هوامش
نجلاء عبد الجوادما لا يقوله الرقم: رحلة الموت في غزة من الإحصاء إلى الذاكرة
2026.08.15
ما لا يقوله الرقم:
رحلة الموت في غزة من الإحصاء إلى الذاكرة
ثمة لحظة فاصلة يعيشها كل من يتابع مسار الإبادة المستمرة في قطاع غزة، لحظة يكتشف فيها أن الرقم الذي اعتادت عينه على تجاوزه بسرعة في نشرات الأخبار —والذي بات جزءاً من مفردات يومية باردة تتكرر كل صباح دون أن تحرِّك ساكناً في وجدان العالم— ليس في الحقيقة سوى قناع لغوي. قناع يخفي خلفه طفلاً كان يركض في زقاق ضيق، أو أماً كانت تعد طعام الإفطار، أو جداً عجوزاً نجا من نكبة أولى ليموت تحت ركام بيته في نكبة ثانية لم يتخيَّل يوماً أنه سيعيشها.
وما جرى في حي الصبرة بمدينة غزة، حين شُيِّع 112 شهيداً ورفاتاً من عائلتَي "أبو شريعة" و"الحساينة" في موكب واحد امتد من قلب الحي إلى مقبرة المعمداني، لم يكن مجرد خبر عابر يُضاف إلى سجل الضحايا المتضخم. بل كان لحظةً كاشفة لفهم كيف تصنع الحرب من البشر أرقاماً أولاً، ثم تعيدهم بعد سنوات من الانتظار المرير إلى أسمائهم، في مسار طويل ومؤلم يختصر في جوهره مأساة غزة كلها.
المفقودون: في الفراغ بين الحياة والموت
حين فعلت إسرائيل المجزرة في 22 نوفمبر 2023، قبيل ساعات من دخول الهدنة الأولى حيِّز التنفيذ، لم يكن أحد يتخيل أن مربعاً سكنياً بأكمله سيختفي في لحظة واحدة عن خريطة الحياة، تاركاً خلفه عشرات العائلات تحت الركام، دون أن تتوفر المعدات الكافية لانتشالها، ودون أن يعرف أحد على وجه الدقة كم عدد من ابتلعتهم الأنقاض في تلك الليلة.
هنا بالضبط تبدأ حكاية الرقم في غزة؛ فالضحية التي لم يُعثر على جثمانها لا تحصل حتى على شرف أن تكون رقماً واضحاً في إحصائية رسمية، بل تظل معلقة بين الحياة والموت في فئة غامضة اسمها "المفقودون". وهي فئة تحمل قسوة خاصة، لأنها تحرم الأهل من أبسط حقوقهم الإنسانية: حق معرفة مصير من أحبوا، وحق توديعهم، وحق أن يقولوا لهم كلمة أخيرة قبل أن يُواروا الثرى. لقد جرَّدت الحرب الإسرائيلية هؤلاء البشر من زمنهم الخاص، من لحظة موتهم الفعلية، ليصبحوا معلقين في فراغ زمني مؤقت تحدِّده سرعة معدات الحفر، ووفرة الوقود، وتوفر الجرافات، لا سرعة العدالة أو الرحمة.
والمفارقة الأعمق أن هذا التجريد من الاسم ومن اللحظة ليس عارضاً جانبياً للحرب، بل هو من صميم منطقها. فحين يتحوَّل القتلى إلى أرقام مجردة تتردَّد في نشرة إحصائية يومية، يصبح من السهل على الرأي العام العالمي أن يتعامل معها بوصفها بيانات إدارية جافة لا تستدعي الغضب الأخلاقي الذي تستدعيه صورة طفل بعينه أو اسم بعينه. هذا هو بالضبط ما يفسر إصرار المهتمين والمعنيِّين بالتوثيق على مطالبة وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية بنشر الأسماء لا الأرقام فحسب؛ لأن الاسم يعيد للضحية إنسانيتها المسلوبة، بينما يظل الرقم فضاءً رمادياً يمكن التلاعب به وتقليل شأنه والتشكيك فيه، كما جرى بالفعل حين حاولت أطراف عديدة التشكيك في مصداقية إحصائيات وزارة الصحة في غزة، رغم توافقها مع تقديرات منظمات دولية مستقلة عديدة.
استعادة الملامح: إدانة ديموغرافية لآلة الحرب
بعد أكثر من عامين ونصف العام من الانتظار، وتحت وطأة عمل مضنٍ تقوم به طواقم الدفاع المدني بإمكانات تكاد تكون معدومة، وسط نقص حاد في الوقود والمعدات الثقيلة اللازمة لإزاحة أطنان الخرسانة، بدأ هذا الرقم المجرد يتحوَّل تدريجياً إلى 112 جثماناً ورفاتاً تم انتشالها وتوثيق هوياتها بدقة متناهية. من بين هؤلاء 40 طفلاً، و38 سيدة، و7 من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وهذا التفصيل الديموغرافي الدقيق ليس مجرد بيانات إضافية تُذيِّل الخبر، بل هو في حدِّ ذاته إدانة صامتة لطبيعة آلة الحرب الإسرائيلية، التي لم تفرِّق يوماً بين مقاتل ومدني. بل استهدفت النسيج الاجتماعي بأكمله؛ بمن فيه الأطفال الذين لم يبلغوا بعد سنَّ الفهم، والنساء اللواتي كن يمثلن العمود الفقري لبيوت مهدَّمة أصلاً من قبل، وذوو الاحتياجات الخاصة الذين تضاعفت هشاشتهم في ظل غياب أي شكل من أشكال الحماية أو الإنذار المبكر.
جنازة الصبرة: الطقس الجماعي في مواجهة الفقد الفردي
ولعل اللحظة الأكثر دلالة في هذا المسار الطويل هي تلك اللحظة التي خرج فيها آلاف من أهالي غزة —رغم كل ما يعانونه من إنهاك جسدي ونفسي جراء النزوح المتكرر والجوع والخوف اليومي— ليُشيِّعوا هؤلاء الشهداء في موكب واحد امتد عبر شوارع الحي المُدمَّر وصولاً إلى المقبرة.
فهذا المشهد يحمل في طياته معنىً مقاوماً بامتياز؛ إذ يعيد للجماعة المنكوبة سيطرتها الرمزية على مصير موتاها بعد أن سلبتها الحرب الإسرائيلية كل أشكال السيطرة الأخرى، ويحول لحظة الفقد الفردي إلى طقس جماعي يعيد ترميم بعض ما تهدَّم من نسيج اجتماعي كان يوماً متماسكاً. الجنازة الجماعية هنا ليست مجرد إجراء ديني تقليدي، بل هي إعلان صريح بأن هذه الأرواح —رغم أنها تحولت لسنوات إلى مجرد أرقام في تقارير حقوقية باردة— تستحق أن يقف أمامها الأحياء ويقولوا لها "وداعاً" بكل ما تحمله الكلمة من حرارة إنسانية، وأن تاريخها الفردي المتفرد لن يذوب كلياً في الإحصائية الجماعية للحرب.
غير أن هذا التَّحوُّل من الرقم إلى الاسم، رغم أهميته الرمزية والإنسانية، لا يمثل نهاية القصة بأي حال، بل هو في جوهره حلقة واحدة في سلسلة لا تنتهي من الفقد المؤجل. فقد كشفت عملية الانتهاء من انتشال هذا العدد الكبير من الجثامين أن آلافاً آخرين ما زالوا ينتظرون تحت الأنقاض في مواقع أخرى من القطاع، وأن لجان الإشراف نفسها أشارت إلى وجود عشرات من الحالات في هذا الموقع تحديداً لم يُعثر لهم على أي أثر. ما يعني أن عائلات بأكملها ستظل معلقة في حالة انتظار مفتوحة النهاية؛ حالة لا تشبه الحداد التقليدي الذي يمرُّ بمراحله المعروفة نحو نوع من السلام الداخلي، بل هي أقرب ما تكون إلى جرح مفتوح يتجدَّد نزفه كلما انكشف جزء جديد من الركام عن رفات لم يكن أحد يعلم بوجوده.
علم النفس الجنائزي: قسوة الفقد غير المؤكد
وهنا يكمن البُعد النفسي الأكثر إيلاماً في هذه القصة، ذلك أن غياب الجسد يمنع الناجين من ممارسة أبسط طقوس الحداد الإنسانية المعروفة عالمياً. فعلم النفس يؤكد أن غياب اليقين حول مصير من نحب يُشكِّل أحد أقسى أشكال المعاناة النفسية الممكنة؛ إذ يظل العقل عالقاً بين احتمالين متناقضين: احتمال أن يكون الغائب قد مات فعلاً، واحتمال أن يكون لا يزال حياً في مكان ما.
هذا التناقض المستمر يمنع الدماغ من إغلاق الملف نفسياً كما يفعل مع الفقد المؤكد، فتتحول الحياة اليومية للناجين إلى حالة تأهب دائم، وانتظار لا ينتهي، وذنب غامض يراود من نجا لأنه لا يعرف بالضبط ما الذي حدث لمن أحب. وحين يأتي الانتشال بعد سنوات طويلة، فإنه لا يغلق هذا الجرح بقدر ما يعيد فتحه من جديد بطريقة مختلفة؛ إذ يضطر الناجون إلى إعادة معايشة لحظة الفقد من جديد بكل تفاصيلها، بينما كانوا قد بنوا خلال سنوات الانتظار آليات دفاعية هشة لاحتواء الألم، فتنهار هذه الآليات فجأة أمام واقع التأكد الرسمي، ويعاد فتح جرح كان قد بدأ يتقشر ببطء شديد.
ولا يمكن فصل هذا البُعد النفسي الفردي عن بُعد جماعي أوسع يتعلَّق بذاكرة المجتمع الفلسطيني بأكمله في غزة. فحين تتحوَّل مدينة كاملة إلى مسرح متكرِّر لانتشال الجثث بعد سنوات من دفنها تحت الركام، فإن هذا يعني أن الحرب لا تنتهي فعلياً بانتهاء العمليات العسكرية أو توقيع الهدن، بل تظل مستمرة في صورة فصول متلاحقة من كشف الحقيقة المؤجلة. وكل فصل جديد يعيد فتح الجرح الجماعي للمدينة بأكملها، ويذكرها بأن السلام الذي تعيشه ظاهرياً ليس سوى هدنة هشة فوق أرض لا تزال تحمل في باطنها مئات القصص غير المكتملة. وهذا ما يفسر جزئياً لماذا تحتفظ غزة، رغم كل هذا الدمار، بقدرة استثنائية على الحداد الجماعي المهيب؛ فهذه الطقوس ليست مجرد عادة اجتماعية موروثة، بل آلية دفاع نفسي جماعي تحاول من خلالها المدينة أن تستعيد قدراً من السيطرة على معنى الموت في مواجهة عبثية الإبادة الإسرائيلية التي تنزع عن الموت كل معنى وكل كرامة.
الأرقام الباردة وأزمة الضمير العالمي
على المستوى الإعلامي والسياسي أيضاً، تكشف هذه الحادثة عن أزمة أعمق في كيفية تعامل العالم مع مأساة غزة. فبينما تتحوَّل أرقام الضحايا إلى مجرد سطر إحصائي متكرِّر في نشرات الأخبار العالمية —سطر يتغيَّر رقمه كل بضعة أيام دون أن يغيِّر شيئاً في السياسات الدولية أو في وتيرة التفاعل الدبلوماسي— تظل القصص الفردية خلف هذه الأرقام غائبة تماماً عن الوعي الجمعي العالمي إلا في لحظات نادرة كهذه، حين تفرض جنازة جماعية بحجمها المهيب نفسها على المشهد الإعلامي ولو ليوم واحد.
وهذا التفاوت بين ضخامة الفاجعة الإنسانية وضآلة الصدى الإعلامي والسياسي العالمي يعكس بصورة صادمة كيف أصبحت حياة الإنسان الفلسطيني في غزة رهينة منطق إحصائي بارد. منطق يسمح للعالم بالتعايش مع مستويات من القتل والدمار كانت لتشكل في أي سياق آخر صدمة أخلاقية كونية تستدعي تحركاً عاجلاً.
سرعة القتل وبطء العدالة
وثمة سؤال قانوني وأخلاقي عميق يفرض نفسه في قلب هذا المشهد، وهو سؤال عن معنى العدالة في زمن تتحول فيه الجريمة إلى رقم يُراجع ويُصحَّح ويُعاد نشره كل بضعة أشهر، دون أن يقترن ذلك بأي مساءلة فعلية لمن ارتكبها. فالقانون الدولي الإنساني يفترض أن كل ضحية مدنية تُوثَّق هويتها وظروف مقتلها تشُكِّل بذاتها دليلاً يمكن البناء عليه لإثبات وقوع جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
غير أن آلية العمل الدولية القائمة تُحوِّل هذا التوثيق الدقيق إلى أرشيف مُؤجَّل ينتظر محاكم وتحقيقات قد تستغرق سنوات أو عقوداً قبل أن تصدر أحكامها، إن صدرت أصلاً، بينما يستمر العدُّ التصاعدي للضحايا في الواقع دون أن يتوقف انتظاراً لهذه الآلية البطيئة. وهذا التناقض بين سرعة تراكم الأدلة على الأرض وبطء أي استجابة عدلية حقيقية، يفسر جزءاً كبيراً من شعور اليأس المتصاعد لدى الفلسطينيين في غزة، الذين باتوا يدركون أن توثيق مأساتهم بدقة متناهية، مهما بلغت أهميته الرمزية والتاريخية، لا يُترجَم بالضرورة إلى حماية فعلية أو ردع حقيقي لاستمرار العنف.
جيل محكوم بالندوب والانتظار
في نهاية المطاف، تظل قصة جنازة الصبرة الكبرى شاهداً على حقيقة مركزية يصعب الفكاك منها، وهي أن الأرقام في غزة لا تشبه الأرقام في أي حرب أخرى. فهي لا تُحسب لتنتهي عند حدٍّ معين، بل تتوالد وتتكاثر مع كل موجة انتشال جديدة، ومع كل طبقة من الركام تُزاح عن أرض ما زالت تخفي تحتها فصولاً كاملة من مأساة لم تكتب نهايتها بعد.
وبين لحظة الوقوع الأولى حين كان الضحايا مجرد أرقام عابرة في عداد الموت، ولحظة الاستعادة حين تحولوا إلى أسماء وملامح ووداع جماعي مهيب، تتكشف الصورة الكاملة للجرائم الإسرائيلية. جرائم لا تكتفي بقتل الأحياء، بل تصادر أيضاً حقَّ الموتى في أن يُدفَنوا بكرامة، وحقَّ الأحياء في أن يحزنوا بسلام، تاركةً خلفها جيلاً كاملاً من الناجين محكوماً عليه بأن يحمل في وجدانه ندوباً لن تندمل، طالما ظل تحت الركام من ينتظر دوره في التَّحوُّل من رقم صامت إلى اسم يُقال بصوت عالٍ في جنازة أخرى مقبلة لا أحد يعرف موعدها.