عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

السودان: حرب الجنرالين التي يريدها الجميع.. إلا السودانيين

2026.05.23

السودان: حرب الجنرالين التي يريدها الجميع.. إلا السودانيين

 

في الساعات الأولى من صباح الخامس عشر من أبريل عام 2023، أيقظ دوي المدافع وأزيز الطائرات الحربية مدينة الخرطوم على حرب لم تكن مفاجأة لمَن يعرف خبايا السياسة السودانية، غير أنَّها صدمت العالم بضراوتها وسرعة تَحوُّلها من نزاع عسكري محدود إلى مأساة إنسانية متكاملة تهدِّد باستقرار منطقة بأسرها. فجأة وجد السودان نفسه ساحةً مفتوحةً لحرب لا تعرف هوادة، تتصارع فيها جيوش وميليشيات ومصالح إقليمية ودولية متشابكة تجعل من الوصول إلى الحقيقة رحلةً شاقةً في متاهة من الدماء والمصالح والتاريخ العميق.

الرجلان اللذان وقفا جنبًا إلى جنب في انقلاب أكتوبر عام 2021، الذي أطاح بالحكومة المدنية وخيَّب آمال ملايين السودانيين الذين خرجوا في ثورة ديسمبر الباسلة، هما ذاتهما من أشعلا هذه الحرب.

الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، في مواجهة الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقب بـ«حميدتي»، قائد قوات «الدعم السريع».

يبدو المشهد في ظاهره نزاعًا على السلطة بين رجلين طموحين، لكن مَن يتأمل في أعماقه يجد أنَّ هذا الصراع يمتد بجذوره إلى عقود بعيدة، ويتشابك مع مصالح قوى إقليمية ودولية تجعل منه إحدى أكثر الحروب في القارة الأفريقية تعقيدًا وخطورة في القرن الحادي والعشرين.

لفهم هذه الحرب لا بد من العودة إلى رجل كان يعتقد أنَّه سيحكم السودان إلى الأبد؛ عُمر البشير الذي قبض على السلطة عام 1989 بانقلاب عسكري تحت عباءة الإسلام السياسي بقيادة حسن الترابي.

في عهد البشير وُلد الوحش الذي سيلتهم السودان لاحقًا. فحين اشتعل دارفور عام 2003، بدلًا من أنْ يواجه البشير التمرُّد بجيشه النظامي الذي بات يشك في ولائه، لجأ إلى تسليح مجموعات قبلية من البدو الرُّحَّل العرب المعروفين بـ«الجنجويد»، وهي التسمية التي غدت مرادفًا للرُّعب في ذاكرة أهل دارفور والعالم كله. كان حميدتي أحد قادة هذا التشكيل القبلي المسلح، ابن قبيلة المحاميد من قبائل الرزيقات العربية، الذي صعد من راعي الجِمال إلى أمير الميليشيات بفضل قسوة لا تعرف رحمة، وذكاء ميداني فطري.

مع مرور السنين، أدرك البشير أنَّ حميدتي بات قوةً لا يمكن تجاهلها، فقرَّر استيعابه بدلًا من مواجهته، وأسَّس له عام 2013 ما باتن تُعرف بـ«قوات الدعم السريع»، منحها صلاحيات واسعة وميزانيات سخية، وأطلقها على المعارضة في دارفور وكل مَن تسول له نفسه تحدي حكمه.

نما هذا الجسم العسكري الهجين خارج أي إطار مؤسسي حتى بلغ تعداده في بعض التقديرات 100 ألف مقاتل مدجج بالسلاح، له تمويله الخاص من ثروات الذهب في دارفور، ومن عقود أبرمها مع دول الخليج التي استأجرت مقاتليه للحرب في اليمن، وهكذا وجد السودان داخله دولةً في دولة، وجيشًا في مواجهة جيش، مما جعل الانفجار مسألة وقت وسيحدث.

حين أطاحت ثورة ديسمبر بالبشير، وجد البرهان وحميدتي أنفسهما في تحالف براغماتي قائم على المصلحة المشتركة لا على الثقة المتبادلة؛ كلاهما يريد إبعاد المدنيين عن السلطة، وكلاهما يريد التخلص من إرث البشير دون أنْ يُطيح به بالكامل خشية أنْ تطال المحاسبة أيديهما، وحين جاء انقلاب أكتوبر 2021، خُيِّل لهما أنَّهما نجحا في إحكام قبضتهما على البلاد، غير أنَّ بذور التناقض بين الرجلين كانت تنمو في الخفاء.

الجيش التقليدي لا يطيق وجود قوة موازية له تهدِّد وجوده المؤسسي، وحميدتي لا يقبل أنْ يبقى تابعًا لمَن يعتبرهم أقل منه عطاءً في ميادين القتال. كانت المفاوضات جارية حول دمج قوات «الدعم السريع» في الجيش النظامي، وهو الأمر الذي رفضه حميدتي رفضًا قاطعًا لأنَّه يعني في جوهره تسليم مفاتيح مملكته، فاشتعلت الحرب.

وبالنظر إلى الأبعاد الجيوسياسية لهذه الحرب التي تجعلها أكثر من مجرد نزاع داخلي. السودان بلد يقع في قلب أفريقيا وعلى تخوم الشرق الأوسط، يمتلك موارد طبيعية هائلة من ذهب ونفط وأراضٍ زراعية شاسعة، ويتحكَّم في مجرى النيل وعلى ساحل البحر الأحمر. هذه الجغرافيا الاستراتيجية جعلته هدفًا لنفوذ متعدد الأطراف، الإمارات العربية المتحدة تقف في هذه المعادلة كلاعب محوري؛ فهي من موَّلت قوات «الدعم السريع» وزودتها بالسلاح عبر مسارات التهريب الليبية والتشادية وفق ما وثَّقه فريق خبراء الأمم المتحدة، فالمصلحة الإماراتية لا تبدو بعيدةً عن الرغبة في السيطرة على مناجم الذهب السودانية التي باتت قوات حميدتي تتحكَّم فيها، وعن طموحات نفوذ إقليمي تجعل من الخرطوم الضعيفة والممزقة بيئةً أنسب من سودان موحد مستقر قد يكون منافسًا أو متحالفًا مع أطراف مغايرة.

كما تلعب إسرائيل الدور الأخطر في الأزمة السودانية، حيث يسير في مسارات أعمق وأكثر التباسًا، السودان كان في السابق من أشد الدول العربية عداءً لإسرائيل، وتل أبيب سعت منذ سنوات إلى اختراق المشهد السوداني وتطبيع العلاقات معه. وقد سعى حميدتي بشكل لافت إلى بناء علاقات مع إسرائيل عبر وساطة إماراتية ورواندية، في حين يُعدُّ الجيش السوداني أكثر تحفظًا على أي تطبيع.

وتشير بعض التحليلات الاستخباراتية إلى أنَّ إسرائيل ترى في إضعاف الدولة السودانية المركزية مصلحةً استراتيجيةً تمنعها من أنْ تغدو ممرًا لتسليح أي طرف معادٍ لها عبر القارة الأفريقية، فضلًا عن أنَّ السودان المنشغل بحربه الداخلية لن يتمكَّن من المشارَكة في أي جبهة إقليمية.

أما واشنطن فسياستها في السودان وصفها المنتقدون بالتذبذب بين خطاب حقوق الإنسان والمصالح الاستراتيجية، فهي تضغط من أجل وقف إطلاق النار وتُدين الانتهاكات الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته تتحاشى اتخاذ مواقف حاسمة قد تُغضب حلفاءها الخليجيين وتُعقِّد حساباتها في المنطقة.

ولعل مصر هي الدولة التي تتأثر بهذا الصراع أكثر من أي دولة أخرى في المحيط الإقليمي، إذ يربطها بالسودان ما لا يمكن فصله من تاريخ وجغرافيا ومصير. النيل الذي يمنح مصر حياتها يمرُّ في أراضيه قبل أنْ يصل إليها، والأمن الحدودي المشترك الممتد على آلاف الكيلومترات، والروابط القبلية والعائلية التي تجعل الحدود في وجدان الناس وهمًا أكثر منها حقيقة. فوق كل ذلك، تخشى القاهرة من أنْ تؤدي الفوضى السودانية إلى موجات نزوح بشري هائلة نحو أراضيها، وقد استقبلت مصر بالفعل ما يزيد على مليون لاجئ سوداني منذ اندلاع الحرب. لكن الهاجس الأكبر يكمن في احتمالية أنْ تتحوّل الأراضي السودانية إلى منطقة نفوذ لقوى معادية تنظر إلى الاستقرار المصري بعين الحسد، لذا القاهرة تقف علنيًّا إلى جانب الجيش السوداني وتعده المؤسسة الشرعية الوحيدة القادرة على إعادة بناء الدولة، كما أنَّ انتصار قوات «الدعم السريع» وما تمثله من نموذج للميليشيا المسلحة التي تحل محل الجيش النظامي يُشكِّل سابقةً خطيرةً قد تلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي برمته.

أما التداعيات على القارة الأفريقية، فهي بالغة الخطورة وممتدة الأثر.

أفريقيا التي تئن أصلًا تحت وطأة تعدُّد الصراعات من الساحل إلى القرن الأفريقي، تجد في الحرب السودانية فصلًا جديدًا يُضاف إلى معاناتها المزمنة، دول الجوار المباشر مثل تشاد وإثيوبيا وإريتريا وجمهورية أفريقيا الوسطى تعاني أصلًا من هشاشة مؤسسية تجعل تسرُّب النزاع إليها ممكنًا بل محتملًا.

إنَّ حركة النازحين السودانيين التي تجاوزت، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عشرة ملايين شخص هي الأكبر على مستوى العالم، مما يُلقي أعباءً هائلة على دول الجوار الهشة اقتصاديًّا. أكثر من ذلك، فإنَّ نموذج الميليشيا الممولة خارجيًّا الذي تمثله قوات «الدعم السريع» إنْ نجح فسيكون درسًا تستلهمه الجماعات المسلحة في عموم القارة، مما يُضعف منظومة الأمن الجماعي الأفريقي الذي يسعى الاتحاد الأفريقي وهيئاته إلى ترسيخه.

في قلب كل هذا تبقى مشاهد تعجز اللغة عن استيعاب فداحتها، حيث يعيش المدنيون السودانيون وجوهًا من العذاب لم تشهدها البلاد حتى في أحلك فصول حروبها السابقة. في أحياء الخرطوم وأم درمان وبحري، اقتحمت قوات «الدعم السريع» البيوت فأخرجت الرجال إلى الشوارع وأطلقت عليهم الرصاص أمام ذويهم، فيما اختُطفت النساء في جريمة يوثِّقها الناجون بتفاصيل لا تُحتمل.

في دارفور التي تعرف طعم الدم جيدًا، تَحوُّلت مدينة الجنينة إلى مسلخ بشري حين زحفت عليها الميليشيات وفرزت السكان على أساس الانتماء القبلي، فالعربي ينجو والأفريقي يُقتَل، في تطبيق صارخ لمنطق الإبادة العرقية الذي لا يُخطئه مراقب.

أكلت المجاعة مَن لم تأكله الرصاصة، إذ حاصرت قوات «الدعم السريع» مناطق بأكملها ومنعت عنها الغذاء والدواء حتى استسلم للجوع من صمد أمام السلاح.. الأطفال يموتون على أعتاب مستشفيات دمَّرتها الحرب، والأمهات يدفن صغارهن بأيديهن ثم ينزحن حاملات ما تبقى من حياة نحو مجهول لا يعدهن بشيء.

والسؤال الذي يطرحه العقل ويرفض أنْ يجد له إجابةً مُرضيةً هو: لماذا يرتكب هؤلاء المقاتلون المسلمون كل هذه الأفعال الوحشية بحق إخوانهم في الدين والوطن والمصير؟

الإجابة لا تكمن في الدين، لأنَّ الدين لم يكن يومًا الدافع الحقيقي لهذه الميليشيات، بل كان لافتةً تُستعار حين تنفع وتُطوى حين تعيق.

إنَّ قوات «الدعم السريع» وجذورها الجنجويدية نشأت في بيئة قبلية رعوية متوترة تراكمت فيها عقود من التهميش والتنافس على الأرض والمرعى والمياه، بين القبائل العربية الرحالة والمجتمعات الزراعية الأفريقية في دارفور، وحين سلح البشير هذا الاحتقان التاريخي وأطلقه في مواجهة التمرد لم يُفرز مقاتلين بل أفرز آلة انتقام، وجدت في السلاح الممنوح لها ترخيصًا للثأر من خصومات ضاربة في عمق التاريخ.

الوحشية التي يمارسها هؤلاء ليست جنونًا عارضًا، بل هي في بعض تفسيراتها استثمار في الإرهاب المنظم؛ فالجماعة التي تُذبح وتُهَّجر لا تعود إلى أرضها، والأرض الفارغة غنيمة يتقاسمها المقاتل مع قائده، أما الاغتصاب الممنهج فهو سلاح حرب لا شهوة عابرة، يستهدف تحطيم النسيج الاجتماعي للمجموعات المستهدفة، وترك ندوب في الذاكرة الجمعية لا تمحوها أجيال. يُضاف إلى ذلك أنَّ سنواتُ الإفلات من العقاب، منذ جرائم دارفور الأولى التي أدان فيها المجتمعُ الدولي ميليشيا الجنجويد، من دون أن تُحاسَب، مما علم هؤلاء المقاتلين أنَّ لا ثمن يُدفع على الجريمة في بلد نسيه العالم.

الدين في هذه المعادلة شاهد عاجز لا شريك، يُقرأ في مآذن المدن المحترقة أذان الصلاة بينما لا يزال الدم يجري في الأزقة، مما يجعل هذه الحرب في حقيقتها ليست حرب إسلام على إسلام، بل حرب السلطة والثروة والانتقام القبلي التي تتدثر بأي عباءة تجدها في متناولها، والإسلام بريء منها كبراءة الذئب من دم يوسف.

مما سبق، يتضح أنَّ هذه الحرب لن تنتهي بانتصار عسكري لأيٍّ من طرفيها، لأنَّ المنتصر سيرث بلدًا مُحطَّمًا، ومجتمعًا مريضًا بجراح لا تُحصى، هذه الحقيقة التي يُغفلها الطامحون للسلطة دائمًا ما لم تجتمع إرادات إقليمية ودولية حقيقية على وقف هذا النزيف، ويجلس السودانيون على طاولة تبنى عليها دولتهم التي طالما حلموا بها، فإنَّ حرب السودان ستبقى جمرةً تتصاعد أدخنتها لتُسمم هواء القارة كلها، وتُذكر العالم مرة أخرى بثمن الصمت أمام الظلم، ومغامرات أصحاب الطموح الذين يرون في أوطانهم مطايا لا أماكن للعيش الكريم.