رؤى
نجلاء عبد الجوادغزة الممسوحة: قراءة في صور الأقمار الصناعية ومآلات "التهجير الصامت"
2026.10.10
غزة الممسوحة:
قراءة في صور الأقمار الصناعية ومآلات "التهجير الصامت"
حين تفتح خرائط الأقمار الاصطناعية اليوم على قطاع غزة، فإن أول ما يصدمك ليس الركام، بل غياب مدن بأكملها لم تعد مدنًا بالمعنى الذي تحمله الكلمة، بل مساحات ممسوحة عن سطح الأرض، وكأن مخططًا هندسيًّا قرر أن يبدأ من صفر مطلق لا من إعادة إعمار. رفح وتل السلطان، اللتان كانتا قبل ثلاثة أعوام امتدادًا حيًّا لبيوت وأسواق ومدارس ومراكز شبابية وشوارع تعج بالبشر في كل وقت، تحولتا إلى فراغ تتعثر فيه العين قبل أن تتعثر فيه القدم. أما بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا فتحمل صورًا متكررة لا تختلف في جوهرها؛ ركام متفحم فوق ركام، ومبانٍ سوداء تنتصب كشواهد صامتة على ما كان. وخان يونس التي كانت يومًا واحدة من أكبر مدن القطاع وأعرقها، باتت اليوم بالكاد ظلًا باهتًا لاسمها القديم، لا تكاد تجد فيها مَعلمًا يدل على أنها كانت يومًا تحتضن أكثر من أربعمائة ألف نسمة يعيشون حياة طبيعية بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة.
وقد كانت خرائط «جوجل إيرث» تعرض صور القطاع قبل أكتوبر 2023 حتى وقت قريب، وحين تم تحديثها أخيرًا، بات بإمكان أي شخص في العالم أن يجلس أمام شاشة هاتفه ويرى بعيون الأقمار الاصطناعية ما لم تستطع كاميرات الصحفيين نقله بالقدر ذاته من الوضوح. فالصورة الجوية لا تكذب ولا تحتاج إلى تفسير؛ هناك مساحات شاسعة لا لون فيها سوى الرمادي والأسود، حيث كانت الأبنية تصطف وتتراكم طبقة فوق طبقة في واحدة من أكثر بقاع الأرض كثافة سكانية. والمُشاهد الذي يبحث عن أثر حي في هذه الصور لن يجد ما يطمئنه، ولن يجد في الغالب ما يشبه صورة مدينة بأي معنى متعارف عليه.
أما المواصي، تلك الرقعة الساحلية الضيقة الممتدة على امتداد بضعة كيلومترات من الشريط الغربي للقطاع، والتي كانت في أحسن أحوالها مصيفًا متواضعًا ومنطقة زراعية هادئة، فقد تحولت بموجة قرارات عسكرية متتالية إلى ملاذ قسري يضج بعشرات الآلاف من الخيام المتراصة. حيث يعيش بشر حقيقيون، بأسمائهم وتواريخهم وذكرياتهم وآمالهم المُحطَّمة، في ظروف وصفتها منظمات إنسانية دولية موثوقة بأنها دون الحد الأدنى للكرامة الإنسانية، بل دون الحد الأدنى للبقاء الآمن في بعض الأحيان. والمفارقة المؤلمة أن هذا الوضع الذي كان مفترضًا أن يكون مؤقتًا، وأن ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية الكبرى، بدأ يتخذ تدريجيًّا ملامح الدوام؛ فلا خطط إعادة إعمار جدية تلوح في الأفق القريب، ولا أفق سياسيًّا واضحًا يضع حدًّا لهذه الحالة المعلقة بين الحياة والعدم.
هندسة التهجير الصامت.. وكارثة البنية التحتية
لذا تتردد بشكل متزايد تقارير ومزاعم عن عمليات نزوح وهجرة صامتة تجري بمعزل عن أي إعلان رسمي أو تغطية إعلامية واسعة. ثمة حديث عن عائلات بأكملها تغادر عبر معابر محدودة، وعن شركات تسفير ووكالات سفر تنشر بشكل شبه يومي صورًا لمغادرين يتجهون إلى دول مختلفة في أرجاء العالم. وتمتلئ صفحات الجهات العسكرية والإدارية الإسرائيلية المعنية بشؤون المدنيين بتعليقات متكررة ومتشابهة تطالب في جوهرها بشيء واحد: افتحوا المعابر وأخرجونا ولن تروا لنا أثرًا. هذه المعطيات، وإن كانت متناثرة وتحتاج بلا شك إلى تحقق أوسع وتوثيق مستقل ومنهجي، فإنها تكفي لإثارة سؤال مشروع وعاجل: هل نشهد اليوم ملامح تهجير غير معلن يتم بالتدريج وبصمت مدروس؟ وهل يتم ذلك بوعي مَن يقود هذه العملية بأن التهجير التدريجي الصامت أقل إثارة للإدانة الدولية الفورية من أي قرار صريح وعلني يكون من السهل الاعتراض عليه دبلوماسيًّا وإعلاميًّا؟
إن صح هذا الطرح، ولو جزئيًّا، فإننا نكون أمام نمط من التهجير يختلف جوهريًّا عن الصور الكلاسيكية للتهجير القسري التي يسهل توثيقها والتعامل معها قانونيًّا ودوليًّا. فبدلًا من مشاهد القوافل المهجَّرة قسرًا تحت تهديد السلاح، يتشكَّل هنا واقع يجعل البقاء مستحيلًا والرحيل اختيارًا لمَن لا اختيار له. وذلك عبر مزيج مركب من الدمار المادي الكامل للمساكن، وانهيار منظومة الرعاية الصحية، وغياب أي أفق لإعادة الإعمار، وانعدام مصادر الدخل والعمل، وشح المياه والغذاء والكهرباء، فضلًا عن تسهيلات محدودة للمغادرة تجعل من الخروج خيارًا متاحًا نسبيًّا في مقابل استحالة البقاء. هذا الوضع، حتى وإن لم يكن نتيجة قرار سياسي صريح وموثَّق، يفضي من الناحية الفعلية إلى النتيجة ذاتها، وهي إفراغ تدريجي لأرض من سكانها التاريخيِّين.
كما أن الأرقام التي خلَّفتها الحرب وحدها كافية لوصف حجم الكارثة بأبعادها الإنسانية الحقيقية، بمعزل عن أي تأطير سياسي أو أيديولوجي. فبحسب التقديرات المتاحة من مصادر السلطات الصحية المحلية ومنظمات أممية ودولية، يتحدث الجميع عن عشرات الآلاف من الضحايا في صفوف المدنيين، وعن آلاف المفقودين الذين لا يزالون تحت الركام أو بلا أثر موثق. وبين المصابين يحمل الآلاف إعاقات دائمة ستلازمهم طوال حياتهم، بينهم أطفال فقدوا أطرافهم في سنٍّ لم يبلغوا فيها بعد سنَّ المدرسة. ومما يجعل هذه الأرقام أشد وطأة على القلب، أن نسبة الأطفال بين الضحايا كانت مرتفعة بشكل لافت وموثق، في مشهد يصعب على أي تحليل سياسي أو عسكري مهما بلغت مهارته، أن يستوعبه أو يبرره أمام ضمير إنساني حي.
وتمتد الكارثة لتشمل ما هو أبعد من الضحايا المباشرين؛ فالبنية التحتية للقطاع التي كانت أصلًا تعاني من سنوات طويلة من الحصار والإهمال وضعف التمويل، لم تخرج من هذه الحرب جريحة بل خرجت مهشمة. المستشفيات التي صمد بعضها بالكاد حتى نهاية العمليات الكبرى باتت تعمل بجزء ضئيل من طاقتها الحقيقية، ومعظمها يفتقر إلى أبسط المستلزمات الطبية الأساسية. والمدارس التي كانت تستوعب مئات الآلاف من الطلاب تحول معظمها إلى ركام أو إلى ملاجئ مؤقتة لا تصلح لا للتعليم ولا للمأوى اللائق. أما شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء فلا تكاد تعمل، وأرقام الأمم المتحدة تشير إلى أن نسبة كبيرة جدًّا من سكان القطاع لا يحصلون على كميات مياه آمنة كافية للشرب، وهو ما يفتح الباب أمام كوارث صحية إضافية تتشكَّل ببطء وبعيدًا عن الأضواء.
فخ الانفعال.. وغياب المراجعة الذاتية
وعلى الصعيد السياسي، لم يكن المشهد أقل تعقيدًا؛ فمنذ الساعات الأولى للسابع من أكتوبر، انقسم الرأي العام العربي والإسلامي انقسامًا حادًّا ومتسرعًا في الغالب، وغاب النقاش الهادئ والمعمق الذي يستحقه هذا الحدث الكبير بثقله الإنساني والسياسي والتاريخي. وفي غمرة هذا الانقسام نشأت ظاهرة غريبة ومثيرة للتأمل، وهي ثقة هائلة لا تتزعزع عند كثير من المتابعين غير المتخصصين، يُعبر عنها بنبرة القاطع العارف، وكأن الأمر لا يتعلق بمعطيات متشعبة ومعقدة ومتغيرة يصعب على المتخصصين أنفسهم الجزم بتفسيرها، بل يتعلق بمسألة بديهية واضحة كالشمس لا يختلف عليها عاقلان.
وقد غذت هذه الثقة المتضخمة موجات متتالية من التحليلات التي اتسمت بالسطحية والانفعالية معًا. فمَن كان يجزم في اليوم الأول بأن الدبابات ستلقى مصيرها في أزقة غزة ولن تتقدَّم، تحوَّل حين تبيَّن خلاف ذلك إلى الحديث عن مقاومة أسطورية ستستنزف العدو حتى الانهيار. ومَن كان يروِّج لسقوط الاقتصاد الأمريكي جراء مقاطعة بعض السلع والعلامات التجارية لم يتوقَّف ليحسب الأرقام الحقيقية ويقيس فعلية هذه المقاطعة بموازين اقتصادية مجردة من العاطفة. والنتيجة في المحصلة أن الوعي العام ظلَّ طوال شهور الحرب الطويلة يتغذى على مزيج ملتبس ومربك بين الأمنية والوقائع الميدانية، وبين ما يجب أن يكون وما هو كائن على أرض الواقع.
لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا من الناحية الأخلاقية هو أن هذا الانفعال العام، رغم سطحيته في كثير من الأحيان، لم يكن مجردًا من أي دافع أخلاقي حقيقي. فالغضب الذي شعر به الملايين إزاء الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني طوال عقود هو غضب مشروع في جوهره. والتعاطف مع سكان غزة تحت القصف هو تعاطف إنساني طبيعي ومفهوم. والمشكلة ليست في المشاعر ذاتها، بل في التحول المبكر والسريع من المشاعر الإنسانية إلى المواقف السياسية والعسكرية القاطعة، دون منح العقل فرصته في التأمل والتقييم والمساءلة، ودون طرح السؤال الأصعب: ما الثمن الإنساني الحقيقي لهذا المسار؟ ومَن يدفع هذا الثمن في نهاية المطاف؟
ومن أكثر مظاهر هذا النمط إثارة للقلق ظاهرة التنقل السريع للمحللين الإلكترونيِّين بين الملفات الساخنة دون توقف حقيقي عند نتائج الملف السابق. فمَن كان بالأمس يحلل المشهد الفلسطيني بثقة مَن يملك كل الأوراق، أصبح اليوم يحلل الشأن الإيراني أو اللبناني بالثقة ذاتها وبالأدوات ذاتها، ومن المرجح أن ينتقل غدًا إلى ملف آخر دون أن يتوقف لحظة واحدة ليسأل نفسه: هل كانت تحليلاتي السابقة دقيقة؟ هل كانت توقعاتي صحيحة؟ هل ثمة شيء يجب أن أراجعه في طريقة تفكيري؟ هذا الغياب شبه التام للمراجعة الذاتية هو السمة الأكثر استمرارًا والأقل التفاتًا إليها في مسار النقاش العام على مدار هذه الأشهر الطويلة.
وفي المقابل، عانى مَن حاولوا منذ الساعات الأولى طرح تحفظات مشروعة على المسار المتوقع من صنوف الاتهام والإقصاء. فمَن تجرأ على القول إن الرد العسكري سيكون مُدمِّرًا وإن المدنيِّين سيدفعون الثمن الأكبر، ومَن دعا منذ اليوم الأول إلى تبني أي آلية دبلوماسية تضمن الإفراج عن المحتجزين وتجنب الكارثة الإنسانية الكبرى، اتُّهم في أغلب الأحيان بالجبن أو التواطؤ أو الاستسلام للعدو. وبهذا أصبح النقاش العام محكومًا بمنطق الإقصاء لا الإقناع، حيث الأسئلة الصعبة جريمة ومَن يطرحها متهم، بدلًا من أن يكون هذا النقاش فضاءً صحيًّا تتشكَّل فيه رؤى متوازنة قادرة على تقديم البدائل في أوقات الأزمات الكبرى.
بين العجز الدولي.. ووهم إعادة الإعمار
إن المشهد الإنساني الراهن في غزة يستدعي بالضرورة العودة إلى السؤال الأساسي الذي كثيرًا ما يتم تجنبه في النقاشات الحماسية: ما المعيار الحقيقي لتقييم أي عمل سياسي أو عسكري؟ إن كان المعيار هو الأثر الفعلي على حياة البشر ومستقبلهم وقدرتهم على الصمود والاستمرار، فإن الصورة التي تكشفها خرائط الأقمار الاصطناعية اليوم هي الجواب الأوضح على كثير من الأسئلة المؤجلة. وإن كان المعيار هو مدى تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة، فإن تقييمًا نزيهًا لما جرى يستدعي جرأة فكرية نادرة في واقعنا الراهن.
وتبقى قضية «التهجير الصامت» القضية الأكثر إلحاحًا والأصعب إثباتًا في الوقت ذاته. فالتهجير الذي يتم عبر جعل البقاء مستحيلًا لا عبر أوامر صريحة ومعلنة هو شكل من أشكال الهندسة الديموغرافية التي يصعب الإمساك بها قانونيًّا وإدانتها دوليًّا بالأدوات المتاحة. وما يجعل الأمر أشد التباسًا أن بعض مَن يغادرون يفعلون ذلك باختيارهم الظاهر، بل وبرغبة صادقة في الابتعاد عن جحيم لا يُطاق، مما يجعل من السهل على المنتقدين تصوير المغادرة على أنها طوعية حرة لا إكراه فيها. لكن الاختيار الحقيقي يستلزم وجود بدائل حقيقية، وحين تنعدم البدائل ينعدم الاختيار، وما يبقى ليس حرية بل استسلام لما لا مفر منه.
أما على صعيد القانون الدولي الإنساني، فإن ما يجري في غزة قد أثار نقاشات جدية وغير مسبوقة في أروقة المحاكم والهيئات الدولية. فتقارير لجان الأمم المتحدة والمقررين الخاصين تتحدث عن انتهاكات موثقة تستدعي التحقيق والمساءلة، كما أن قضايا قانونية دولية بارزة رفعتها دول عدة أمام محاكم دولية تفتح الباب أمام مسار قانوني طويل وشائك لا تزال فصوله الأولى فقط تتكشف. ولكن بمعزل عن مآلات هذه المسارات القانونية التي قد تستغرق سنوات، تظل الحقيقة الميدانية قائمة: هناك ملايين البشر يحيون اليوم في ظروف بالغة القسوة لم تقترن بأي رؤية واضحة لمستقبل أفضل قريب أو بعيد.
وإذا كانت الصورة الداخلية قاتمة، فإن الصورة الدولية لا تبعث على التفاؤل بدورها. فالانقسام الحاد بين دول العالم في التعامل مع هذه الأزمة أضعف إمكانية التحرك الجماعي الفعال، وجعل كل القرارات والبيانات الصادرة إما مشلولة بحق النقض وإما فاقدة لآليات التنفيذ الحقيقي. وفي غياب آلية دولية ملزمة تتمكَّن من فرض وقف للعمليات وضمان حقوق السكان وإطلاق عملية إعادة إعمار فعلية، تبقى المبادئ المعلنة في الوثائق الدولية حبرًا على ورق يصعب أن يحس بأثره مَن يعيش في خيمة على رمال المواصي.
في السياق ذاته، يبدو أن العالم العربي لم اختلف كثيرًا في إظهار عجزه العملي، رغم الضجيج الإعلامي والخطابي الهائل الذي رافق الحرب طوال مدتها. فالمبادرات الإقليمية ظلت في معظمها في إطار التصريحات السياسية والمساعدات الإنسانية المحدودة التي لم ترقَ في أي لحظة إلى مستوى الكارثة. وهذا الفارق الصارخ بين حجم الخطاب وضخامة الصمت العملي يشكِّل هو الآخر جزءًا من الصورة الكاملة التي لا يمكن استيعاب غزة اليوم دونها.
والأمر الذي يجعل هذه المرحلة مختلفة عن كل مراحل الصراع السابقة هو أن مفهوم إعادة الإعمار نفسه بات محل شك عميق. فإعادة الإعمار تستلزم أولًا استقرارًا سياسيًّا وأمنيًّا يتيح بدء أعمال البناء، وتمويلًا ضخمًا جدًّا لا يبدو في الأفق أن مصادره محددة وملتزمة، وإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف بما فيها الطرف المسيطر على أرض الواقع. وفي غياب هذه المقومات مجتمعة، يتحول الحديث عن إعادة الإعمار إلى خطاب ترفيه يريح ضمير المتحدث لا أكثر، بينما يستمر الواقع في فرض منطقه الخاص المنفصل عن كل هذا الخطاب.
وإذا كان ثمة درس يستحق التأمل في كل ما جرى وما يجري، فإنه يتعلق بضرورة مقاومة إغراء التأطير الأيديولوجي المبكر للأحداث الكبرى. فالأحداث الكبرى دائمًا أعقد مما تبدو في لحظتها الأولى، وأثمانها البشرية الحقيقية لا تتكشف إلا بعد مرور الوقت وانقشاع الغبار. وما نحتاج إليه في مثل هذه اللحظات ليس قدرًا أقل من المشاعر، بل نحتاج إلى قدر أكبر من المسؤولية في التعامل مع هذه المشاعر وتوجيهها نحو ما يخدم الإنسان الحقيقي الذي يقف في قلب الحدث، لا الموقف الأيديولوجي الذي يتخذه مَن يشاهد من بعيد.
في النهاية، وبعد كل هذا الجرد الصعب والمؤلم، يبقى المشهد في غزة اليوم مزيجًا ثقيلًا من دمار مادي هائل غير مسبوق في تاريخ هذه الأرض، وأزمة إنسانية متفاقمة تتجدد يومًا بعد يوم، وغموض سياسي عميق حول أي مستقبل، وجدل أيديولوجي صاخب لا يقترب من جوهر المأساة بقدر ما يدور في فلك صراعات الهوية والكرامة الرقمية. وبين خرائط المحو التي تتكشف للعالم بضغطة إصبع، وتقارير «التهجير الصامت» التي تستحق تحقيقًا صحفيًّا مستقلًا بعيدًا عن ضجيج التدوينات المتسرعة، وعجز المجتمع الدولي عن ترجمة مبادئه إلى فعل، وغياب رؤية إعادة إعمار حقيقية تعيد للبشر إمكانية الحياة في كرامة، يبقى السؤال الأصعب والأكثر إلحاحًا معلقًا في الهواء بلا إجابة: هل ستبقى غزة اسمًا لمكان حي، أم تتحول ببطء ودون ضجيج كبير إلى اسم لذاكرة مؤلمة، لمكان كان يومًا ما وانتهى، كما انتهت قبله أسماء وأماكن أخرى طواها النسيان حين أداروا عنها وجوههم ومضوا؟.