عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

مراجعات

دار المرايا

مسرحية "الشيء وسنينه".. مأساة نستحقها خلف قناع من الكوميديا

2021.08.01

مسرحية "الشيء وسنينه".. مأساة نستحقها خلف قناع من الكوميديا

فيما يعمل (عواد) الفلاح الفقير هو و(محروس) ابنه الصغير في أرضهما يكتشفان حفرة فيها شيئًا لم يرياه من قبل.. ويبدأ دخول أهل القرية إلى المكان لمعرفة هذا الشيء، وبدلاً من هذا نتعرف عليهم هم؛ فهم لا يحاولون البحث عن ماهية هذا الشيء الجديد، بل يستعينون بخبراتهم وظروفهم التي لا علاقة لها بهذا الشيء (الجديد) عليهم.. وبدلاً من محاولة البحث عمن يعرف.. تكون الفتاوى بحسب قائلها، ويصل الأمر عبر الخفير إلى العمدة إلى سكرتير المحافظ إلى المحافظ الذي يفترض أن يرسل لجنة خبراء لكنه يرسل قوة أمنية يرأسها ضابط صغير الرتبة قليل المعرفة معدوم الخبرة لكنه يمتاز بشيء واحد: تنفيذ الأوامر دون مناقشة.. وحين يقرر المحافظ ردم الحفرة.. لا يعبأ العساكر بالصرخات الضعيفة الخارجة من الحفرة، ولا يصرخ (عارف) الذي رأى من في الحفرة.. فقط يصمت.. ويصمت للأبد.. فيما يموت تحت الردم ابن عواد الذي ترك ابنه حالمًا بالثراء الذي سيسمح له بالزواج من (بهانة) لكنه يستيقظ فجأة على كابوس اختفاء ابنه.. وتستمر الدائرة الجهنمية فيبدأ الناس في اختراع كذبة - كلٌّ حسب هواه - لاختفاء الطفل.. دون أن ينظر أحدهم تحت قدميه.. أو يمد يده ليزيح التراب.

هذا ما تتناوله مسرحية "الشيء وسنينه" للكاتب لينين الرملي الذي تمر ذكرى ميلاده هذا الشهر (ولد في 18 أغسطس 1945، وتوفي في 7 فبراير 2020)، وهي المسرحية الحائزة على جائزة ساويرس عام 2014، والممثلة من فريق أتيليه المسرح بكلية الفنون الجميلة بالزمالك إخراج: أيمن الزرقاني في مهرجان الساقية السنوي للمسرح عام 2015، ولينين فتحي عبد الله الرملي هو كاتب مسرحي وسيناريست سينمائي وتلفزيوني مصري، عرف بكتابته للكوميديا ذات الأثر المأساوي في أثناء مشاهدة تفاصيلها أو نهاية عرضها.

 كوّن لينين الرملي في بداياته ثنائيًّا مسرحيًّا مع الفنان محمد صبحي وأنتجا معًا: تخاريف.. والهجمي.. ووجهة نظر، كما قام الممثلان حسين فهمي وعزت العلايلي بتمثيل مسرحيته "أهلا يا بكوات". كما مثَّل فؤاد المهندس وشويكار وشريهان مسرحيته سك على بناتك، أما تعاونه مع عادل إمام فقد تركز على مواجهة موجة الإرهاب من منظور مختلف كاشف لثغرات المتطرفين والحكومة معًا، ويمكن رؤية ذلك في: الإرهابي. أما مجموعة أفلامه "بخيت وعديلة" فقد ركزت على كشف ما يعانيه الشعب من فساد ومشكلات قاصمة.

جاءت تسمية الرملي لشخصيات المسرحية بمستويات عدة؛ فعلى حين اختار للمدرس القبطي اسم (مرقص) لكي يتعرفه المشاهد بمجرد نطق اسمه بما يستتبع ذلك من صورة - تكاد تكون نمطية - لكيفية معيشة الأقباط في قراهم أو بعيدًا عنها فهم يعانون من سيف الأقلية فينكفئون على ذواتهم، ولا يشاركون في أي شيء قد يعرضهم للاحتكاك، ومن ثم الانكشاف. أما (عواد) فهو يستدعي ذلك الفلاح الذي استقر في الجماعة الشعبية حين باع أرضه، وصار هذا الاسم رمزًا لكل مفرط. أما "محروس" فدلالته ضدية إذ يهمل أبوه تعليمه، ويظل مشدودًا لقلبه الذي يسير خلف بهانة أكثر من اهتمامه بولده، وينتهي الإهمال بضياع (المحروس). تدور بقية الأسماء في الفلك ذاته وهذا يمكننا من تقسيمها إلى أنماط ثلاثة تقريبًا: الأول؛ دال ومنه: عارف (معنى)، وعواد وحافظ (رمز)، وبهانة وخضرة ومرقص (بيئة). ثم نجد بالوظيفة ومنه: الخفير، والعمدة، والمحافظ، والسكرتير، الضابط. وينتمي لهذا النوع ما اقترن في الاسم بالوظيفة: فهيمة الحكيمة، دسوقي البقال، الشيخ سماعين. والنوع الأخير هو ذو الدلالة الضدية: محروس (المهمل)، نصوحي (الأبله).

يبدأ النص بعواد يغازل بهانة، مع غياب ابنه، وينتهي ببحث عواد عن ابنه الغائب، وبينهما تحضر أسباب الغياب التي يلخصها مرقص أفندي في نهاية المسرحية:

مرقص: وهو يمر لو كنت وديته المدرسة ما كانش ضاع منك.

عواد: الواد أكيد حصل له مكروه. طب خدوا الشيء، كانوا يسيبوا لي محروس.

 دا هو العيل الحيلة اللي عندي.

مرقص: الواد كان نبيه ولو كان أتعلم مش بعيد كنت تشوفه ف يوم زيي كده.

عواد: (يقف ويتلفت حوله ويصرخ بصوت محشرج كأنه يعوي) محروس.

مرقص: (وهو يمشى مؤنبًا نفسه) لكن وأنت مالك يا مرقص؟ كل مرة تنسي وتحشر نفسك في شؤون غيرك ليه؟ هي كانت بلدكم؟ ميت مره أفهمك، أنت بلدكم أسيوط.

يشوب تاريخ النص الارتباك؛ فعلى حين يتكلم مرقص أفندي عن تعرض الوالد للعقاب لأنه لا يرسل ابنه للمدرسة وهذا النظام لم يعد معمولاً به في مصر منذ أكثر من أربعين سنة على الأقل، يتحدث ممتاز مع زوجته بالموبايل الذي لم يستخدم في مصر إلا في نهاية الألفية الثانية مايو 1998م تحديدًا، أي أن بينهما عشرون عامًا على الأقل.. كما أن مسألة تكليف المدرسين خارج محافظاتهم انتهت تقريبا منذ ثلاثين عامًا على الأقل.. لكن التدقيق في قراءة النص يكشف أن الكاتب ربما عمد إلى ضم مستويات الزمن وآية ذلك أن نظام العمد الذي قام عليه النص بوصفه ممثلا للنظام قد تحول إلى ما يشبه خيال الظل، وحلت مكانه (نقطة الشرطة) وتصاعدت مسؤوليات شيخ البلد وانفصل عن تبعيته له.. مع ذلك يجعله الناص مهيمنًا وفاعلاً.. وربما يتسق هذا مع رؤية العمل التي ترمي إلى تشخيص أزمة مصرية على مر العصور

تدور الأحداث في أقل من أربع وعشرين ساعة، وكأن المؤلف اعتمد الموقف الأرسطي، فيما يبدو تقسيمه للمكان - رغم تعدده - علامة على ذلك فقد ثبت مكان الأحداث منذ بدء النص "قطعة أرض زراعية على طريق فرعي. باب بيت في الخلفية. نرى على مستوى أعلى جانبًا من دار العمدة. وجانبًا يعلوه في مكتب المحافظة."وثمة أوقات قليلة يظهر بيت مرقص أفندي وبيت ممتاز.

ربما يطرح القارئ أو المشاهد سؤالاً: ما هذا الشيء؟ والأوفق عندي أن السؤال الأهم: لماذا لم نعرف هذا الشيء؟ كيف يجتمع أشخاص ذوو مستويات اجتماعية وثقافية ومعرفية متعددة، ولا يستطيعون التعرف على هذا الشيء؟ هل لأنهم تعودوا على ألا يواجهوا المجهول بالمعرفة أو بمحاولة المعرفة بل بالهروب إلى الأكاذيب والتبريرات؟

تبنى النص العامية المصرية، مع ذلك فيظهر بوضوح اختلاف مستويات اللغة لدى كل شخصية، فحافظ الشاعر تعد لغته جمالية وتفلت منه تعبيرات فصحى، فيما يشيع في كلام سالم المعتقل السابق ألفاظ التأميم والاشتراكية، أما ممتاز القط السمين وزوجته محدثة النعمة فمفرداتهم تنم عن ثراء فاحش ومفاجئ وجهل عريض وعقد نقص بارزة كمدية في الوجه، ربما فقط أفلتت من ممتاز كلمة خارجة السياق الزمني والمكاني حين قال لعواد أثناء محاولة شرائه الشيء: "اوكى" بس أنا اللي هتحمل "الريسك" إنما أنت راجل غلبان مش قد المغامرة، ما تقفلش حظك، دا رزق ابنك أسمه إيه دا، أديك عشرين ألف. قلت إيه؟ فأولاً كيف يفهم عواد كلمة" ريسك" ثم كيف تتبعها كلمة هي ترجمتها "المغامرة" كما أن معجم العامية التداولي ما زال يتعامل مع هذه الكلمة حتى كتابة هذه السطور في نطاقات محدودة منها الإعلام والتسويق؛ الأهم كيف تأتي كلمة كهذه في سياق حوار وتاريخ دخولها للمعجم لا يتخطى السنوات الخمس؟

تنتمي تقنية الانتهاك التي اعتمدها الرملي إلى أدب ما بعد الحداثة؛ فهناك سخرية مريرة من المناصب الكبرى وتعرية جهلها، وهناك كشف فاضح لمستوى ثقافة الأجهزة التنفيذية للدولة؛ فالضابط يريد القبض على "عقلى" الذي حرض عارف على النزول للحفرة، وحين يحصل على الأمر بردم الشيء ينفذه على الفور دون أن يفكر إن كان هذا نفاية نووية أو لغمًا متحركًا أو حيوانا ميتًا:

الضابط: شوف هتعترف يعنى هتعترف، أتكلم مين اللي حرضك ودفعك تحاول تعرف الشيء؟

عارف: (منهارًا بضعف) عقلي.. عقلي هو اللي حرضني.

الضابط: حلو.. كدا تعجبني. وعقلي دا بقى بيشتغل إيه.

عارف: نعم؟

الضابط: سمعت سؤالي. ما تلفش عليا. وأنت اعترفت عليه.. عقلي دا مهنته إيه، بيشتغل إيه؟ وحرضك على إيه بالظبط وليه؟ انطق.

هل يمكن قراءة هذا النص هكذا: نحن معرضون لفقد مستقبلنا إن ظللنا على إهمالنا لأولادنا، وإن ظللنا نعيش داخل سجن أفكارنا التي كوناها بشكل أحادي أكملت الأوهام نسج خيوطها، وإن ظللنا لا نمتلك التفكير العلمي من حيث هو اعتراف أولي بالجهل، وشك فيما نعرف، وهاجس مؤرق للبحث عن حقيقة ما يجد.. دون إلقاء لما نعرف في بئر سحيق. نعم.. نحن ننحدر بسرعة الصاروخ في هاوية لا قرار لها.. والحل أن نعرف هذا الشيء، حتى لا نعاني من سنينه؟ أقول: يمكن.