عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

استراتيجية «الدولة القطب»: تحولات الدور الإماراتي.. وإعادة هندسة الإقليم

2026.05.02

استراتيجية «الدولة القطب»: تحولات الدور الإماراتي.. وإعادة هندسة الإقليم

 

يُمثِّل المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونحن في بداية مايو2026، لحظة تحوُّل بنيوي تتجاوز الأطر التقليدية للدبلوماسية؛ حيث تتبدَّى ملامح «الدولة القطب» الصاعدة من الخليج، والتي انتقلت من دور «الوسيط اللوجستي» إلى فاعل إقليمي مباشر يسعى لإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم مسارات تراكم رأس النقدي والعسكري. إنَّ ما نشهده اليوم من تحولات دراماتيكية، وعلى رأسها قرار الانسحاب التاريخي من منظمة «أوبك» و«أوبك+»، ليس مجرد مناورة اقتصادية عابرة، بل هو تعبير عن وصول نموذج «الرأسمالية» في الإمارات إلى مرحلة من النضج التوسعي الساعي للانعتاق من القيود الإقليمية؛ بهدف الاندماج العضوي في سلاسل القيمة العالمية والمحاور الأمنية الكبرى.

 

فك الارتباط مع «أوبك».. منطق «تسييل الأصول» في مواجهة التنسيق الجماعي

 

في التاسع والعشرين من أبريل 2026، أعلنت أبوظبي انسحابها الرسمي من منظمة الدول المُصدِّرة للبترول (أوبك) وحلف «أوبك+»، في خطوة تنهي عقودًا من العمل النفطي الجماعي. إنَّ التحليل الاقتصادي لهذا القرار يكشف عن تناقض هيكلي بين مصالح الأجنحة المختلفة لرأس المال الخليجي؛ حيث وصلت الإمارات إلى نقطة اللاعودة في حاجتها لرفع وتيرة الإنتاج إلى أقصى طاقة ممكنة. لقد استثمرت شركة «أدنوك» ما يربو على 150 مليار دولار في خطط توسعية طموحة، ونجحت بالفعل في مطلع أبريل في رفع طاقتها الإنتاجية لتتجاوز 3.5 مليون برميل يوميًّا، مع استهداف واضح للوصول إلى عتبة 5 ملايين برميل بحلول عام 2027.

إنَّ الالتزام بنظام الحصص الذي تقوده السعودية للحفاظ على توازن الأسعار بات يشكِّل عائقًا أمام خطط الإمارات الرامية لاسترداد هذه الاستثمارات الضخمة قبل تزايد وتيرة التحوُّل العالمي نحو الطاقة البديلة. هذا الانسحاب يُمثِّل انحيازًا صريحًا لاستراتيجية «الكمية على حساب السعر»، وهو توجُّه ينسجم كليًّا مع الرؤية الأمريكية الساعية لخفض تكاليف الطاقة عالميًّا. وبذلك، تؤمِّن الإمارات لنفسها سيولةً نقديةً هائلةً لتمويل مغامراتها الاستثمارية والعسكرية في الخارج، مفضلةً الاندماج في السوق العالمية كمُنتِج مستقل ومميز، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف جبهة المنتجين التقليديين وتعميق التناقضات داخل المنظومة الخليجية.

 

الاستحواذ على الأصول المصرية.. تحويل «العمق الاستراتيجي» إلى قاعدة استثمارية

 

لا تكتمل صورة السياسة الخارجية الإماراتية دون التوقُّف عند نمط «الاستحواذ الشامل» الذي تنتهجه تجاه الاقتصاد المصري. فمنذ صفقة «رأس الحكمة» الكبرى في عام 2024، والتي ضخَّت 35 مليار دولار، انتقلت العلاقة من مربع «المِنح والمساعدات» إلى مربع «التملك المباشر» للأصول السيادية.

إنَّ هذا التمدُّد لا يستهدف الربح التجاري فحسب، بل هو عملية هندسة اقتصادية تهدف لتحويل مفاصل الدولة المصرية إلى «مجال حيوي تابع» يخدم تطلعات أبوظبي اللوجستية.

تتغلغل الاستثمارات الإماراتية اليوم في قطاعات استراتيجية تشمل الموانئ المطلة على البحرَين الأحمر والمتوسط، وقطاعات البنوك، والأسمدة، والطاقة، والبتروكيماويات. ويمثل هذا النمط نوعًا من «التبعية المالية الهيكلية»؛ حيث يتم استغلال فجوات التمويل في الاقتصاد المصري لفرض واقع تصبح فيه القرارات السيادية مرتبطة بمصالح الشركات الإماراتية العابرة للحدود.

إنَّ السيطرة على موانئ حيوية مثل العين السخنة وتطوير مساحات ساحلية شاسعة يعني أنَّ المركز المالي في دبي قد أوجد لنفسه «قواعد اقتصادية ثابتة» تتحكَّم في مسارات التجارة المارة عبر قناة السويس، مما يحوِّل الدولة المصرية إلى منصةٍ لوجستيةٍ تخدم حركة التبادل الدولية التي تديرها الإمارات، بينما يظلُّ الاقتصاد المحلي مُكبَّلًا بضغوط المديونية والارتهان للمستثمر الخارجي.

 

المحور العبري-الإماراتي.. بناء «النظام الأمني الإقليمي الجديد»

 

تُمثِّل العلاقة الإماراتية-الإسرائيلية في عام 2026 العمود الفقري للسياسة الخارجية لأبوظبي. فبعد سنوات من «اتفاقيات أبراهام»، انتقل الطرفان إلى مرحلة «الاندماج البنيوي» الذي يتجلى في التعاون الاستخباراتي والعسكري المباشر. إنَّ وصول بطاريات «القبة الحديدية» الإسرائيلية وأطقمها العسكرية للأراضي الإماراتية مؤخرًا ليس مجرد تعاون أمني، بل هو تشكيل لـ«ناتو إقليمي مصغر» يهدف لتأمين تدفقات رأس المال وحماية طرق التجارة من أي تهديدات شعبية أو إقليمية.

لقد تجاوز التبادل التجاري بين الطرفين حاجز الـ3 مليارات دولار سنويًّا، مع تركيز استراتيجي على «التكنولوجيا الأمنية» والقمعية.

إنَّ مشروع «الجسر البري» الذي يربط موانئ دبي بميناء حيفا يُمثِّل انقلابًا على الجغرافيا السياسية التقليدية؛ حيث يتم دمج الاقتصاد الإسرائيلي كعقدة لوجستية مركزية في قلب النشاط التجاري العربي. هذا المحور لا يهدف فقط إلى التطبيع الاقتصادي، بل إلى بناء «منظومة استقرار» تضمن بقاء التوازنات الراهنة وتجهض أي محاولات للتغيير الجذري في المنطقة، مما يجعل من مشاريع «السلام الاقتصادي» أداةً لتثبيت الهيمنة وتهميش القضايا الوطنية الكبرى لصالح لغة الأرقام والاستثمارات المشتركة.

 

هندسة الصراعات في السودان واليمن.. لوجستيات السيطرة على الممرات

 

تتجلَّى قسوة السياسة الإماراتية في ملف السودان عبر الدعم المستمر لـ«قوات الدعم السريع»، وهو الدعم الذي يهدف إلى تفتيت المركز لصالح قوى محلية تضمن استمرار تدفق الموارد. من خلال السيطرة غير المباشرة على مناجم الذهب وتهريبه عبر الأسواق العالمية، تضمن الإمارات تمويل آلة النفوذ المحلي وتأمين احتياطياتها من المعادن النفيسة. الهدف في السودان هو منع نشوء دولة مركزية قوية قد تطالب بالسيادة الكاملة على مواردها وموانئها، وتحويل البلاد بدلًا من ذلك إلى «مناطق نفوذ» يسهل من خلالها التحكم في الموارد الزراعية والمعدنية وتأمين الواجهة البحرية المطلة على البحر الأحمر.

وفي اليمن، تتبع أبوظبي استراتيجيةً مماثلةً تقوم على دعم «المجلس الانتقالي الجنوبي» وتعزيز النزعات الانفصالية، ليس إيمانًا بحق تقرير المصير، بل رغبة في إنشاء كيان تابع يضمن السيطرة على ميناء عدن ومضيق باب المندب وجزيرة سقطرى.

إنَّ تحويل سقطرى إلى قاعدة عسكرية واستخباراتية متطورة يكشف عن مدى تداخل المصالح الإماراتية مع المشروع الإقليمي الساعي للتحكم في الممرات المائية الدولية.

إنَّ تفتيت اليمن هو الوسيلة الوحيدة لضمان بقاء هذه القواعد اللوجستية بعيدًا عن سيادة دولة يمنية موحدة وقوية، مما يجعل من تمزيق النسيج الاجتماعي ضرورةً حيويةً لاستقرار المصالح الملاحية للإمارات.

 

التخريب في الصومال والقرن الأفريقي.. عقلية «رأسمالية الموانئ»

 

يمتد النشاط الإماراتي إلى القرن الأفريقي عبر استراتيجية «تفكيك الدول»؛ حيث تدعم أبوظبي استقلال منطقة «أرض الصومال» وتوقع اتفاقيات لاستخدام ميناء بربرة، وبناء قواعد عسكرية بعيداً عن سيادة الحكومة المركزية في مقديشو. هذا السلوك يعكس عقلية «رأسمالية الموانئ» التي تمثلها شركة «موانئ دبي العالمية»، حيث يتم استخدام القوة المالية والعسكرية لخلق كيانات هزيلة تابعة يسهل من خلالها التحكُّم في حركة الملاحة العالمية.

إنَّ هذا التدخل السافر أدى إلى توترات إقليمية حادة، وكشف عن استعداد الإمارات للتضحية باستقرار دول كاملة في سبيل تأمين احتكاراتها اللوجستية، وربط الساحل الأفريقي بمصالح المحور الأمني الجديد الذي نخدمه بالتعاون مع أمريكا واسرائيل.

 

الجهاز الأيديولوجي.. دور الإعلام في تزييف الوعي وصناعة القبول

 

تستند هذه التحركات إلى ترسانة إعلامية ضخمة تعمل كـ«جهاز أيديولوجي» يهدف إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي بما يتوافق مع مصالح المركز الإماراتي. قنوات مثل «سكاي نيوز عربية» و«الغد» والمنصات الرقمية المرتبطة بها، مثل «إرم نيوز»، و«العين الإخبارية»، ليست مجرد مؤسسات إخبارية، بل هي أدوات حرب نفسية وأيديولوجية تهدف إلى شرعنة النهب، وتبرير التبعية، وتشويه كل نَفَس ثوري أو تحرري في المنطقة.

إنَّ الدور التخريبي لهذه المنظومة يتجلَّى بوضوح في قدرتها على هندسة «وعي زائف» يخدم المُخطَّطات الصهيونية في كل المحاور؛ ففي ملف مقاومة العدوان الصهيوني، تلعب هذه المنصات دور «المُبشِّر» بعهد جديد من الرخاء، مستبدلةً بمفردات «الاحتلال» و«المقاومة» مصطلحات «الواقعية السياسية» و«الاستقرار الإقليمي»، في محاولة لتحويل العدو الوجودي إلى شريك استراتيجي في حماية «رأس المال الأمني» المشترك. وعند النظر إلى الصراعات في السودان واليمن، نجد أنَّ هذه الماكينة تمارس تضليلًا منظمًا؛ فهي تغطي على الدعم اللوجستي الإماراتي لـ«قوات الدعم السريع» في السودان عبر تصدير خطاب «الحياد الزائف» أو التركيز على المساعدات الإنسانية الهامشية لتلميع وجه التدخل الدموي، بينما في اليمن، تعمل على شرعنة تمزيق الدولة عبر تصوير النزعات الانفصالية في الجنوب كحقوق وطنية، بينما هي في الحقيقة غطاء لتأمين السيطرة اللوجستية الإماراتية على الموانئ والممرات المائية.

أما في الملف المصري، فإنَّ الإعلام الإماراتي والمنصات التي تدور في فلكه تعمل كـ«وكيل تسويق» للأصول الوطنية المصرية؛ حيث يتم تأطير عمليات الاستحواذ على المفاصل السيادية - من موانئ وبنوك وشركات بتروكيماويات - بوصفها «شهادة ثقة» و«دعم أشقاء»، مغيبةً بذلك أي تحليل طبقي يكشف عن تحوُّل الدولة المصرية إلى ساحة لنهب القيمة الفائضة ورهن القرار السيادي لمصالح مراكز المال في دبي وأبوظبي. إنَّ المغزى النهائي من هذه الإمبراطورية الإعلامية هو خلق إنسان عربي «منزوع الوعي الطبقي»، يتقبَّل التبعية للإمبريالية كقَدَرٍ محتوم، ويرى في تصفية مقدرات وطنه نجاحًا اقتصاديًّا. إنَّها عملية «غسل دماغ» شاملة تهدف إلى حماية الثورة المضادة من أي نهوض جماهيري محتمل، عبر تزييف الحقائق المادية وتصوير التوسُّع الإمبريالي الصغير للإمارات نموذجاً حضاريًّا وملهمًا، بينما هو في جوهره ليس سوى مخلب استعماري حديث يمزِّق المنطقة لخدمة تراكم رأس المال العالمي.

إأنَّ كشف هذا الدور التخريبي للأذرع الإعلامية هو جزء لا يتجزَّأ من النضال ضد الإمبريالية، إذ لا يمكن إسقاط مشاريع النهب والتمزيق دون كسر «الحصن الأيديولوجي» الذي يحميها ويزيِّن قُبحها في عيون المقهورين.

 

التناقضات الهيكلية وحتمية المواجهة مع مشروع «إدارة الخراب»

 

إنَّ هذه السياسات «العابرة للقارات» التي تنتهجها الإمارات تحمل في طياتها بذور أزمتها؛ فالانسحاب من «أوبك» قد يثير «حرب أسعار» لا تتحمَّلها ميزانية الدولة على المدى الطويل إذا ما قرَّرت القوى النفطية الكبرى الرد بالمثل. كما أنَّ الرهان المطلق على المحور الأمني الصهيوني-الأمريكي يجعل السياسة الإماراتية رهينةً لتقلبات القوى الدولية والتحوُّلات السياسية في واشنطن وتل أبيب.

لقد سقطت أسطورة «الدولة الوسيطة المسالمة»، لتظهر مكانها قوة إقليمية تسعى للهيمنة عبر تفتيت الجغرافيا السياسية لجيرانها ونهب مواردهم لصالح تراكم رأس المال العالمي.

إنَّ استقرار المنطقة لا يمكن أنْ يتحقَّق في ظلِّ وجود هذا المشروع الذي يرى في إضعاف الدول وسيلةً لمراكمة النفوذ.

إنَّ طريق التحرُّر الحقيقي يبدأ بكسر هذه الهيمنة المالية والأيديولوجية، واستعادة الشعوب لسيادتها على مواردها وقرارها المستقل، بعيدًا عن أوهام «السلام الاقتصادي» الذي لا يجلب سوى التبعية والدمار.