلاته

كان عبد الغني السيد خفيف الظل، لا تفارقه البسمة. كان بارعًا في إلقاء النكات، وتقليد الأصوات. وقد حاول الشاعر الكبير كامل الشناوي أن يقنعه بالمشاركة في الأعمال الاستعراضية للمسارح، وأن يستغل المخرجون مواهبه لكن كان رده "أنا أب لبنات. وأخشى أن يخجلن من أبيهن إذا ترك مهنته الأصلية وهي الغناء، وقام بتمثيل أدوار فكاهية، ومتى؟! بعدما جاوز الخمسين" (كامل الشناوي: نريد من الدولة، الجمهورية، 13/12/1962). جمعته صداقة متينة بالمطربة ليلى مراد وزوجها المخرج أنور وجدي. كما جمعته صداقة قوية بمحمد عبد الوهاب، وكان يرافقه في رحلاته إلى بيروت. كان عبد الوهاب يثق كثيرًا في ذوقه الفني، وإدراكه لجماليات الصوت وحساسيته. أما المطربة نجاة الصغيرة، فكانت لها مكانة خاصة عنده، إذ كان يؤمن بموهبتها الفنية كثيرًا. وعلى عكس الشائع، كان يكن لعبد الحليم حافظ محبة كبيرة، وهو الذي أبلغ الموسيقار محمد الموجي بأن أغنية (صافيني مرة) تناسب طبيعة صوت حليم أكثر منه (محمد عبد الغني السيد، المصدر السابق، ص 52).

عانى عبد الغني السيد في نهاية حياته من جفاء الإذاعة له. وظل يؤكد في أحاديثه الفنية أنه واحد من مؤسسيها فقد غنى أمام الميكرفون في يومها السابع عام 1934، كما أن تسجيلاته لصالحها تجاوزت 130 عملاً، لكن عدد المرات التي كانت تُذاع فيها أغنياته قليلة (عبود فودة، س/ج مع عبد الغني السيد، الجمهورية، 29/5/1961). وقد كافحت زوجته الثالثة السيدة (شجون توفيق راسخ) التي حازت لقب الأم المثالية على مستوى الجمهورية عام 1982، لتربية أولادها: ليلى، إيمان، ومحمد بكل إخلاص ودأب.