عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

في مواجهة مقصلة النيوليبرالية: شباب فرنسا يحرقون وهم "الجمهورية" دفاعاً عن حقهم في المستقبل

2026.10.10

في مواجهة مقصلة النيوليبرالية:

شباب فرنسا يحرقون وهم "الجمهورية" دفاعاً عن حقهم في  المستقبل

 

الهواء في شوارع باريس وليون ومارسيليا لم يعد مشبعاً بعطر الرومانسية البرجوازية الذي تروّج له البطاقات البريدية، بل بات مثقلاً برائحة الغاز المسيل للدموع ودخان الإطارات المشتعلة وحاويات القمامة التي تحولت إلى متاريس. في الأسابيع الأخيرة، ومع دخولنا خريف عام ألفين وستة وعشرين، لم تكن أوراق الشجر وحدها هي ما يتساقط في فرنسا، بل تساقطت معها آخر أوراق التوت التي كانت تغطي عورة "الدولة النيوليبرالية" وأسطورة "الجمهورية التي تكفل المساواة". في الواجهة، لم يقف عمال المصانع أو نقابات النقل هذه المرة، بل وقف مراهقون، شباب في عمر الزهور، طلاب مدارس ثانوية قرروا أن يصرخوا في وجه آلة الطحن الرأسمالية التي تصادر مستقبلهم قبل أن يبدأ.

ما بدأ في السابع عشر من سبتمبر كحراك نقابي مدرسي – وفقاً لما وثقته وكالة الأنباء الفرنسية في تقريرها الاستقصائي عن شرارة الأحداث – تحول في غضون أيام إلى انتفاضة جيلية وطبقية شاملة. انتفاضة عرت الطبيعة المتوحشة للنظام الاقتصادي والسياسي الفرنسي، الذي لا يرى في التعليم العام سوى عبء مالي يجب التخلص منه، ولا يرى في الشباب سوى قوى عاملة رخيصة يجب تدجينها.

 

مدرسة الجمهورية: مصنع للاغتراب وإنتاج اليأس الممنهج

لفهم جذور هذا الغضب الانفجاري، يجب أن نتجاوز السردية السطحية للإعلام الموجه. الحقيقة أن هؤلاء الطلاب هم ضحايا عقود من التفكيك الممنهج للقطاع العام. عندما يقف طلاب مدرسة "لامارتين" شمال العاصمة ليرفعوا لافتات تندد بـ "ساعات من الدروس أكثر من ساعات النوم" – وهي اللافتات التي تصدرت الصفحة الأولى لـ صحيفة ليبراسيون اليسارية في عددها الصادر يوم الخامس والعشرين من سبتمبر – فهم يضعون أصابعهم على جوهر "الاغتراب" الرأسمالي.

النظام المدرسي الفرنسي، بجداوله الممتدة من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً، تحول إلى خط تجميع صناعي مبكر. يترافق هذا مع اكتظاظ خانق في الفصول التي يُحشر فيها خمسة وثلاثون طالباً. الطالب "عبد الرحمن"، في مقابلة أجراها مع موقع ميديا بارت المستقل في الثامن والعشرين من سبتمبر، صرح بوعي طبقي حاد: "كانت درجاتنا تتراجع، ولو لم نتحرك الآن لكان ذلك ينذر بمستقبل سيئ للغاية". هو يدرك، كآلاف من أقرانه المنتمين للطبقة العاملة والضواحي المهمشة، أن هذا ليس مجرد "فشل إداري"، بل سياسة طبقية متعمدة.

التقشف النيوليبرالي: سرقة الأمل لتمويل رأس المال

تتزامن هذه الاحتجاجات الطلابية مع إضرابات عمالية واسعة. السبب المباشر، كما أوردت صحيفة لوموند في تحليلها الاقتصادي بتاريخ الأول من أكتوبر، هو خطط الموازنة الحكومية التي تتضمن اقتطاعات دراماتيكية بقيمة أربعة وخمسين مليون يورو من الإنفاق العام، طالت ميزانية التعليم بشكل مباشر. في المنطق الاشتراكي النقدي، هذه الاقتطاعات هي عملية سطو مسلح على ثروات المجتمع لتمويل الإعفاءات الضريبية للشركات الكبرى.

وعندما يحتج الطلاب على هذا النهج، مدعومين بأربعين بالمئة من معلمي المدارس الابتدائية المضربين (وهي نسبة رسمية أكدتها النقابة الوطنية للتعليم الثانوي)، فإنهم يدافعون عن "المشاع العام". رئيس الاتحاد النقابي لتلاميذ الثانويات، رياض راني، كان دقيقاً عندما صرح لـ إذاعة فرانس إنتر يوم الثلاثين من سبتمبر مرجعاً الحراك إلى "الافتقار العام للموارد".

 

عنف الدولة: حين تتحدث السلطة بلغة الهراوات

كيف ترد "الدولة الديمقراطية" على شباب يطالبون بمعلمين وفصول غير مكتظة؟ الرد جاء مدوياً في البيان الرسمي لوزارة الداخلية الفرنسية مطلع أكتوبر، والذي اعترف باعتقال أكثر من خمسة آلاف مراهق وشاب منذ بداية الأسبوع، منهم ألف وسبعمائة تم توقيفهم في يوم "الجمعة الأسود" وحده. وأشارت الوزارة إلى إغلاق أكثر من أربعمائة مدرسة ثانوية من أصل سبعمائة وخمس وثلاثين طالتها الاحتجاجات، مبررة ذلك بتسجيل إصابات شملت خمسة وستين موظفاً وثمانية وأربعين شرطياً، وتسجيل سبع حوادث استُخدم فيها "حمض الهيدروكلوريك" كمقذوفات.

هذا الرقم الكارثي للاعتقالات ليس مجرد إحصائية، بل وثيقة إدانة تاريخية. قوات مكافحة الشغب لم تكن تحفظ "النظام العام"، بل "النظام الرأسمالي". ورغم محاولات وزير الداخلية، لوران نونيز، تبرير القمع في مؤتمر صحفي نقلته القناة الإخبارية الفرنسية قائلاً: "لا يوجد مبرر للظهور أمام المؤسسات بوجوه ملثمة ومقنعة، وحمل مقذوفات، وانتظار تدخل قوات إنفاذ القانون لمجرد مهاجمتهم"، إلا أنه يتناسى العنف الهيكلي لنظامه. اللقطات التي وثقتها منظمة العفو الدولية فرع فرنسا في تقريرها العاجل، لشرطي يطوق عنق فتاة صغيرة، أو تلك التي وثقها المتظاهرون في بلفور، ليست "تجاوزات فردية"، بل هي "عقيدة أمنية" مصممة لكسر إرادة التمرد.

 

سقوط الأقنعة السياسية والنفاق البرجوازي

في هذا المعترك، تتضح الفرز الطبقي بجلاء. رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، وفي خطاب متلفز بثته القناة التلفزيونية الفرنسية الأولى، جسد الوجه البارد للوسط اليميني النيوليبرالي. وصف التظاهرات بأنها تصرف "غير مسؤول"، مضيفاً بصلف: "لا شيء يبرر تعريض الطلاب والموظفين أو الشرطة للخطر من خلال الألعاب النارية والحرائق". وطالب الأهالي بمنع أبنائهم من التظاهر، في محاولة بائسة لخصخصة القمع. كما نقلت صحيفة لو فيغارو اليمينية عن مصادر حكومية رفض قصر الرئاسة تقديم أي تنازلات قبل بداية العام الدراسي المقبل، ما يعني تأجيل حقوق الطلاب لحسابات الانتخابات الرئاسية.

في المقابل، شكلت تصريحات جان لوك ميلانشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية" (اليسار الراديكالي)، نقطة الضوء الوحيدة. في تغريدة مطولة عبر حسابه الرسمي على منصة التدوينات القصيرة، وتصريحات لاحقة لـ صحيفة لومانيتيه، أكد ميلانشون أن هؤلاء الطلاب "غير ضارين، وحكومة لوكورنو هي من أصدرت أوامر بالقمع". وسلط الضوء على الطابع العنصري للقمع قائلاً إن تعامل الشرطة يتسم بـ "وحشية غير مسؤولة وذات طابع عنصري واضح"، في إشارة إلى أن النصيب الأكبر من عنف الشرطة يقع دائماً على كاهل طلاب ضواحي المهاجرين والطبقات العاملة. رد لوكورنو، الذي نقلته وكالة الأنباء الفرنسية، معتبراً تصريحات ميلانشون "توظيفاً سياسياً وإهانة للشرطة"، لم يكن سوى صراخ الجلاد.

 

أزمة النظام العالمي: الشرارة تعبر الحدود

لأن الرأسمالية نظام معولم، فإن المقاومة تأخذ طابعاً أممياً. لم يكن غريباً أن تمتد شرارة الغضب الطلابي إلى بلجيكا. وفقاً لتقرير مفصل نشرته صحيفة لوسوار البلجيكية يوم الثالث من أكتوبر، بدأ الطلاب في مدينة "لييج" حراكاً مستوحى من أقرانهم في فرنسا، ما دفع السلطات المحلية هناك إلى إغلاق جميع المدارس الثانوية في المدينة استباقياً. هذا الانتقال السريع للعدوى الثورية يؤكد أن ما يجري تعبير عن أزمة هيكلية في النظام الرأسمالي الأوروبي بأسره.

 

نحو "الفصل الثالث": لا عودة إلى الوراء

إن البيان الرسمي الذي نشره الاتحاد النقابي لتلاميذ الثانويات على موقعه الرسمي في الرابع من أكتوبر، والذي دعا فيه للاستمرار في الحراك عبر ما أسماه "حركة الفصل الثالث" مع تنظيم تعبئة وطنية كبرى بمشاركة نقابات التعليم، يمثل رداً حاسماً على غطرسة السلطة.

المعركة تجاوزت مسألة إصلاح جداول مدرسية. لقد أثبت شباب المدارس الثانوية أنهم الفصيل الأكثر جذرية اليوم في مواجهة توحش السوق. ورغم هراوات لوران نونيز والغاز المسيل للدموع، فإن هؤلاء المراهقين لا يحرقون مجرد حاويات قمامة، بل يكتبون شهادة وفاة لسياسات النيوليبرالية، ويفتحون الباب أمام بديل اجتماعي لا بد أن يولد من رحم هذا الغضب.