هوامش
راجي مهديلبنان في عين العاصفة لماذا دخل «حزب الله» على خط الحرب؟
2026.03.14
لبنان في عين العاصفة
لماذا دخل «حزب الله» على خط الحرب؟
هذا هو السؤال الذي طُرح فور صدور بيان الحزب في الساعات الأولى من اليوم الثاني من مارس، عقب استهدافه مواقع للعدو الصهيوني بصلية صواريخ. حمل البيان إجابة بدت غير مقنعة لكثيرين، إذ تحدَّث عن تمادي العدو في انتهاكاته لاتفاق الهدنة لمدة خمسة عشر شهرًا، غير أنَّه بالطبع لم يوضِّح لماذا جاء الرد الآن تحديدًا، وبعد اغتيال خامنئي في سياق الحرب الإمبريالية الصهيونية على إيران.
جزء من المتسائلين ينتمي إلى بيئة المقاومة وأنصارها. وإذا سلّمنا بأنَّ التساؤل حقٌّ للناس، خصوصًا هؤلاء المتعاطفين مع المقاومة، باعتبار أنَّ في لبنان وفي عموم المنطقة قسمًا يرفض أصلًا فكرة معاداة الصهيونية، وقسمًا آخر يرفض المقاومة في نسختها الشيعية، فإننا بحاجة إلى أنْ نضع جانبًا ما يُفهم بالبديهة، أي التزام الحزب بعلاقته بإيران وما يمثله المرشد الأعلى بوصفه زعامةً روحيةً وسياسيةً. علينا أنْ نسأل عمّا هو أهم: هل التوقيت الحالي هو بالفعل الأكثر ملاءمة كي يرد الحزب على ما صمت عنه طيلة خمسة عشر شهرًا؟
فمنذ أواخر عام 2024، كان وقف إطلاق النار عمليًّا من جانب واحد. فإسرائيل لم تتوقَّف عن استهداف عناصر الحزب ومنشآته في الجنوب والبقاع، كما استمرَّت في احتلال النقاط الحدودية، بينما كان الحزب يطالب الدولة اللبنانية - التي التزمت مسار التفاوض وخضعت للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية والعربية، وطاردت سلاح الحزب جنوب الليطاني - بأنْ تؤدي دورها في الدفاع عن سيادة لبنان.
لكن الدولة اللبنانية كانت مشغولةً أساسًا بمحاولة نزع سلاح الحزب، وإثبات جدارتها بثقة الأطراف التي جاءت بجوزيف عون رئيسًا للجمهورية ونواف سلام رئيسًا للوزراء. وهي دولة، في بنيتها، غير مؤهلة أصلًا للعب دور وطني حقيقي في ظلِّ طائفيتها التاريخية.
الأكيد أنَّ التزام الحزب الصمت طوال هذه الفترة كان ناتجًا عن إدراك واقعي للخلل الذي حدث في موازين القوى، ولحجم الضربة التي تعرَّض لها في «حرب الإسناد»، والتي تركته مكشوفًا عسكريًّا وأمنيًّا، ثم سياسيًّا، في مواجهة «حزب القوات» وقطاع كبير من الطبقة السياسية التي هادنها الحزب طويلًا. وبالتالي كان صمته مفهومًا، على الرغم من خطاب الحزب المكابر حول رغبة العدو في تحقيق ما فشل في تحقيقه بالميدان عبر السياسة.
استغل الحزب تلك الفترة بلا شك لترميم جسده التنظيمي والعسكري. غير أنَّ المصادفة وحدها - على ما يبدو - هي التي أدت إلى تزامن اكتمال عملية الترميم مع ثبوت فشل المسار الدبلوماسي، ومع اندلاع الحرب الإمبريالية الصهيونية على إيران، لينخرط الحزب في أتون ما يريده الحلف الإمبريالي الصهيوني حربًا أخيرة قد يتغيَّر بعدها وجه الشرق للأبد.
استراتيجيًّا، لا شك في أنَّ الإمبريالية تريد استسلامًا غير مشروط في المنطقة، استسلامًا لا يمكن مواجهته إلا بالمواجهة المسلحة. لكن السؤال المشروع تكتيكيًّا هو: هل هذه هي اللحظة المؤاتية للاشتباك على مستوى لبنان؟
الجهوزية العسكرية للحزب أقل بلا شك مما كانت عليه في السادس من أكتوبر 2023. ففي ذلك الوقت، لم تكن قدرة الحزب على إيلام إسرائيل محل شك، لكنه حاول ضبط استجابته بما لا يعرِّض لبنان لدمار واسع، رغم كل المؤشرات التي كانت تتصاعد حول اتجاه إسرائيل إلى مجزرة في الأرض المحتلة عمومًا، وفي غزة تحديدًا، وتحللها من كل معادلات الردع التي سادت كوَهمٍ أغرى الحزب بقدرته على ضبط الصراع.
عندما فُتحت جبهة الإسناد بالمستوى الذي شهدناه، وتصاعدت المطالبات من قطاع مناصر للمقاومة ومن داخل الحزب نفسه بضرورة فتح الجبهة على مصراعيها دون تأخير، كانت الإجابات جاهزة:
لبنان لا يتحمل حربًا مفتوحة، والحزب لو فتح الجبهة بالكامل فلن يغيِّر في مصير غزة شيئًا، ولن يجني سوى عزلة محلية وخراب لبناني معمّم سيدفع هو ضريبته.
هنا تبدو المفارقة واضحة:
ما الذي تغيَّر في الحسابات؟
ولماذا سقطت تلك الاعتبارات الآن، تحديدًا في وقت يدرك فيه الجميع أنَّ الحزب بات أضعف من إحداث تأثير عميق في موازين القوى، حتى لو كان بالشراكة مع إيران؟
صحيح أنَّ الحزب يستطيع لعب دور في إشغال الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وصحيح أنَّه قادر الآن على مهاجمة الوجود العسكري الصهيوني في الجنوب اللبناني، لكنه كان قادرًا على لعب هذا الدور أيضًا في الوقت الذي كانت فيه المقاومة الفلسطينية تحاول استهداف تل أبيب بالصواريخ. كما أنَّ الهجوم على نقاط ارتكاز العدو في الجنوب كان متاحًا طوال الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار وحتى عودة الحزب إلى الميدان.
السؤال يظل إذن كما طرحه الحزب نفسه أيام الإسناد:
ما الجدوى؟ وما الكلفة؟
عسكريًّا لا يمكننا الجزم. لكن يمكن القول إنَّ الحرب، من وجهة نظر إقليمية، تستوجب بالفعل انخراط كل القادرين على الانخراط فيها. أما من وجهة نظر لبنانية بحتة، فلم يعد «حزب الله» قادرًا على تغيير اتجاه القطار في لبنان.
فهو يواجه الآن شبه الدولة اللبنانية التي سارعت لإثبات ولائها بتجريم جناحه العسكري ومطاردته في مختلف الأراضي اللبنانية. كما يواجه إسرائيل التي لم تكن تحتاج أصلًا إلى ذريعة لاستئناف صب فاشيتها على لبنان. لكنه يواجه ذلك كله وهو معزول ووحيد، بعدما أسقط بنفسه الاعتبارات السابقة المتعلقة بهشاشة الوضع اللبناني.
المشهد الإقليمي ينطوي على احتمالات شديدة السوء قد تحمل لشعوب المنطقة مستقبلًا أكثر فزعًا مما نعاينه اليوم، كما ينطوي على احتمالات صعبة لما كان يُسمى «محور المقاومة». ففكرة الاستئصال أو التهديد به لم تعد سرًّا؛ فإيران ومَن معها مهددون بالإفناء.
ربما وجد الحزب أنَّ الظرف الإقليمي المُعقَّد هو الفرصة الوحيدة لإعادة تفعيل سلاحه الذي تنبع منه شرعيته الأساسية، حتى لو انطوى ذلك على احتمال تفجير لبنان. وهذه الاحتمالية قائمة، والحزب يدركها جيدًا، وقد تزايدت بعد قرارات الحكومة والخطاب الأخير لرئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي طالب الجيش بنزع سلاح الحزب في كل الأراضي اللبنانية، ولو اقتضى الأمر الاشتباك معه.
يراهن الحزب هنا على عدم رغبة الجيش وقائده رودلف هيكل في الظهور مع الصهاينة في خندق واحد، خندق القتال ضد «حزب الله». لكن ربما تأتي الإجابة من «حزب القوات» وسمير جعجع، الذي كان الأعلى صوتًا في المطالبة بالقضاء على الحزب.
وليست مشكلة جعجع والانعزاليين اللبنانيين في علاقة الحزب بإيران بقدر ما هي في كون تلك العلاقة تدور في إطار العداء لإسرائيل وقتالها. هذا هو جوهر الموقف. ففي لبنان يمكنك أنْ تكون تابعًا لأي سفارة، إلا السفارة الإيرانية.
أثناء كتابة هذه الكلمات، تصب الصهيونية جحيمها على لبنان، خصوصًا الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أوامر إخلاء لسكانها. وفي الوقت نفسه يشتبك الحزب مع قوات العدو البرية المتوغلة في الجنوب، ويحاول التصدي لمحاولات إنزال في البقاع، حيث يحتفظ بجزء من صواريخه محصَّنًا في الجبال. كما يحاول تهديد العمق الإسرائيلي بالقصف الصاروخي بالتزامن مع القصف الإيراني، في محاولة لإغراق منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية.
ولا شك أنَّ دخول الحزب، كما دخول الفصائل العراقية، على خط الحرب كان مطلبًا إيرانيًّا هدفه توسيع الجبهة أمام القوات المعادية. كما لا شك أنَّ إسرائيل بحاجة إلى مَن يقاتلها ويحاول ردعها. غير أنَّ القتال، كي لا ينتهي بعكس ما يتمناه المقاتلون، يجب أنْ يرتكز على الناس الذين يعانون ويئنون. هؤلاء بحاجة حقيقية إلى الفهم كي يستطيعوا الصمود في وجه مأساة إنسانية غير مسبوقة.
لسنا ممَّن يقول إنَّ الحزب جلب الخراب على لبنان بقتاله إسرائيل، بل بمفهومه عن المقاومة وممارسته لها. فالحزب يقاتل كما قاتل من قبل، ويقدِّم خيرة كوادره في معارك ملحمية. لكن لكي ينتصر الدم على السيف فعلًا، يجب أنْ تكون المقاومة عابرة للخندق الطائفي.
أخطر ما يواجهه الحزب في هذا الظرف هو العزلة المحلية، وهي الحالة التي ساهم هو نفسه في تعزيزها. ومن حقِّ النازحين أنْ يفهموا لماذا ينزحون الآن تحديدًا، وعلى أي أساس اتُّخذ القرار.
فما يجهزه العدو للبنان يتطلب جهدًا شعبيًّا واسعًا لصده، ويتطلب كذلك عزل الأطراف اللبنانية التي ظلَّت تستجدي الوسطاء وتريق ماء وجهها على أعتاب السفاراتث؛ طلبًا لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتنفيذ إسرائيل التزاماتها في اتفاق وقف إطلاق النار.
ليس على لبنان أنْ يربط مصير سيادته وتحرير ترابه بما سيجري في طهران، بل عليه أنْ يصنع مصيره بقواه الحية؛ لأنَّه على الأرجح، إذا طُرحت صفقة ما لوقف الحرب على إيران، فسيكون الحزب أحد أثمانها، أي سيُترَك لمصيره معزولًا محليًّا وإقليميًّا في مواجهة الاحتلال الذي يطمح إلى خلق حزام أمني في لبنان قد يصل إلى حدود الليطاني.
قد يكون الحزب بالفعل قد اختار توقيتًا خاطئًا بحسابات ضبابية، غير أنَّ مطالبته بتسليم سلاحه الآن لن توقف العدوان، بل ستغري إسرائيل بتصعيد الضغط لانتزاع كل ما يمكن انتزاعه.
صحيح أنَّ الثمن الذي يدفعه اللبنانيون كبير، وهو أحد مصادر النقمة على الحزب في الوقت الراهن، إلا أنَّ لبنان ليس أمامه سوى خيارين:
إما تعزيز المقاومة في معركة حاسمة قد انطلقت بالفعل، أو الاستسلام الذي لن يجلب سوى مزيد من الخراب.
إنَّ المعركة الحالية فاصلة في تاريخ الحزب وتاريخ لبنان. تحاول فيها إسرائيل فرض هيمنتها، وقد تنجح في تدمير لبنان، لكن من الضروري ألا تثبت هذه الهيمنة، وأن يكون ثمنها باهظًا يفوق قدرة إسرائيل على الاستمرار في دفعه - بقدر ما يدفع لبنان من ثمن.