دراسات
شريف إمامالانفتاح في ذاكرة الاقتصاد المصري: مقاربة في دفاتر التبعية
2025.11.23
مصدر الصورة : ويكيبديا
الانفتاح في ذاكرة الاقتصاد المصري: مقاربة في دفاتر التبعية
لطالما شكَّل الانفتاح الاقتصادي لحظة فاصلة في تاريخ مصر، مفصلًا بين فترات من الاستقلال الجزئي والتبعية المتجددة، بين محاولات بناء اقتصاد وطني قائم على الإنتاج والتحكم في الموارد، وبين ضغوط خارجية تفرض سياسة السوق المفتوح وتعيد رسم خريطة التبعية. وتكشف مقارنة تجربتين تاريخيتين -انفتاح مصر بعد محمد علي في القرن التاسع عشر، وانفتاحها في عهد السادات بعد أكتوبر 1973- عن أن الانفتاح ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو مرآة للسلطة، والهزيمة، والنصر، والتسويات السياسية، يعكس قدرة الدولة على حماية مصالحها أو تخضع للضغوط الدولية، ويترك بصماته العميقة على ذاكرة مصر الاقتصادية.
ففي عام 1838، أبرمت إنجلترا مع الدولة العثمانية اتفاقية "بالطة ليمان"، التي التزمت بموجبها السلطنة بإلغاء جميع أشكال الاحتكار التجاري في أرجاء إمبراطوريتها. غير أن الهدف الحقيقي لتلك الاتفاقية كان توجيه ضربة مباشرة إلى السياسة الاقتصادية التي انتهجها محمد علي باشا، والتي قامت على مبدأ الاحتكار وتنمية الصناعات الوطنية [1] . وما إن انهزم جيشه أمام القوى الأوروبية عام 1840، حتى وجدت مصر نفسها مضطرة إلى الرضوخ لشروط الاتفاقية، فبدأت مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي والارتباط المتزايد بالاقتصاد العالمي، ولا سيما بعد التوسع الكبير في زراعة القطن الذي أصبح عماد الاقتصاد المصري آنذاك [2] .
وبعد نحو قرن وأربعة عقود، عاد التاريخ ليعيد نفسه بصورة مختلفة، حين طرح الرئيس أنور السادات في إبريل 1974 "ورقة أكتوبر"، التي دعت صراحة إلى الانفتاح على العالم وتشجيع الاستثمار الأجنبي. [3] وفي العامين التاليين (1974–1975)، صدرت مجموعة من القوانين والقرارات التي شكّلت الإطار القانوني لما عُرف بـ"سياسة الانفتاح"، وكان من أبرزها قانون استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة رقم 43 لسنة 1974. [4]
وبين الانفتاحين -انفتاح خلفاء محمد علي وانفتاح السادات- ظلت هناك مجموعة من الثوابت البنيوية التي شكّلت المشهد الاقتصادي والسياسي الذي انبثق عنه كلٌّ منهما. فدائمًا ما يأتي الانفتاح بعد فترة من الانعزال النسبي للاقتصاد المصري عن الاقتصاد العالمي، يتبعها تحقيق قدر من الاستقلال الاقتصادي بفضل التوجه السياسي للقيادة الحاكمة. غير أن هذا الاستقلال لا ينعكس بالضرورة على الطبقات الشعبية، إذ سرعان ما تفرز كل مرحلة طبقة جديدة من المستغلين تحل محل سابقتها. فبعد القضاء على المماليك في عهد محمد علي، برزت الأرستقراطية التركية بوصفها الوريث الجديد للسلطة والثروة. [5] والأمر نفسه تكرر في عهد عبد الناصر، الذي استبدل بكبار ملاك الأراضي والإقطاعيين "النخبة العسكرية"، مستكملًا بذلك أهم مقومات الدولة البريتوريانية عبر تمهيد الطريق لـ"عسكرتها". [6] والقاسم المشترك بين التجربتين أن كليهما أسفر عن نشوء جهاز بيروقراطي ضخم خرجت من رحمه طبقة جديدة هي البرجوازية البيروقراطية أو ما يُعرف بـ"برجوازية الدولة"، وهي نتيجة طبيعية لبنية مصر كـدولة هيدروليكية تمسك فيها السلطة بزمام السياسة والإدارة معًا، فتغدو الدولة أقوى من المجتمع ذاته. [7]
ومع ذلك، نجحت القيادة السياسية في كلتا المرحلتين، عبر سيطرتها على النشاط الاقتصادي تحت مسميات مختلفة -كـ"الاحتكار" أو "الاشتراكية" أو بالأدق رأسمالية الدولة- في تحقيق قدر ملموس من الاستقلال عن الرأسمالية العالمية، وبناء قاعدة صناعية أولية كان يمكن البناء عليها. غير أن التدخل الخارجي وما تلاه من فتح الأبواب أمام رأس المال الأجنبي قوَّضا مشروع الاستقلال هذا وأدخلا البلاد في دوامة التبعية.
وسنسعى في ما يلي إلى استجلاء أوجه الشبه بين مشروعي الانفتاح اللذين تليا مرحلتي محمد علي وجمال عبد الناصر، بوصفهما حلقتين متشابهتين في سلسلة السعي المصري نحو التوازن بين الاستقلال الاقتصادي والانفتاح العالمي.
أولًا: تشويه هيكل الاقتصاد
ما إن بدأ رأس المال الأجنبي يطرق أبواب مصر عقب انهيار نظام رأسمالية الدولة الذي أسسه محمد علي باشا، حتى اتجه مباشرة إلى الاستثمار في دائرة السلعة التصديرية الأولى: القطن، دون أن يسهم في تنويع الهيكل الإنتاجي أو تطوير قاعدة صناعية حقيقية. ولأن العائد من المحاصيل الزراعية كان يفوق بكثير أرباح أي نشاط اقتصادي آخر، اندفع المستثمرون الأجانب إلى استثمار أموالهم في الزراعة، فقاموا بعمليات استصلاح الأراضي وبيعها، وسيطروا في الوقت ذاته على التجارة الخارجية من خلال إنشاء شركات لتجهيز المواد الخام وتصديرها، فضلًا عن احتكار تسويق المنتجات الأوروبية داخل مصر.
وبذلك لم تكن تلك الشركات شركات إنتاج بالمعنى الدقيق، بل كانت أدوات لخدمة رأس المال الأجنبي وضمان تدفق أرباحه إلى الخارج. ومع مرور الوقت، أحكم الأجانب قبضتهم على القطاع المالي عبر تأسيس البنوك، وكان أولها بنك مصر سنة 1856، كما ازدهر النشاط غير الرسمي أو ما يمكن تسميته بـ الاقتصاد الخفي، الذي تجسّد في المضاربات والرهون والقروض الربوية. [8]
نتيجة لذلك، أسهمت سياسة الانفتاح المبكر في تفريغ الاقتصاد المصري من مقومات قوته، إذ أصبح قائمًا على سلعة تصديرية واحدة هي القطن، ما خلق اقتصادًا هشًّا بلا هيكل إنتاجي متنوع. وبعد أن فرغ رأس المال الأجنبي من استهداف الأفراد، انتقل إلى إقراض الدولة نفسها عبر الاستثمار في دَينها العام، الذي تحوّل إلى أداة من أدوات السيطرة الاقتصادية.
ومع عودة رأس المال الأجنبي إلى مصر عام 1974 في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي، تكرّر المشهد ولكن بأدوات جديدة. فقد اتجهت الاستثمارات الأجنبية نحو القطاعات الخدمية، وخاصة القطاعات الاستهلاكية وسوق العقارات، إلى جانب التجارة وأعمال الوساطة بمختلف أنواعها. وأدى هذا التوجه إلى إضعاف القطاعات السلعية في الاقتصاد المصري، حيث ارتفعت قيمة الواردات السلعية، ولا سيما الزراعية منها، في حين تراجع الإنتاج المحلي.
ولا يمكن عزل هذا التراجع عن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي سمحت بدخول السلع المستوردة لتنافس المنتجات الوطنية في القطاعين العام والخاص، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تجاهل القطاعات الإنتاجية وتوجيه رؤوس أموالهم نحو الأنشطة التجارية والمالية السريعة الربح. ولم تستطِع استثمارات القطاع العام تعويض هذا العجز، فتحولت مصر منذ عام 1974 إلى مستورد صافٍ للسلع الزراعية. [9]
وبذلك أعاد رأس المال الأجنبي إنتاج دوره القديم في إعاقة جهود التصنيع والإنتاج، كما كان الحال في منتصف القرن التاسع عشر. ومع اندماج مصر مجددًا في السوق الرأسمالية العالمية، فُرضت عليها قواعد تقسيم العمل الدولي التي حدّدت دورها في تصدير المواد الأولية. فبعد أن تخصصت في تصدير القطن في القرن التاسع عشر، أصبحت في منتصف سبعينيات القرن العشرين مصدِّرًا للبترول بدلًا منه، استجابة لتحولات الطلب العالمي على الطاقة، في مشهد يختصر استمرارية التبعية الاقتصادية وإن تبدلت أدواتها ومسمياتها.
ثانيًا: الإطار الدولي
دائمًا ما يأتي اتباع مصر لسياسة الانفتاح الاقتصادي استجابة لأزماتٍ اقتصادية عالمية تتصدرها القوى الفاعلة في المنظومة الرأسمالية الدولية. فغالبًا ما يكون الدافع الخارجي، لا الداخلي، هو المحرك الأساسي لهذا التحول، إذ تفرض التحولات الكبرى في مراكز القوة الاقتصادية العالمية موجاتها على الأطراف التابعة، فتتخذ الأخيرة الانفتاح وسيلة للنجاة من أزماتها أو وسيلة للتكيّف مع النظام الدولي الجديد.
ففي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، كانت إنجلترا تعيش أزمة اقتصادية خانقة نتيجة لما عُرف بـ"الانقلاب الزراعي" وما صاحبه من ركود في الإنتاج، إلى جانب سياسات الحماية الجمركية الأوروبية ورفض الولايات المتحدة أن تكون سوقًا للمنتجات البريطانية. هذا الركود دفع الحكومة البريطانية إلى البحث عن أسواق جديدة لتصريف فائض إنتاجها الصناعي، فتبنت خطابًا عالميًّا يدعو إلى حرية التجارة باعتبارها ضرورة لشعوب الأرض كافة، بل ذهبت إلى حد تبرير تدخلها في الشؤون الداخلية للدول "المتأخرة" بحجة نشر مبادئ التجارة الحرة. [10]
وفي هذا السياق مارست إنجلترا ضغوطًا اقتصادية وسياسية متصاعدة على محمد علي باشا، إذ بدأت الضغوط دبلوماسية وانتهت عسكرية، حتى أُجبر في النهاية على توقيع اتفاقية "بالطة ليمان" عام 1838، التي كانت أداة مباشرة لكسر نظام الاحتكار الذي أسسه وإضعاف التجربة الاقتصادية المستقلة التي شيّدها لمصلحة الهيمنة التجارية البريطانية.
أما في السبعينيات من القرن العشرين، فقد تكرّر المشهد بصورة جديدة. إذ شهد الاقتصاد الأمريكي تراجعًا ملحوظًا منذ أواخر الستينيات بسبب صعود القوة الاقتصادية لأوروبا واليابان ومنافستهما للهيمنة الأمريكية من جهة، وبسبب استنزاف حرب فيتنام التي خلّفت آثارًا كارثية على المستويين العسكري والاقتصادي من جهة أخرى. هذا التدهور أدى إلى انهيار نظام "بريتون وودز" عقب إعلان الولايات المتحدة في أغسطس 1971 وقف تحويل الدولار إلى ذهب، وهو القرار الذي مثّل نهاية النظام النقدي العالمي القديم وبداية عهدٍ من الاضطراب المالي والاقتصادي الدولي.
ورغم حالات الانتعاش المحدودة في عامي 1971 و1972، فإن نهاية عام 1973 جاءت لتكشف عن أزمة عالمية مزدوجة تمثلت في ارتفاع أسعار النفط وظهور أزمة الغذاء والأسمدة، ما أدخل الاقتصاد العالمي في كساد شديد قورن في حدّته بـ الكساد الكبير عام 1929. [11]
في مواجهة هذا الوضع، قادت الولايات المتحدة، ومعها القوى الصناعية الكبرى، جهودًا لصياغة نظام اقتصادي دولي جديد أُعلن عنه عام 1974، استند إلى فكرة "السوق الكونية" التي تربط اقتصادات العالم بشبكة مترابطة من التبادل التجاري والاستثماري. غير أن هذا النظام لم يكن سوى غطاء أيديولوجي لسياسة الهيمنة الجديدة التي سعت من خلالها الولايات المتحدة إلى التحكم في فوائض العائدات النفطية، ولا سيما لدى دول الأوبك، عبر إعادة تدويرها في الأسواق المالية الغربية، واختراق اقتصادات دول العالم الثالث -ومن بينها مصر -تحت شعار الاستثمار والانفتاح. [12]
وهكذا تحولت أدوات السيطرة من المدافع والسفن الحربية في القرن التاسع عشر إلى المؤسسات المالية الدولية في القرن العشرين، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين تولّيا مهمة إخضاع الدول النامية عبر آليات الدَّين والإقراض المشروط، بما يضمن استمرار التبعية الاقتصادية والسياسية، وتفريغ مشاريع الاستقلال الوطني من مضمونها الحقيقي.
ثالثًا: الإطار القانوني
تتمثل المعضلة الكبرى في تجربة الانفتاح الاقتصادي المصري في كونها تأتي دومًا مُحصَّنة بتشريعات استثنائية تمنح رأس المال الأجنبي وضعًا قانونيًّا متميزًا يجعله عمليًّا فوق سلطة الدولة وخارج نطاق رقابتها. فبدلًا من أن تُدمج الاستثمارات الأجنبية في الإطار القانوني الوطني، يُنشأ للانفتاح نظام تشريعي خاص يتسم بعدم العدالة ويخلّ بمبدأ السيادة القانونية، الأمر الذي يخلق اقتصادًا ذا طابع مزدوج: وطنيًّا في الشكل، وأجنبيًّا في الجوهر. [13]
فقد أسفرت الامتيازات الأجنبية التي ترافقت مع انفتاح ما بعد محمد علي عن توسيع نفوذ رأس المال الأجنبي ومنحه قدرة شبه مطلقة على التحكم في مفاصل الاقتصاد المصري، بعيدًا عن أي رقابة فعلية من الإدارة المحلية. ومع أن تلك الامتيازات تعود جذورها إلى عصور سابقة في الدولة العثمانية، فإنها لم تمثّل خطرًا فعليًّا في زمن محمد علي بفضل قوة الحكومة المركزية آنذاك، رغم تدفق أعداد كبيرة من الأوروبيين إلى مصر وانخراطهم في شتى الأنشطة الاقتصادية. [14]
لكن بعد انهيار مشروع محمد علي، أصبحت مصر بحكم الواقع خاضعة لكل معاهدات الامتيازات التي كانت الدولة العثمانية قد أبرمتها مع القوى الأوروبية، وذلك عقب توقيع معاهدة لندن عام 1840.ومع صدور الفرمان العثماني سنة 1856، تم إضفاء الشرعية على حق الأجانب في تملك الأراضي والعقارات داخل أراضي السلطنة، بما في ذلك مصر، الأمر الذي مهّد الطريق لتغلغل السيطرة الأجنبية في عمق البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. [15]
وجاء تأسيس المحاكم المختلطة سنة 1875 ليزيد الطين بلة. فعلى الرغم من أن الهدف المعلن لإنشائها كان الحد من تأثير الامتيازات الأجنبية والمحاكم القنصلية، فإنها في الواقع أرست إطارًا قانونيًّا جديدًا عزّز من الهيمنة الأجنبية على وسائل الإنتاج. وسرعان ما طغت هذه المحاكم على القضاء الوطني، ومنحت نفسها صلاحيات واسعة، منها إدخال أي أجنبي في دوائرها دون الحاجة إلى إثبات جنسيته، وتوسيع نطاق اختصاصاتها استنادًا إلى ما سُمّي بـ نظرية الصالح المختلط. وبذلك تمكّن الأجانب من التدخل في دعاوى الملكية بين المصريين أو النفاذ إلى القضايا عبر صفة المستأجر أو الشاهد، وهو ما جعل السيادة القانونية المصرية موضع عبث دائم.
وكان أخطر ما استحدثته هذه المحاكم هو تشريعات الرهن العقاري التي سمحت برهن الأراضي ضمانًا للقروض، ثم نزع ملكيتها في حال العجز عن السداد. ونتيجة لأحكامها الجائرة، انتقلت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى ملكية الأجانب، ما أدى إلى تضخم نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. [16]
وعند انتقال مصر إلى الانفتاح الحديث بعد عام 1974، عادت هذه الظواهر ولكن في ثوب قانوني جديد. فقد جاء قانون استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة رقم 43 لسنة 1974 ليكشف بوضوح عن نزعة المشرّع إلى مغازلة رأس المال الأجنبي. إذ لم يُصَغ القانون بوصفه تشريعًا متوازنًا يحدّد حقوق المستثمرين والتزاماتهم، بل تحوّل إلى وثيقة امتياز جديدة منحت المستثمر الأجنبي تسهيلات ووسائل تحكيم خاصة في حال النزاع، بعيدًا عن القضاء الوطني. [17]
بل إن الدولة نفسها قبلت في اتفاقيات الاستثمار المبرمة مع الدول الغربية بشروطٍ تُضعف من مركزها الدولي وتُقارب حدود الوصاية القانونية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في اتفاقيات الاستثمار مع الولايات المتحدة، ولا سيما معاهدة سبتمبر 1982، التي تضمنت عبارات تُذكّر بعهد الامتيازات العثمانية، مثل وصف الولايات المتحدة بأنها "الدولة الأولى بالرعاية". [18]
كما ألغت قوانين الانفتاح –عمليًّا- حق الدولة في المصادرة أو التأميم، وأقصت القضاء الوطني عن النظر في المنازعات الاستثمارية لصالح آليات تحكيم دولية تُدار خارج الحدود. ثم جاء تعديل القانون رقم 43 لسنة 1974 بالقانون رقم 230 لسنة 1989 ليُكرّس الامتيازات بصورة أوسع، إذ منح المستثمرين إعفاءات ضريبية تمتد لخمس سنوات قابلة للتجديد، وأخرى إضافية للمشروعات في المناطق الصناعية والعمرانية الجديدة تصل إلى عشر سنوات، فضلًا عن حرية تحويل الأرباح إلى الخارج دون قيود. [19]
وهكذا، أعاد الانفتاح الحديث إنتاج جوهر الامتيازات القديمة، لكن في ثوب تشريعي عصري، جعل من رأس المال الأجنبي كيانًا فوق القانون، وأعاد إلى الأذهان ملامح التبعية التي عرفتها مصر في القرن التاسع عشر، وإن تغيّر شكلها من وصاية قنصلية إلى وصاية استثمارية.
رابعًا: العائد الاقتصادي
عند انهيار نظام الاحتكار الذي أسّسه محمد علي، ودخول مصر عهد الحرية التجارية، بدأت الموازنة العامة تعاني من عجزٍ واضحٍ، إذ غدت مصر -في مرحلة ما بعد الاحتكار- تقوم بدورين متناقضين: مستهلكًا لفائض المصنوعات الأوروبية، ومستوردًا لفائض رؤوس الأموال الأجنبية. [20] وفي الوقت نفسه، استطاعت الدول الأوروبية شراء المواد الخام المصرية بأبخس الأثمان، ثم ما لبثت أن مارست ضغوطًا متزايدة على الحكومة المصرية لحملها على قبول القروض الأجنبية طويلة الأجل المضمونة بموارد الدخل العام، تحت ذريعة تمويل مشروعات التنمية. غير أن عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه دائنيها أفضى إلى فرض صندوق الدَّين الذي مثّل مصالح الدائنين الأجانب، وإلى تعيين مستشارين أجانب داخل الجهاز الحكومي المصري. [21]
وبما إن الثروة الأساسية آنذاك كانت الثروة الزراعية العقارية، وكانت ملكية الأراضي الزراعية الكبرى تتركز في يد الخديوي وأسرته، فقد كانت الخصخصة -بمعناها التاريخي في القرن التاسع عشر- تعني بيع هذه الأراضي للخواص. [22]
والمشهد ذاته تكرّر مع الانفتاح الساداتي في سبعينيات القرن العشرين، حين عادت أزمة المديونية لتلقي بظلالها على الاقتصاد المصري. صحيح أن بذور الدَّين العام تعود إلى المرحلة الناصرية التي استُنفدت خلالها الأرصدة الإسترلينية وارتفع الدَّين إلى ما يزيد على خمسة مليارات دولار. [23] إلا أن الانفتاح الاقتصادي أدخل مصر في دوامة غير مسبوقة من العجز في ميزان المدفوعات. فقد أصبح هذا العجز يستدعي الاقتراض، بينما أدت أعباء خدمة الديون إلى تفاقم العجز نفسه، لتدور الدولة في حلقة مفرغة من القروض والعجز المتنامي. [24]
وإذا كانت تدخلات الدائنين الأجانب في القرن التاسع عشر قد تمّت عبر دولهم مباشرة، فإن الانفتاح الثاني أفرز نمطًا جديدًا من الهيمنة، تجسّد في ما سُمّي بـ"الإصلاح الاقتصادي" القائم على وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبما إن الدولة لم تعُد تملك أراضي زراعية كالتي كانت تعرضها للبيع في عهد الدائرة السنية، فقد تحولت الخصخصة الساداتية إلى بيع مشروعات القطاع العام في مجالات الصناعة والسياحة وأراضي البناء، ثم امتد الأمر في المراحل اللاحقة إلى بيع مشروعات المنفعة العامة مثل الطاقة والاتصالات. [25]
خامسًا: الاستقلال الاقتصادي
بعد إسقاط نظام الاحتكار، بدأ تنفيذ مخطط محكم لإدخال مصر في فلك الرأسمالية الأوروبية، إذ تحول الاقتصاد المصري تدريجيًّا إلى اقتصاد تابع يؤدي دورًا محددًا في تقسيم العمل الرأسمالي العالمي، يتمثل في إنتاج سلعة واحدة هي القطن وتصديرها إلى سوق واحدة هي إنجلترا. [26] ومع هذا التحول، حلّت الاستثمارات والقروض الأجنبية محلّ المدخرات الوطنية، وتوغلت الواردات الأجنبية في الأسواق، فأضعفت الصناعات المحلية والزراعة الوطنية. [27]
ورغم الانتقادات التي وُجّهت إلى سياسة محمد علي الاقتصادية وربطها بمغامراته العسكرية وتوسعاته الخارجية. [28] فإنه كان قادرًا على تحقيق توازنٍ في الميزانية العامة بحيث تكفي الإيرادات المصروفات، بل وتتجاوزها أحيانًا، وهو ما حفظ لمصر قدرًا من الاستقلال الاقتصادي والسياسي. [29] بيد أن تغلغل رأس المال الأجنبي في أعقاب الانفتاح أطاح بهذا الاستقلال، ففقدت البلاد سيادتها الاقتصادية والسياسية معًا.
وما إن فُتحت أبواب مصر أمام رأس المال الأجنبي في منتصف السبعينيات، حتى بدأ الأخير يفرض سيطرته على مفاصل الاقتصاد الوطني، وازداد اعتماد الدولة على المعونات الأجنبية والعربية.
وقد تلقت مصر خلال السنوات الأربع الأولى للانفتاح دعمًا عربيًّا سنويًّا معتبرًا، كما أودعت الحكومات العربية أكثر من ملياري دولار في البنك المركزي المصري. غير أن قرار المقاطعة العربية عقب اتفاقية كامب ديفيد (1978)، أنهى هذا الدعم، لتتولى المنظمات الدولية الخاضعة للهيمنة الأمريكية إدارة الاقتصاد المصري المتعثر. [30] وهكذا أصبحت المعونة الأمريكية تؤدي الدور ذاته الذي مارسه الاستعمار القديم في نزع استقلال الاقتصاد المصري، ومن ثم القرار السياسي. [31]
ورغم ما وُجّه من انتقادات إلى النظام الاقتصادي في عهد عبد الناصر، خاصة فيما يتعلق بضعف معدلات الادخار وارتفاع الاستهلاك العام، فإن العجز التجاري لم يتجاوز آنذاك 5% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين قفز إلى39.3 % عام 1975، وهو ما يكشف عمق التحول الذي أحدثه الانفتاح في بنية الاقتصاد المصري. [32]
سادسًا: البنية الاجتماعية
شهد المجتمع المصري تحوّلًا عميقًا في بنيته الطبقية خلال المرحلة التالية لسقوط سياسة محمد علي، إذ نمت الملكية الخاصة للأراضي الزراعية واتسعت رقعة الملكيات الكبيرة، بينما خضع المجتمع المصري لعملية تغريب واسعة النطاق لم يعرف لها مثيلًا من قبل. فقد أدّت سياسة الباب المفتوح إلى انفتاح مصر على تيار جارف من الثقافة الغربية التي تسللت عبر المهاجرين الأوروبيين، والسلع المستوردة، والاستثمارات الأجنبية التي حملت معها أنماطًا استهلاكية وقيمًا اجتماعية جديدة. [33]
ومع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1974، برزت إلى سطح المجتمع المصري فئات اجتماعية طفيلية نشيطة، ورافق ذلك انتشار السلوكيات الاستهلاكية الريعية، وظهور ما يمكن تسميته بـ"ثقافة عبادة المستورَد". [34] وقد نشأت في ظل هذه التحولات مراكز قوى اقتصادية جديدة تمثلت في فروع البنوك المشتركة، وتجار العملات الأجنبية، وكبار المستوردين في القطاع الخاص، وكذلك في الشراكات بين رأس المال العام والأجنبي، إلى جانب فئة العاملين في المشروعات الانفتاحية الذين شكّلوا بدورهم قاعدة اجتماعية لاقتصاد السوق الجديد. [35]
أخيرًا، يمكن اعتبار الانفتاح في مصر ليس مجرد سياسة اقتصادية محضة، بل مظهرًا من مظاهر التبعية والسيطرة الدولية على الاقتصاد الوطني، سواء في القرن التاسع عشر أو في سبعينيات القرن العشرين. وبذلك، فإن ذاكرة مصر الاقتصادية تحتفظ بالدرس الأهم: أن الاستقلال الاقتصادي والسياسي مرتبطان بقدرة الدولة على مقاومة الضغوط الخارجية وتنمية قاعدة إنتاجية مستقلة، وأن أي انفتاح يُفقد الدولة أدوات السيطرة على اقتصادها سيؤدي إلى إعادة إنتاج حلقات التبعية، بغض النظر عن شكل الانفتاح أو الظروف السياسية المصاحبة له. ومن ثم، يصبح التحدي الرئيسي للمستقبل هو تحقيق توازن بين الانفتاح الاقتصادي والاستقلال الوطني، بما يضمن مصر دولة فاعلة اقتصاديًّا وسياسيًّا، قادرة على حماية مصالحها وتحقيق تنمية مستدامة.