هوامش
صفاء شاكرلولا في ولايته الرابعة: هل وقفت البرازيل يومًا على «مسافة متساوية» من إسرائيل وفلسطين؟ (1 - 2)
2026.10.31
لولا في ولايته الرابعة:
هل وقفت البرازيل يومًا على «مسافة متساوية» من إسرائيل وفلسطين؟ (1 - 2)
«لولا يفوز بولاية رابعة في عودة درامية خلال الانتخابات البرازيلية». هكذا عنونت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) خبرها، بعد أنْ حصل الزعيم اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا على 51.79% من الأصوات في جولة الإعادة يوم 25 أكتوبر 2026، ليصبح أول رئيس منذ عودة البرازيل إلى الحكم المدني عام 1985 يفوز بعد خسارته الجولة الأولى. وقال لولا لأنصاره المحتشدين إنَّ فوزه «هزيمة للسلبية والأكاذيب».
كانت النتيجة مفاجئة؛ فمنافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، تصدَّر الجولة الأولى في الرابع من أكتوبر بنسبة 47% مقابل 45% للولا. غير أنَّ معسكر لولا ركّز جهوده على رفع نسبة المشارَكة بعد أنْ امتنع نحو 33 مليون ناخب عن التصويت في الجولة الأولى، فشهدت جولة الإعادة أكبر تراجع في نسبة الامتناع بين جولتين رئاسيَّتين منذ عام 1989، وانتهت بفارق بلغ 4.4 مليون صوت، وهو فارق يُضعف أي طعن في النتيجة. ومع ذلك، رفض فلافيو بولسونارو الاعتراف بها وطالب بإلغائها.
وجاء ردُّ فعل الأسواق سلبيًّا؛ إذ افتتحت بورصة ساو باولو تعاملاتها على انخفاض بنسبة 15%، ما أدى إلى تعليق التداول لفترة وجيزة. أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فلمَّح إلى أنَّ الانتخابات «سُرقت»، وهو الذي سبق أنْ أعلن دعمه لبولسونارو الأب، الذي يقضي حكمًا بالسجن 27 عامًا بعد إدانته بمحاولة انقلاب إثر خسارته انتخابات 2022 أمام لولا، كما استقبل الابن في البيت الأبيض في وقت سابق من هذا العام. في المقابل، توالت التهاني من قادة من مختلف الأطياف، من رئيسة المكسيك اليسارية كلوديا شينباوم، إلى رئيسة بيرو اليمينية كيكو فوجيموري، ومن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إلى رئيسَي تشيلي والإكوادور.
وبفوزه، يصبح لولا، الذي أتمَّ عامه الحادي والثمانين، أول رئيس في تاريخ البرازيل يُنتخب لولاية رابعة تمتد حتى عام 2030، بعد ولايتين بين 2003 و2010 وثالثة بدأت عام 2023. وفي ردٍّ مباشر على سعي ترامب إلى إحياء «مبدأ مونرو» وترسيخ الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي، شدَّد لولا في خطاب النصر على أنَّ البرازيل «لن تقبل أنْ تكون فناءً خلفيًّا لأي أحد».
إسرائيل في قلب المعركة الانتخابية
لم تكن السياسة الخارجية غائبةً عن هذه الانتخابات. فقد سارع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى تهنئة مرشح أقصى اليمين فلافيو بولسونارو بتصدُّره الجولة الأولى، وحثّه على مواصلة المعركة في جولة الإعادة. ولم يكن ذلك مستغربًا؛ ففلافيو، مثل والده، داعم صريح لإسرائيل، يظهر مرارًا في تجمعات حاشدة ترفرف فيها الأعلام الإسرائيلية، وقد تعهَّد خلال زيارته الرابعة لإسرائيل هذا العام بنقل سفارة بلاده إلى القدس إذا انتُخب.
هذا الاهتمام الإسرائيلي المبكِّر يطرح سؤالًا أعمق من مجرد تفضيل مرشح على آخر: هل كانت البرازيل، كما تقول روايتها الرسمية، تقف فعلًا على «مسافة متساوية» من إسرائيل وفلسطين قبل أنْ يأتي بولسونارو فيكسر هذا التوازن؟ أم أنَّ الصورة أعقد من ذلك؟.
من أين جاءت «المسافة المتساوية»؟
يعود المصطلح إلى مبدأ «المسافة البراغماتية المتساوية» الذي أرساه الرئيس البرازيلي الأسبق جيتوليو فارغاس (1882 - 1954) لإدارة علاقات بلاده خلال الحرب العالمية الثانية، بين عامَي 1939 و1942. لم يكن المبدأ تعبيرًا عن حياد آيديولوجي، بل عن واقعية نفعية استثمرت حاجة المعسكرين المتصارعين، الولايات المتحدة وألمانيا النازية، إلى موقع البرازيل على الأطلسي وثرواتها الطبيعية. فباعت البرازيل لألمانيا القطن والبن والحديد مقابل السلاح، وفاوضت واشنطن على قروض لبناء بنيتها التحتية. وكان أبرز ثمار هذه السياسة تأسيس الشركة الوطنية للحديد والصلب في «فولتا ريدوندا»؛ فحين تباطأت ألمانيا في توريد المعدات الثقيلة، لوَّح فارغاس بالتقارب مع «المحور»، فسارعت واشنطن إلى تقديم تمويل بقيمة 20 مليون دولار لضمان بقاء البرازيل في صفها.
لكن هذه المسافة لم تصمد طويلًا. ففي عام 1942، ومع تزايد الضغوط الأمريكية وإغراق الغواصات الألمانية سفنًا تجارية برازيلية، انحازت البرازيل رسميًّا إلى الحلفاء، بل أرسلت قوات للقتال في أوروبا. وهكذا وُلد المفهوم منذ البداية بوصفه أداة لتعظيم المكاسب، لا موقفًا مبدئيًّا ثابتًا.
مَن يصنع السياسة الخارجية البرازيلية؟
ظلت وزارة الخارجية البرازيلية، المعروفة باسم «إيتاماراتي» (Itamaraty)، تتمتع لعقود باستقلالية بيروقراطية لافتة في صنع السياسة الخارجية؛ إذ كان الرؤساء قبل عام 1994 يعتمدون عليها اعتمادًا كبيرًا، ونادرًا ما يسافرون، وحين يشاركون في العمل الدبلوماسي يكون ذلك في قمم وزيارات تُرتَّب نتائجها سلفًا. ويرى عدد من المراقبين أنَّ البرازيل شهدت منذ عهد فرناندو هنريكي كاردوسو (1995 - 2002) عملية «إضفاء الطابع الرئاسي» على السياسة الخارجية، فأصبح «النشاط الدبلوماسي الرئاسي المنتظم» سمة مميزة لعهدَي كاردوسو ولولا، وتراجع الدور المحوري لإيتاماراتي، وإن احتفظت بميزة الخبرة في إدارة الأزمات الدولية والقانون الدولي.
وتتوزَّع إدارة السياسة الخارجية في حكومة لولا الحالية بين ثلاث جهات: الرئيس نفسه بنشاطه الخارجي المعروف وطموحه إلى دور قيادي دولي يدفعه أحيانًا إلى مواقف نقدية حادة، وهيئة مستشاريه الخاصة برئاسة سيلسو أموريم وزير الخارجية في ولايتيه الأوليين ووزير الدفاع في جزء من عهد ديلما روسيف، وهي هيئة تعمل بعيدًا عن الأضواء لكن نفوذها حاسم، ثم وزارة الخارجية برئاسة ماورو فييرا، صاحب النهج الأكثر اعتدالًا من أموريم.
وقد سعت حكومة لولا منذ 2023 إلى التمايز بوضوح عن حكومة بولسونارو (2019 - 2022) واستعادة «مكانة البرازيل وهيبتها» بعد سنوات من الانكفاء. فأجرت تغييرات واسعة في المناصب العليا بالخارجية، وكثّفت حضورها الدولي برئاسة مجموعة العشرين عام 2024، واستضافة مؤتمر المناخ (COP30) في مدينة بيليم عام 2025، وجولات خارجية منها زيارة لولا لمصر وإثيوبيا في فبراير 2024.
الرواية السائدة: توازن ينكسر ثم يُستعاد
تذهب الأدبيات المتعلقة بالسياسة الخارجية البرازيلية في مجملها إلى أنَّ البرازيل حافظت على علاقات إيجابية مع إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948، وأنَّ موقفها من الصراع اتسم تاريخيًّا بـ«التوازن على مسافة متساوية»، مع أزمات متقطعة تُعد استثناءً من القاعدة. وتحصي هذه الأدبيات ثلاث نقاط تَحوُّل:
الأولى في عهد إرنستو غايزل (1974 - 1979)، حين قادت سياسة «البراغماتية المسؤولة» البرازيل، في خضم أزمة النفط، إلى التقارب مع الدول العربية، لا سيما العراق، وإلى التصويت لصالح قرار الأمم المتحدة رقم 3379 لعام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية. ولم يُطوَ هذا الفصل إلا في عهد فرناندو كولور دي ميلو (1990 - 1992)، حين شاركت البرازيل في اقتراح إلغاء القرار، بما أعاد «تطبيع» العلاقات مع إسرائيل.
الثانية في عهدَي لولا (2003 - 2010) وروسيف (2011 - 2016)، حين عزَّزت سياسة التعاون بين بلدان الجنوب التقارب مع الدول العربية، فوُلدت قمة دول أمريكا الجنوبية والدول العربية، وسعى لولا إلى دور الوسيط في الصراع العربي - الإسرائيلي وفي الملف النووي الإيراني، وهي مبادرة فسرتها إسرائيل عملًا عدائيًّا.
الثالثة في ولاية لولا الثالثة، مع وصفه حرب إسرائيل على غزة بـ«الإبادة الجماعية»، ومقارنتها بما فعله النازيون باليهود، ما دفع إسرائيل إلى إعلانه «شخصًا غير مرغوب فيه»، وردَّت البرازيل بسحب سفيرها فريدريكو ماير من تل أبيب، ولم يعد إليها منذ ذلك الحين.
وبين الثانية والثالثة تضع هذه الأدبيات حكومة بولسونارو بوصفها انقلابًا صريحًا على مبدأ التوازن وانحيازًا معلنًا لإسرائيل، وتفسِّر أزمات لولا الدبلوماسية مع إسرائيل، جزئيًّا، بأنها رد فعل مضاد لهذا الانحياز.
سجل لولا وروسيف الفلسطيني
لا شك أنَّ السجل الدبلوماسي لحكومات حزب «العمال» يدعم هذه الرواية في ظاهره. فمنذ أيامه الأولى في الحكم افتتح لولا مكتبًا تمثيليًّا في رام الله برئاسة دبلوماسي برتبة سفير. وفي مارس 2010، خلال أول زيارة رسمية لرئيس برازيلي إلى إسرائيل والأراضي المحتلة، تحدَّث عن ضرورة «إنهاء الحصار القاسي الذي يتعرَّض له الشعب الفلسطيني»، وقال إنَّ الجدار العازل «يفرض ثمنًا باهظًا من المعاناة الإنسانية»، وانتقد الاستيطان بوصفه «مبادرات أحادية» تشل المفاوضات وتؤجِّج الأصولية. ورفض زيارة قبر تيودور هرتزل، مؤسِّس الحركة الصهيونية، فقاطعه وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، ثم ظهر في اليوم التالي مرتديًا الكوفية الفلسطينية وهو يضع إكليلًا من الزهور على ضريح ياسر عرفات.
وكان لولا قد قدَّم نفسه، قبل الزيارة، وسيطًا محتملًا يتحلى بالحياد «ليقول الحقيقة للإسرائيليِّين والفلسطينيِّين والإيرانيِّين والسوريِّين»، وانتقد علنًا عجز الولايات المتحدة عن رعاية التسوية، داعيًا إلى نقل الإشراف على المفاوضات إلى الأمم المتحدة، في تعبير عن تفضيل برازيلي لبديل «ما بعد أمريكي» تؤدي فيه البرازيل دور «الصوت المتوازن».
وفي 3 ديسمبر 2010 أعلن لولا اعتراف البرازيل بفلسطين دولةً على حدود 1967، استجابةً لطلب من الرئيس محمود عباس، الذي جاء بعد أقل من شهر إلى برازيليا ليضع حجر الأساس لأول سفارة فلسطينية في أمريكا اللاتينية. وكانت البرازيل آخر دول «بريكس» اعترافًا بفلسطين، لكن خطوتها فتحت الباب في قارتها؛ فسرعان ما تبعتها الأرجنتين وأوروغواي، ثم ست دول أخرى.
وواصلت روسيف النهج نفسه: فطالبت من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2011 بعضوية كاملة لفلسطين، وصوَّتت بلادها لصالح عضويتها في اليونيسكو في أكتوبر من العام نفسه، ثم لصالح منحها صفة دولة مراقب غير عضو في نوفمبر 2012. وقادت البرازيل مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين تكتل «ميركوسور» والسلطة الفلسطينية الموقّعة في ديسمبر 2011، وهي اتفاقية رمزية في جوهرها لضآلة حجم التجارة، لكنها وضعت فلسطين على قدم المساواة مع إسرائيل، الدولة الوحيدة الأخرى من خارج المنطقة التي ترتبط بمثل هذا الاتفاق مع التكتل. كما رفعت البرازيل مساهمتها في ميزانية «الأونروا» من 200 ألف دولار عام 2010 إلى نحو مليون دولار في العام التالي، ثم تعهدت بـ7.5 مليون دولار لعام 2012، لتصبح أكبر مانح للوكالة بين دول «بريكس». وفي عام 2015 رفضت روسيف قبول داني دايان، أحد قادة المستوطنين في الضفة الغربية، سفيرًا لإسرائيل لدى البرازيل.
القراءة المضادة: الاستمرارية أعمق من القطيعة
غير أنَّ دراسة حديثة للباحث البرازيلي برونو هوبرمان بعنوان «دبلوماسية السلاح: العلاقات البرازيلية الإسرائيلية من لولا إلى بولسونارو ثم العودة إلى لولا» (مجلة «لوا نوفا»، ساو باولو، 2026) تقلب هذه الصورة رأسًا على عقب. فبفحص العلاقات بين 2003 و2026، يخلص هوبرمان إلى أنَّ أوجه الاستمرارية تفوق أوجه القطيعة، لا سيما في البعدين الاقتصادي والأمني، وأن «التوازن على مسافة متساوية» لم يتحقَّق فعليًّا في هذين المجالين، بل ظلَّ حبيس المستويين الخطابي والدبلوماسي.
فالخطابات والمبادرات الدبلوماسية وأنماط التصويت في المنظمات الدولية، إذا حُللت بمعزل عن غيرها، توحي بتحوُّل عميق في عهد بولسونارو. لكنها تحجب حقيقة أنَّ الأسس المادية والمؤسسية لتوثيق الروابط مع إسرائيل وُضعت في عهد حكومات حزب «العمال» نفسها. صحيح أنَّ الدوافع اختلفت: فلولا أراد تقديم البرازيل فاعلًا عالميًّا عبر الوساطة في الشرق الأوسط، وبولسونارو تعامل مع إسرائيل جزءًا من تحالفه مع اليمين المتطرف العالمي. لكن النتيجة كانت واحدة: توسيع الروابط الاقتصادية، لا سيما في القطاع الأمني. وتمثل اتفاقية التجارة الحرة بين «ميركوسور» وإسرائيل، الموقّعة عام 2007، العلامة الأبرز على ذلك.
وينطلق هوبرمان من فرضية مفادها بأنَّ إسرائيل، منذ ستينات القرن العشرين، تعتمد «دبلوماسية السلاح»، أي تحويل التجارة والتعاون الأمني إلى أداة نفوذ سياسي تصل بها إلى حيث تعجز الدبلوماسية التقليدية، وتؤثر بها في الفاعلين الحكوميِّين وغير الحكوميِّين داخل البلدان المستهدفة. وهذا ما يفسِّر، في رأيه، كيف نسجت قطاعات من اليمين البرازيلي، بما فيها فئات من القوات المسلحة، تحالفات مع نظرائها الإسرائيليِّين في مواجهة حكومات حزب «العمال».
أربعة تصورات خاطئة
ويرصد هوبرمان في الأدبيات السائدة أربعة تصورات خاطئة، لا يقصد بها أخطاء في الوقائع، بل أطرًا تفسيرية متكرِّرة تعاني قصورًا تحليليًّا أو تحيزًا آيديولوجيًّا، وتؤدي دورًا في إسكات النقاش حول الطابع الاستعماري للقانون الدولي والاقتصاد السياسي للأمن:
التصور الأول يصف مؤيدي «حل الدولتين»، مثل البرازيل، بأنهم يقفون على مسافة متساوية متحررة من الآيديولوجيا. غير أنَّ هذا الموقف، وفق الأدبيات النقدية في القانون الدولي، يمثل اصطفافًا مع نظام دولي دافع تاريخيًّا عن الاستعمار الاستيطاني لفلسطين. فقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 صاغته لجنة دولية خلت من أي ممثل عربي وتجاهلت المطالب الفلسطينية، ثم أقرَّته جمعية عامة تهيمن عليها القوى الاستعمارية، فكان «تعبيرًا عن حكم دولي بواسطة القانون، لا عن سيادة القانون». ومن ثم فإن مصطلح «المسافة المتساوية» يؤدي وظيفة آيديولوجية هي التستر على نظام عالمي يصب في مصلحة إسرائيل.
التصور الثاني يدرس العلاقات استنادًا حصرًا إلى تصريحات الدبلوماسيِّين وكبار المسؤولين وأداء المندوبين في المؤسسات متعددة الأطراف، مع إهمال العوامل الاقتصادية. ووفق هذا النهج يبدو بولسونارو صانع قطيعة كبرى، بينما كانت سياسته الخارجية عمومًا «ضجيجًا أكثر منها فعلًا»، ولم تُحدث خطاباته العدوانية تغييرات عملية جوهرية، فاتسمت حكومته باستمرارية تفوق ما توحي به خطاباته. وقد أظهرت دراسات أخرى استمرار نمو التبادل التجاري في عهدَي روسيف وميشال تامر (2016 - 2018)، وأن خطابات لولا الناقدة لإسرائيل لم تُترجم قط إلى تدابير تحد من جرائمها بحق الفلسطينيِّين.
التصور الثالث يفترض أنَّ «العالم العربي» يتحرَّك ككتلة متضامنة مع الفلسطينيِّين، وأنَّ اقتراب البرازيل من إسرائيل يعني حتمًا ابتعادها عن العرب. غير أنَّ هذا الافتراض سقط على الأقل منذ معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية عام 1979، ثم مع حرب الخليج واتفاقات أوسلو، وصولًا إلى «اتفاقات أبراهام» عام 2020 التي طبّعت بها الإمارات والبحرين والسودان والمغرب علاقاتها مع إسرائيل، تمهيدًا لعلاقات تجارية في مجالَي الأمن والتكنولوجيا تحديدًا.
التصور الرابع يركز على القيود التي تواجهها البرازيل وحدها، ويغفل استراتيجيات إسرائيل الدولية. فالمجمع العسكري الأمني الصناعي الإسرائيلي أصبح منذ الستينات من أهم مصادر قدرتها التنافسية عالميًّا، بفضل تحالفها مع الولايات المتحدة، وقدرتها على تحويل خبرتها في استعمار الأراضي الفلسطينية إلى سلعة تصديرية تحقق تراكم رأس المال والمكانة السياسية معًا.
ما تخفيه الأرقام عن الخطاب
هنا تكمن الفجوة الكبرى في الأدبيات: إغفال الاقتصاد السياسي للعلاقة، لا سيما تجارة المنتجات والخدمات الأمنية. فبين عامَي 2003 و2022، كانت البرازيل عاشر أكبر مشترٍ للسلاح الإسرائيلي، وكانت إسرائيل سادس أكبر مورِّد للسلاح إلى البرازيل. وتُظهر بيانات التبادل التجاري بين البلدين نموًا متواصلًا بين عامَي 2000 و2025 بلغ ذروته منذ عام 2020، بينما تراجعت مشتريات السلاح نسبيًّا في عهد بولسونارو، ثم عادت إلى الارتفاع الطفيف في ولاية لولا الثالثة.
بعبارة أخرى، اشترى «اليسار» البرازيلي من السلاح الإسرائيلي أكثر مما اشتراه «اليمين» الذي رفع الأعلام الإسرائيلية في تجمعاته. كيف حدث ذلك؟ ومَن هم الفاعلون الذين نسجت معهم إسرائيل هذه الشبكة داخل الدولة البرازيلية؟ وإلى أي حدٍّ قيَّدت هذه الشبكة يد لولا حين أراد معاقبة إسرائيل على الإبادة في غزة؟ هذا ما نتتبعه في الحلقة الثانية.
(يتبع)
* * *
المراجع:
• إيوني ويلز وحفصة خليل، «لولا يفوز بولاية رابعة في عودة درامية خلال الانتخابات البرازيلية»، «بي بي سي عربي»: https://www.bbc.com/arabic/articles/cmj47znkje1jo
• Bruno Huberman, «Arms Diplomacy»: Brazil-Israel Relations from Lula to Bolsonaro and Back to Lula, Lua Nova, São Paulo, 127, e127044bh, 2026.
• Giselle Datz and Joel Peters, Brazil and the Israeli - Palestinian Conflict in the New Century: Between Ambition, Idealism and Pragmatism, Israel Journal of Foreign Affairs, VII:2, 2013.
• Mateus Bilhar, Brazil's Pragmatic Equidistance: Hedging and the Second World War, International Relations, 2023.
• CEBRI: The Brazilian Government of Lula in the Face of the Gaza War: https://cebri.org/revista/en/artigo/157/the-brazilian-government-of-lula-in-the-face-of-the-gaza-war-a-predictable-stance-in-a-radicalized-context