هوامش
صفاء شاكرلولا في ولايته الرابعة: هل وقفت البرازيل يومًا على «مسافة متساوية» من إسرائيل وفلسطين؟ (2 - 2)
2026.11.07
دبلوماسية السلاح:
كيف قيّدت إسرائيل يد البرازيل من لولا إلى بولسونارو ثم لولا
توقَّفنا في الحلقة الأولى عند مفارقة لافتة: فالبرازيل التي اعترفت بفلسطين، وقادت حملات دعمها في الأمم المتحدة، ووصف رئيسها حرب غزة بـ«الإبادة الجماعية»، كانت في الوقت نفسه عاشر أكبر مشترٍ للسلاح الإسرائيلي بين عامَي 2003 و2022. وبينما تقرأ الأدبيات السائدة العلاقة بين البلدين من خلال الخطابات وأنماط التصويت، يقترح الباحث البرازيلي برونو هوبرمان قراءتها من خلال العقود والصفقات، أي من خلال ما يسميها «دبلوماسية السلاح» الإسرائيلية. في هذه الحلقة نتتبع كيف عملت هذه الدبلوماسية عبر أربع حكومات برازيلية متعاقبة.
ما «دبلوماسية السلاح»؟
لا تكفي الدبلوماسية «التقليدية» لتفسير كيف نجحت إسرائيل في توسيع نفوذها الدولي رغم سياساتها المرفوضة عالميًّا تجاه الفلسطينيِّين. فثمة نمط أقل ظهورًا تسعى إسرائيل من خلاله إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من تصدير خبراتها العسكرية: منظومات أسلحة متطورة، وتقنيات عسكرية، وأنظمة مراقبة. وبالنسبة إلى دولة صغيرة محدودة القدرة على المنافسة في السوق العالمية، تحفِّز تجارة الأمن تطوير تقنيات تغذِّي قطاعات أخرى كالتكنولوجيا المتقدمة. وهكذا أصبحت «دبلوماسية السلاح» محور علاقات إسرائيل الخارجية ودفاعها وتجارتها، تمنحها المكانة والنفوذ والردع، وتضمن تغليب مصالحها في القضية الفلسطينية وفي مواجهة خصومها، مثل إيران.
ويوجد في إسرائيل أكثر من 120 شركة متخصِّصة في الصناعات العسكرية، تغطي كل شيء تقريبًا من الذخيرة إلى الصواريخ وأجهزة الرادار والطائرات المسيّرة. وقد ارتفعت صادراتها من السلاح ارتفاعًا ملحوظًا منذ عام 2006، فبلغت 6.5 مليار دولار عام 2011، و7 مليارات عام 2012، ونحو 7.5 مليار عام 2014، مع تقديرات بحثية تقترب بها من 10 مليارات. وتستحوذ إسرائيل اليوم، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، على نحو 3% من صادرات السلاح العالمية، لتدخل نادي «العشرة الكبار» في هذه السوق.
وعلى امتداد العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تنوَّعت وجهات هذه الصادرات من الشمال إلى الجنوب العالمي، فتقرَّبت إسرائيل من أذربيجان والبرازيل وكولومبيا، بل ومن خصوم سابقين كالهند والصين وروسيا. والحالة الهندية كاشفة: فمنذ تفجيرات مومباي عام 2008 اتجهت الهند إلى إسرائيل طلبًا لخبرات «مكافحة الإرهاب» في المدن، ومع وصول ناريندرا مودي إلى الحكم عام 2014، تحوَّلت الهند، التي كانت متعاطفة تاريخيًّا مع الفلسطينيِّين، إلى أكبر مستورد للمعدات الأمنية الإسرائيلية في هذا القرن، وإلى ممثل للمصالح الإسرائيلية في جنوب آسيا.
عودة إسرائيل إلى أمريكا اللاتينية
في تسعينات القرن العشرين، لم تكن أمريكا اللاتينية على رادار الاهتمام الإسرائيلي؛ فالمسافة بعيدة، واقتصادات القارة مضطربة، وكانت الصناعات الدفاعية الإسرائيلية تبحث عن أسواق أكثر ازدهارًا في الهند والصين وتركيا. لكن منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهد تجدُّد هذا الاهتمام، ووجد استجابةً برازيليةً متحمسةً.
ففي عام 2005 مهَّدت زيارتان وزاريتان لمرحلة جديدة: زيارة وزير الصناعة الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى البرازيل في مارس، ثم زيارة وزير الخارجية البرازيلي سيلسو أموريم إلى القدس في مايو. وأفضتا إلى مذكرة تفاهم لإطلاق مشاورات سياسية منتظمة، واتفاق للتعاون في البحث والتطوير الصناعي في فبراير 2007، واستكمال مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل و«ميركوسور» في ديسمبر من العام نفسه.
ثم جاء عام 2009 بسلسلة زيارات إسرائيلية رفيعة إلى القارة: وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان في جولة شملت البرازيل والأرجنتين وبيرو وكولومبيا، وهي أول زيارة لوزير خارجية إسرائيلي إلى البرازيل منذ 1986، ثم الرئيس شمعون بيريز إلى البرازيل والأرجنتين في نوفمبر. وقد قُرئت هذه الزيارات آنذاك بوصفها محاولة لقطع الطريق على اعتراف دول القارة بالدولة الفلسطينية، ولمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي فيها؛ فقد وصل بيريز إلى البرازيل قبل أسبوعين فقط من زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في وقت كان لولا يؤيِّد فيه حقَّ إيران في برنامج نووي سلمي، ويعارض تشديد العقوبات عليها.
لكن هذا التفسير الجيوسياسي لا يروي إلا نصف القصة. فقد رافق ليبرمان وبيريز وفدان كبيران من رجال الأعمال، ضمَّا ممثلين عن كبرى الشركات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وبعيدًا عن الأضواء احتلت الصفقات مكانةً بارزةً على جدول الأعمال. وخلال زيارته، أجرى بيريز محادثات مع وزير الدفاع البرازيلي أسهمت في إتمام عقد بقيمة 350 مليون دولار مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية «IAI» لتزويد البرازيل بطائرات مسيّرة.
لولا وروسيف: خطاب فلسطيني وصفقات إسرائيلية
يرى هوبرمان أنَّ المرحلة الأولى من حكم حزب «العمال» (2003 - 2016) اتسمت بتباين واضح بين الخطاب والممارسة، رسَّخ الاعتقاد بأنَّ البرازيل ابتعدت عن إسرائيل. وتجسِّد رحلة لولا عام 2010 هذا التناقض: فقد دافع أمام الكنيست عن إقامة دولة فلسطينية وانتقد الاستيطان، واضطر عند دخوله الضفة الغربية إلى تغيير مركبته عند حاجز إسرائيلي، في موقف محرج دفعه إلى انتقاد الجدار العازل ودعم إنشاء مركز صحي ومركز رياضي في فلسطين. لكن الوفد المرافق من السياسيِّين ورجال الأعمال البرازيليِّين كان، في الوقت نفسه، عاملًا حاسمًا في ترسيخ العلاقات التجارية، إذ أتاح لشركات الأمن الإسرائيلية توسيع حضورها في السوق البرازيلية. والنتيجة أنَّ العلاقة مع الفلسطينيِّين أثمرت خطوات رمزية كالاعتراف بدولتهم، لكنها لم تُترجَم إلى تضامن مادي يغيِّر ميزان القوى لصالحهم.
لقد سعت البرازيل إلى تحويل نمو تجارتها مع إسرائيل إلى ثقة سياسية تؤهلها لدور الوسيط. لكن التقارب، بدلًا من أنْ يخدم السلام، فتح الباب أمام «دبلوماسية السلاح». فقد تضمَّنت أجندة لولا لتحويل البرازيل إلى قوة عالمية بناء قدرات قسرية والتأثير في الملفات الأمنية، وهو ما ارتبط بمشروعات «تهدئة» في الداخل، مثل وحدات شرطة التهدئة في أحياء الفافيلا بريو دي جانيرو، وفي الخارج، مثل قيادة بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في هايتي. ودفعت هذه الأجندات البرازيل إلى اقتناء تقنيات أمنية إسرائيلية «مُجرَّبة ميدانيًّا»، فأصبح الجيش والشرطة وقطاع الأمن الخاص شركاء تجاريِّين مهمين لإسرائيل.
وجاءت اتفاقية التجارة الحرة بين «ميركوسور» وإسرائيل عام 2007، بالتوازي مع التقارب البرازيلي العربي، لتعفي 90% من المبادلات التجارية من الرسوم الجمركية، بما فيها المعدات العسكرية. فقفزت التجارة الثنائية خلال ولاية لولا الثانية (2007 - 2010) بنحو 267%، وأصبحت البرازيل عام 2010 خامس أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي.
وكانت القوات المسلحة البوابة الرئيسية لدخول المنتجات الأمنية الإسرائيلية. ففي عام 2003 افتتح الجيش البرازيلي مكتبًا في إسرائيل عمل عمليًّا مكتبًا تجاريًّا للشركات الإسرائيلية. ورغم أنَّ اتفاق التعاون العسكري الذي اقترحته إسرائيل عام 2007 لم يُوقَّع، فإنَّ ذلك لم يعرقل الشركات الإسرائيلية؛ إذ كشفت بيانات وزارة الدفاع البرازيلية عام 2014 عن عقود بنحو مليار ريال برازيلي لتوريد رشاشات ومدافع وطائرات مسيّرة ومركبات مدرعة، ذهب الجزء الأكبر منها، بقيمة 839 مليون ريال، إلى شركة «إلبيت سيستمز» (Elbit Systems) لتوريد كاميرات ومستشعرات كهروبصرية لنظام مراقبة الحدود بالشراكة مع شركة «إمبراير» البرازيلية. وفي عام 2015 صرَّح السفير الإسرائيلي لدى البرازيل، رضا منصور، بأنَّ عقود القوات المسلحة البرازيلية مع الشركات الإسرائيلية تمثِّل «جوهر العلاقات بين البلدين». وكانت السنوات السابقة لكأس العالم 2014 وأولمبياد ريو 2016 موسمًا ذهبيًّا لشركات الأمن الإسرائيلية، التي شاركت في المعارض المتخصِّصة، والتقت ممثلي الدولة واتحادات رجال الأعمال والجمعيات العسكرية والشرطية.
من روسيف إلى تامر: الصفقات أقوى من الأزمات
في عام 2014 اندلعت أزمة دبلوماسية حادة استمرَّت حتى نهاية ولاية ديلما روسيف، حين انتقدت الخارجية البرازيلية العدوان الإسرائيلي على غزة الذي قتل 2251 فلسطينيًّا، بينهم 551 طفلًا، فردّ دبلوماسي إسرائيلي بوصف البرازيل بأنها «قزم دبلوماسي». ثم رفضت روسيف عام 2015 قبول داني دايان سفيرًا، وصرَّح أموريم، وزير الدفاع آنذاك، بأنَّ على القوات المسلحة التَّوقُّف عن الاعتماد على مكونات الطيران الإسرائيلية، معتبرًا استخدام صادرات التكنولوجيا أداةً للضغط أمرًا مرفوضًا، وهو الذي عمل على تعزيز التجارة مع إسرائيل حين كان وزيرًا للخارجية.
ومع ذلك، ظلت المصالح التجارية أقوى من الخلافات. فقد امتنعت البرازيل فجأة، في سبتمبر 2015، عن التصويت في الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية على اقتراح بإخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش، في إشارة إيجابية لإسرائيل في عزِّ الأزمة. ولم تتراجع التجارة الثنائية في عهد روسيف إلا بنسبة 5%، بينما تراجعت التجارة الخارجية البرازيلية عمومًا بنسبة 37% بفعل ركود 2015 - 2016. وعلى امتداد سنوات حكم حزب «العمال»، تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من مرتين، من 505 ملايين دولار عام 2003 إلى 1.1 مليار دولار عام 2016.
لكن المفارقة الأعمق أنَّ هذا التقارب المادي لم يمتد إلى الأحزاب اليسارية والحركات الاجتماعية التي شكّلت قاعدة لولا وروسيف، بل استفادت منه القوى المعادية لحزب «العمال»: الكنائس الإنجيلية، وقطاعات من نخب الأعمال الزراعية، والمؤسسة العسكرية والشرطة. وهكذا وجدت «دبلوماسية السلاح» موطئ قدم داخل جهاز الدولة الذي تحكمه حكومة معادية أيديولوجيًّا لإسرائيل. وفي هذا السياق برز النائب الفيدرالي جايير بولسونارو، العسكري المتقاعد والمدافع عن الديكتاتورية العسكرية وحليف الإنجيليِّين، حليفًا جديدًا لإسرائيل؛ ففي عام 2016 زارها مع أفراد من أسرته، وعمّده قس إنجيلي في نهر الأردن. وبدأت قطاعات من اليمين البرازيلي تتخذ من إسرائيل مرجعًا رمزيًّا وأيديولوجيًّا للقيم المحافظة وللانتماء إلى «الغرب»، وكان ذلك من عناصر الأزمة السياسية التي انتهت بعزل روسيف عام 2016.
وفي عهد ميشال تامر سعت إسرائيل إلى تحويل نفوذها إلى مكاسب سياسية صريحة. فحاول وزير الخارجية جوزيه سيرا (2016 - 2017)، الخصم التاريخي لحزب «العمال»، تغيير تصويت البرازيل في «اليونسكو» بشأن التراث الثقافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن الجهاز البيروقراطي للخارجية حال دون ذلك. وفي عام 2018 ربط وزير العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلي أوفير أكونيس، خلال زيارته البرازيل، نقل التكنولوجيا العسكرية وتوقيع اتفاق أمني بدعم سياسي برازيلي أوضح في المحافل الدولية.
بولسونارو: «حقبة جديدة».. أم تكثيف لما هو قائم؟
خلال حملته الانتخابية عام 2018، ألقى بولسونارو خطابًا مفصليًّا في نادي «هبرائيكا» اليهودي في ريو دي جانيرو، فأصبح بنيامين نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يحضر تنصيب رئيس برازيلي، معلنًا أنَّ البلدين دخلا «حقبة جديدة». وفي مارس 2019 ردَّ بولسونارو الزيارة، واستُقبل بحفاوة تُخصَّص عادةً لرؤساء الولايات المتحدة، وزار حائط البراق في القدس الشرقية برفقة نتنياهو، في اعتراف ضمني بالسيادة الإسرائيلية على أرض محتلة يخالف القانون الدولي والموقف البرازيلي التاريخي. ووقَّع الطرفان ستة اتفاقات لتيسير استيراد المنتجات الأمنية وتوسيع التعاون العسكري، وتعهد بولسونارو بفتح الثروات المعدنية البرازيلية أمام قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي.
غير أنَّ أكثر وعوده رمزيةً لحلفائه الإنجيليِّين، نقل السفارة إلى القدس، توقف، على الأرجح تحت ضغط قطاع الأعمال الزراعية الذي خشي على صادراته إلى البلدان العربية، فاكتفى بولسونارو بافتتاح مكتب لوكالة ترويج التجارة والاستثمار في القدس الغربية في ديسمبر 2019. كما لم يتحقَّق وعده بإغلاق السفارة الفلسطينية في برازيليا.
لكن التَّحوُّل كان حقيقيًّا في المحافل الدولية: ففي عامَي 2019 و2020 صوَّتت البرازيل، للمرة الأولى، ضد قرارات أممية تدين انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، وكفَّت خارجيتها عن انتقاد الاستيطان، وأيَّد بولسونارو «صفقة القرن» و«اتفاقات أبراهام». وعكس تعيين الجنرال جيرسون ميناندرو سفيرًا في تل أبيب عام 2020 الدور المركزي للمؤسسة العسكرية في هذا التقارب. ونفَّذت القوات المسلحة البرازيلية و«إلبيت» صفقة مشتركة لبيع 28 مركبة مدرعة من طراز «غواراني» مزوَّدة بتقنيات إسرائيلية للفلبين في عهد رودريغو دوتيرتي، وأصبحت «إلبيت» المورد الرئيسي لمعدات الاتصالات في الطائرات المقاتلة البرازيلية، وجدَّدت توريد المسيّرات لسلاح الجو، فيما باعت شركة «رافائيل» للجيش 100 صاروخ بقيمة 19 مليون دولار. وبين 2019 و2022 استوردت البرازيل أسلحةً إسرائيليةً بما لا يقل عن 47 مليون دولار، وفي ديسمبر 2021 أقرَّ الكونغرس اتفاقية التعاون العسكري بين البلدين.
وامتدَّ التقارب إلى الأمن السيبراني. فقد حاول كارلوس بولسونارو، نجل الرئيس والمسؤول عن شبكة الاتصال غير الرسمية للحكومة، بالتعاون مع عناصر من الشرطة الفيدرالية ووزارة العدل، التعاقد سرًّا على برنامج التجسُّس الإسرائيلي «بيغاسوس» لبناء جهاز استخبارات موازٍ، قبل أنْ ترفض محكمة الحسابات الفيدرالية الصفقة. غير أنَّ وكالة الاستخبارات البرازيلية كانت قد تعاقدت بالفعل، في أواخر عهد تامر ودون مناقصة، مع شركة «كوجنايت» (Cognyte) الإسرائيلية على برنامج «فيرست مايل» (FirstMile) الذي يتتبع مواقع ما يصل إلى عشرة آلاف هاتف محمول دون إذن قضائي، مقابل 5.7 مليون ريال. واستمرَّ تشغيله حتى عام 2021، وسط شبهات باستخدامه للتجسُّس على خصوم بولسونارو السياسيِّين.
وسجَّل التبادل التجاري رقمًا قياسيًّا عام 2022 بلغ 4 مليارات دولار، بفضل صادرات النفط الخام البرازيلي التي بلغت مليار دولار، بزيادة 250% عن عام 2019. وفي المقابل، رافقت هذا التقارب إشارات نازية وفاشية داخل حكومة بولسونارو، أبرزها مقطع فيديو أنتجه وزير الثقافة عام 2020 استلهم فيه خطاب جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي. ومع ذلك لم يصدر عن المسؤولين الإسرائيليِّين أي انتقاد، رغم أنَّ مكافحة معاداة السامية ركن في دبلوماسيتهم.
ولاية لولا الثالثة: النجاح الجزئي لـ«دبلوماسية السلاح»
شهدت ولاية لولا الثالثة أكبر أزمة دبلوماسية في تاريخ العلاقات بين البلدين. فبعد 7 أكتوبر 2023، سعت البرازيل، التي كانت تترأس مجلس الأمن في ذلك الشهر، إلى انتزاع قرار بـ«هدنة إنسانية» عطلته الولايات المتحدة. وكان لولا من أوائل القادة الذين وصفوا العدوان الإسرائيلي بـ«الإبادة الجماعية»، وإنْ وصف هجوم 7 أكتوبر بأنه «إرهابي». وفي يناير 2024 أيَّدت البرازيل الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وفي فبراير 2024، أمام قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، قال لولا: «ما يحدث في قطاع غزة بحقِّ الشعب الفلسطيني لم يحدث في أي لحظة تاريخية أخرى. بل إنه حدث بالفعل؛ عندما قرَّر هتلر قتل اليهود». فأعلنته الحكومة الإسرائيلية شخصًا غير مرغوب فيه، واستدعت السفير البرازيلي لتوبيخه علنًا في متحف «ياد فاشيم» للهولوكوست في القدس، فسحبت البرازيل سفيرها. ثم دعا نتنياهو بولسونارو لزيارة إسرائيل، لكنه كان ممنوعًا من السفر بقرار من المحكمة العليا. وفي مارس 2024 زار حاكما ولايتَي ساو باولو وغوياس اليمينيان، تارسيسيو دي فريتاس ورونالدو كايادو، إسرائيل واعتذرا لنتنياهو عن تصريحات لولا، وأيَّدا تعريف «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست» لمعاداة السامية، الذي يصنِّف انتقاد إسرائيل ضمن معاداة السامية. في المقابل حظي لولا بدعم شبه إجماعي من بلدان الجنوب العالمي.
لكن «دبلوماسية السلاح» واصلت عملها رغم الأزمة. ففي مارس 2024 منح سلاح الجو البرازيلي شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية عقدًا لصيانة طائرتين مسيّرتين من طراز «هيرون - 1» بقيمة 86 مليون ريال، دون مناقصة. فطالب مشرِّعون من أربعة أحزاب حليفة لحزب «العمال» وزارة الدفاع بإنهاء عقودها مع الشركات الإسرائيلية، وقال نائب رئيس الحزب واشنطن كواكوا: «لا أرى سببًا لإبقاء البرازيل على عقودها مع إسرائيل، التي لا تُمثِّل أهميةً جيوسياسيةً لنا، بل لا تجلب لنا سوى المشكلات». وتحت هذا الضغط علّق لولا صفقة شراء الجيش 36 مدفع «هاوتزر» ذاتي الحركة من شركة «إلبيت» بقيمة مليار ريال، وصرَّح أموريم بأنَّ «الاعتماد على إسرائيل عسكريًّا أمر محفوف بالحساسية».
وجاء القرار استجابةً لضغط شعبي متصاعد. ففي نوفمبر 2023 دعت اللجنة الوطنية لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) لولا إلى إلغاء اتفاقات التعاون العسكري الموقَّعة في عهد بولسونارو، والتي صادق عليها مجلس النواب في 18 أكتوبر 2023. وفي أبريل ومايو 2024 تلقَّى لولا رسائل من حركات اجتماعية وشخصيات عامة تطالب بحظر عسكري وقطع العلاقات، وفي يونيو 2024 طالب مشرعون من الائتلاف الحاكم وزارتي الدفاع والخارجية بفرض حظر عسكري.
في المقابل، أعلنت المؤسسة العسكرية قلقها صراحةً من توقف التعاون مع إسرائيل، ورفضت شراء المدافع من الشركة التشيكية التي حلّت ثانية في المناقصة بحجة تفوق الجودة الإسرائيلية، واعتبرت قرار المشتريات العسكرية شأنًا من اختصاص «الدولة» لا «الحكومة». وفي أكتوبر 2024 انتقد وزير الدفاع جوزيه موسيو علنًا قرار لولا «الأيديولوجي». وانضم إلى هذه الجبهة سياسيون ورجال أعمال ومنظمات حليفة لبولسونارو، في مقدمتها المؤسسات الرسمية للجالية اليهودية البرازيلية المتحالفة مع حكومة نتنياهو.
وفي عام 2025، اتخذت الحكومة البرازيلية، للمرة الأولى، خطوات تتجاوز الرمزية على نحو محدود: فانسحبت من صفة المراقب في «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست» بعد ضغوط لتبني تعريفه لمعاداة السامية الذي كان يمكن توظيفه ضد انتقادات لولا، وانضمت رسميًّا إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وامتنعت عن اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد، فردّت إسرائيل بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية. لكن البرازيل لم تفرض حظرًا عسكريًّا أو نفطيًّا على إسرائيل، على غرار الحظر الذي فُرض على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1985، كما طالبت حركات التضامن. بل اشترت شرطة ولايتَي إسبيريتو سانتو وسانتا كاتارينا، والشرطة الفيدرالية التابعة لحكومة لولا نفسها، آلاف البنادق الإسرائيلية في العام ذاته. ويبدو أنَّ تعليق صفقة المدافع كان قرارًا سياسيًّا محدود الأثر، أريد به استرضاء القاعدة الاجتماعية المؤيِّدة لفلسطين، دون الدخول في صدام مع المؤسسة العسكرية والشرطة والشركات المتحالفة مع اليمين المتطرف.
خاتمة: الخطاب يتبدَّل.. والعقود باقية
تكشف هذه الرحلة أنَّ العلاقات البرازيلية - الإسرائيلية لا يمكن فهمها من خلال تحوُّلات الخطاب أو أنماط التصويت أو الأزمات الدبلوماسية المتقطعة وحدها. فهي تتشكَّل بفعل روابط مادية من التجارة والاعتماد التكنولوجي والتعاون الأمني، تفرض قيودًا دائمة على حرية القرار السياسي.
فمن لولا إلى بولسونارو ثم العودة إلى لولا، ظلَّ التعاون الأمني مستقرًّا على نحو لافت. فمن 2003 حتى تدخَّل لولا في صفقة المدافع عام 2024، سارت مشتريات السلاح والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في مسار تصاعدي ثابت، وتضاعفت التجارة الثنائية ثلاث مرات بحلول 2022 بعد دخول اتفاقية «ميركوسور» وإسرائيل حيز التنفيذ عام 2010، رغم الركود والأزمات الدبلوماسية. ولم يُحدث بولسونارو أي قطيعة على المستوى المادي؛ فقد غيَّر الخطاب ونمط التصويت، لكنه كثَّف ديناميات قائمة بالفعل وزاوج بينها وبين أيديولوجيته. أما التَّحوُّل الحاسم في الانخراط المادي البرازيلي مع إسرائيل فقد صنعته حكومات حزب «العمال» نفسها، حين أنهت مرحلة من اللامبالاة النسبية، وأدمجت إسرائيل في استراتيجيتها لتعزيز الحضور الدولي للبرازيل. ما تغيَّر في عهد بولسونارو إذن ليس جوهر الاصطفاف، بل التعبير الصريح عنه.
ولم تنجح ولاية لولا الثالثة، رغم خطابها النقدي الواضح ومواجهاتها الدبلوماسية مع إسرائيل خلال الإبادة في غزة، في تغيير هذه البنية. بل أثبتت «دبلوماسية السلاح» فاعليتها حتى في شَقِّ صفوف أجهزة الدولة والائتلاف الحاكم، على خلاف عهد بولسونارو الذي وحَّد فيه الاصطفاف الأيديولوجي تلك الأجهزة خلف إسرائيل. لقد كانت أزمة غزة فرصةً نادرةً لتقريب الخطاب البرازيلي من الممارسة، وكان تعليق صفقة المدافع خروجًا ملموسًا وإن ظلَّ محدودًا. لكن المقاومة الشرسة من القوات المسلحة كشفت الحدود البنيوية لاستقلالية القرار في السياسة الخارجية في ظلِّ ما يمكن تسميتها «الرأسمالية الأمنية».
لقد خدم دعم البرازيل للقضية الفلسطينية مصالحها في الداخل والخارج معًا: داخليًّا بوصفه تعبيرًا عن مبادئ حزب «العمال» وقاعدته، وخارجيًّا بوصفه رافعةً لطموحها إلى مكانة القوة العالمية وتحدي الهيمنة الأمريكية وتعزيز التعددية. لكن إذا كنا نشهد بروز نظام عالمي «ما بعد أمريكي»، فإنَّ التجربة البرازيلية تنبئ بأنَّ البراغماتية والمصلحة الذاتية ستحتلان مكانًا بارزًا في سلوك القوى «الجديدة»؛ فالبرازيل التي ساندت فلسطين بالخطاب، رأت في التكنولوجيا والسلاح الإسرائيليَّين عنصرًا في تحديث اقتصادها وصناعتها العسكرية. وفي المقابل، أدركت إسرائيل ضآلة فرصها في تغيير الموقف البرازيلي، فاختارت التغاضي عن الخطاب والعمل مع البرازيل لا ضدها.
واليوم، يبدأ لولا ولايته الرابعة رافعًا شعار أنَّ البرازيل «لن تكون فناءً خلفيًّا لأحد»، بينما وعد منافسه المهزوم بنقل السفارة إلى القدس. والسؤال الذي تتركه هذه القراءة مفتوحًا: هل تكون الولاية الرابعة امتدادًا لمعادلة «خطاب فلسطيني وعقود إسرائيلية»، أم أنَّ الضغط الشعبي الذي فرض تعليق صفقة المدافع قادر على أنْ يذهب أبعد من ذلك؟
* * *
المراجع:
• Bruno Huberman, «Arms Diplomacy»: Brazil-Israel Relations from Lula to Bolsonaro and Back to Lula, Lua Nova, São Paulo, 127, e127044bh, 2026.
• Giselle Datz and Joel Peters, Brazil and the Israeli–Palestinian Conflict in the New Century: Between Ambition, Idealism and Pragmatism, Israel Journal of Foreign Affairs, VII:2, 2013.
• Erella Grassiani and Frank Müller, Brazil-Israel Relations and the Marketing of Urban Security Expertise, Latin American Perspectives, Vol. 46, No. 3, May 2019, pp. 114–130.
• مصطفى عيد إبراهيم، «دبلوماسية السلاح.. ما أهمية الصناعات الدفاعية لإسرائيل؟»، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 16 نوفمبر 2024.
• CEBRI: The Brazilian Government of Lula in the Face of the Gaza War: https://cebri.org/revista/en/artigo/157/the-brazilian-government-of-lula-in-the-face-of-the-gaza-war-a-predictable-stance-in-a-radicalized-context
• Providence Magazine, Improving Relations Between Brazil and Israel (2019): https://providencemag.com/2019/05/improving-relations-brazil-israel-impact-us-foreign-policy/