عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

الأمن الغذائي وسيطرة الاحتكارات: الاحتواء الغذائي ودولة اللاسيادة

2026.01.03

الأمن الغذائي وسيطرة الاحتكارات: الاحتواء الغذائي ودولة اللاسيادة

 

 

يُقدَّم لنا مفهوم "الأمن الغذائي" على موائد النقاش الحكومي والإعلامي بصفته تحديًا لوجستيًّا بحتًا؛ معركة يومية لكفاية الإنتاج وزيادة الغلة في مواجهة النمو السكاني والجفاف. إنها سردية مطمئنة، لكنها في جوهرها مجرد غطاء دعائي يهدف إلى حجب الحقيقة الجوهرية والصارخة: إن أزمة الغذاء ليست أزمة ندرة أو قصور في الطبيعة، بل هي أزمة سيطرة وهيكلة اقتصادية فرضتها الاحتكارات العالمية.

إن هذه المقالة ليست دعوة إلى زيادة الإنتاج بقدر ما هي تفكيك لمنهج الاحتواء الغذائي الذي حوَّل الغذاء، من حق طبيعي ومسألة سيادة وطنية، إلى أداة ابتزاز ونفوذ تخدم مصالح حفنة من القوى الجيوسياسية المرتدية زي الشركات. إن الأمن الغذائي، بالتعريف الحقيقي الذي يجب أن نتبناه، هو القدرة على اتخاذ قرار الإنتاج والاستهلاك محليًّا دون تبعية لأجندات خارجية.

بذور التبعية و"تأميم" الحياة

تبدأ عملية التجريد من السيادة الغذائية عند نقطة الصفر: البذرة. هذه الكتلة الحيوية، التي كانت نتاجًا لتطور تشاركي عبر آلاف السنين وملكية عامة للبشرية، تم تحويلها، ببرودة حسابية لا تعرف الرحمة، إلى أصول خاصة تخضع لـ براءات الاختراع والقوانين التجارية الدولية.

لقد شهد العقد الماضي سلسلة من الاندماجات والاستحواذات الضخمة التي أدت إلى تركيز غير مسبوق للقرار الغذائي العالمي في أيدي ثلاث أو أربع شركات عملاقة، على رأسها تحالف باير ومونسانتو. هذه الكيانات لا تسيطر فقط على البذور المهندَسة وراثيًّا، بل تسيطر على الكيماويات الزراعية والأسمدة التي تحتاجها هذه البذور بالضرورة. إن التحول من البذور المتوارثة إلى البذور الهجينة لم يكن مسألة "تطور علمي" فحسب، بل هو إستراتيجية مالية محكمة تضمن أن المزارع، في كل موسم، يضطر إلى الشراء السنوي للبذور والمدخلات بدلًا من الاعتماد على ذاته.

في سياقنا العربي، نرى تجسيد هذه التبعية في برامج الدعم الزراعي التي تُنفَّذ في دول مثل مصر أو دول المغرب العربي. يتم توجيه الدعم الحكومي في كثير من الأحيان نحو استيراد الأسمدة والمبيدات الكيماوية من هذه الاحتكارات العالمية، ما يترتب عليه استنزاف هائل للعملة الصعبة وتلويث للتربة على المدى الطويل، في الوقت الذي يتم فيه إهمال دعم أساليب الزراعة المستدامة التي تعتمد على التنوع المحلي ومقاومة الآفات الطبيعية. هذا ليس سوء تخطيط، بل هو نظام مغلق يفرض على المزارع، وعلى الدولة، الاستمرار في دور العميل لسلسلة التوريد الاحتكارية.

مهندسو التبعية: صندوق النقد وأداة الإغراق

لا تكتمل سيطرة الاحتكارات على المدخلات إلا بتدمير قدرة الأسواق المحلية على المنافسة. هنا يتدخل مهندسو التبعية العالميون، وفي صدارتهم مؤسسات "بريتون وودز": صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

خلال العقود الماضية، لم تكن برامج التكيف الهيكلي (Structural Adjustment Programs) مجرد وصفات اقتصادية لترشيد الإنفاق، بل كانت آليات ممنهجة لتفكيك سياسات الأمن الغذائي الوطنية. كانت الشروط المفروضة على الدول النامية والعربية واضحة وقاسية: إلغاء الدعم عن المدخلات الزراعية، وفتح الأسواق على مصراعيها للواردات الرخيصة.

إن الخطاب المعلن لهذه المؤسسات يدور حول "كفاءة السوق" و"التجارة الحرة"، لكن النتيجة الحقيقية كانت تدميرًا سريعًا للقطاعات الزراعية المحلية. فكيف يمكن لمزارع بسيط في الريف المصري، على سبيل المثال، أن ينافس شحنات القمح المدعوم من الخزائن الأمريكية أو الأوروبية، أو كيف يصمد منتج الدواجن المحلي في الأردن أو تونس أمام واردات الدواجن المجمدة التي تباع بأسعار تقل عن تكلفة الإنتاج لديه؟

هذه ليست "منافسة عادلة"، بل هو "إغراق تجاري" (Dumping)، يعد في جوهره أداة استعمارية جديدة تضمن القضاء على المزارع الوطني وإخراج صغار المنتجين من المعادلة نهائيًّا، ليصبح السوق جاهزًا لاستقبال منتجات الاحتكارات. وبمجرد تدمير الإنتاج المحلي، تكتمل حلقة التحكم.

سياسات التخزين والتلاعب بالأسعار

السيطرة لا تتوقف عند المزارع أو حدود الدولة، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تتحكم فيها شركات التجارة الزراعية العملاقة. إن قوى مثل كارجيل (Cargill) وآرتشر دانيلز ميدلاند (ADM) لا تزرع بالضرورة، لكنها تسيطر على مسارات الحبوب العالمية، والتخزين الإستراتيجي، والتأمين على السلع.

هذا التحكم الممنهج يسمح لهذه الشركات بـ التلاعب بأسعار السلع الأساسية في أوقات التوتر الجيوسياسي، ما يحول الأزمات العالمية (مثل الجفاف أو الحروب) إلى فرص ذهبية للربح الهائل على حساب أمن ملايين البشر. لقد شهدنا هذا بوضوح عند اندلاع حرب أوكرانيا في عام 2022؛ لم يكن العالم يعاني من نقص في الغذاء بقدر ما عانى من الاضطراب في التوزيع والتخزين بسبب سيطرة هذه القوى على الطرق البحرية والبرية ومراكز التخزين الرئيسية.

الاحتواء في العالم العربي: كشف التواطؤ والنفاق

يتجلى فشل السياسات التابعة في المنطقة العربية بشكل صارخ في ملف القمح، الذي تحول إلى قضية أمن قومي مهملة. إن الاعتماد الكاسح على واردات القمح، جعل مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، إذ يبلغ استهلاكها السنوي حوالي 20.6 مليون طن (تنتج منها محليًّا حوالي 9 ملايين طن) تستوردها من مصدرين رئيسيين (روسيا وأوكرانيا)، ما جعل مصر رهينة لصراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

عندما ضربت أزمة 2022، لم يكن التحدي في كيفية شراء القمح، بل في فقدان السيطرة على قرار الشراء؛ كنا في موقع المستجدي بدلًا من المشتري القوي. أدت الأزمة إلى تضخم هائل في أسعار الخبز والسلع الأساسية، مهددة الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي في دولة تعتمد على الخبز كعنصر أساسي في قوت يومها. هذا يؤكد فشل الأنظمة التي فضلت على مدى عقود الاستيراد السهل الرخيص على بناء المخزون الإستراتيجي ودعم الإنتاج المحلي المستدام.

هذا النفاق يتجسد أيضًا في برامج "استصلاح الأراضي العملاقة" التي تُنفذ في بعض الدول العربية. يُباع لنا هذا التوجه على أنه "اكتفاء ذاتي"، لكن التحليل النقدي يظهر أن هذه المشاريع:

  1. تعتمد على زراعة محاصيل مُهدِرة للمياه (مثل الأعلاف أو القمح في بيئات صحراوية).
  2. تستنزف مصادر المياه الجوفية غير المتجددة.
  3. تستفيد منها في المقام الأول شركات المقاولات والأغذية العملاقة التي تحظى بعقود الحفر والري والدعم الحكومي.

إن السؤال هنا ليس: "هل زادت الرقعة الزراعية؟" بل: "هل تخدم هذه المشاريع الأمن الغذائي لعامة الجمهور، أم أنها مجرد نقل منظم للمال العام إلى جيوب نخبة متواطئة باسم الأمن القومي؟"

أما صفقات الاستيلاء على الأراضي (Land Grabbing) في دول مثل السودان أو إثيوبيا لصالح دول غنية، فهي الشكل الأكثر فجاجة للتبعية. يتم بموجب هذه الصفقات استئجار أو شراء أراضٍ واسعة لزراعة محاصيل تُنقل مباشرة إلى الخارج، ما يؤدي إلى تهجير المزارعين المحليين، دون أن يعود أي نفع على الأمن الغذائي للشعوب المضيفة.

استعادة السيادة ورفض الاحتواء

لقد كشفنا أن الأمن الغذائي، في ظل الهيكل الحالي، ليس هدفًا عالميًّا بقدر ما هو منظومة للاحتواء الممنهج تستخدمها قوى رأس المال لا لتغذية العالم، بل للتحكم في مساراته ومصادر ثرواته لتحقيق أقصى ربح ونفوذ. الاحتكارات لا تخلق الأمن، بل تعمق التبعية وتضع الربح المالي والسياسي في صدارة الأولويات.

إن التحرر من هذا الاحتواء يتطلب الخروج من فخ الخطابات الزائفة والبدء في عمل جذري وممنهج: يجب دعم الزراعة الإيكولوجية التي تعتمد على البذور المحلية المقاومة، ورفض براءات الاختراع على الحياة. يجب محاسبة النخب التي تواطأت في تفكيك الإنتاج الوطني، وفرض قيود صارمة على الإغراق التجاري، وإعادة بناء السيادة الغذائية على أساس دعم المزارع الصغير كمفتاح حقيقي للاستقلال الوطني.

إننا لا نستطيع أن نطمح إلى أي ديمقراطية حقيقية أو استقلال سياسي في ظل تبعية غذائية كاملة. إن النضال من أجل الغذاء هو نضال من أجل السيادة والحرية.