مراجعات
محمد أبو النجاالهوى سلطان: كيف استفادت "مصر" من "إيجيبت"؟
2025.01.17
تصوير آخرون
الهوى سلطان: كيف استفادت "مصر" من "إيجيبت"؟
في فيلم الهوى سلطان، ربطت المخرجة والمؤلفة هبة يسري بطليها علي وسارة (أحمد داود ومنة شلبي) بعلاقة صداقة وجيرة منذ الطفولة، حتى دعتنا إلى تصديق أن سارة تكاد تقيم إقامة كاملة مع علي وأمه، لتبدو الصداقة عميقة طفولية لا تشوبها شهوانية، لم تكتفِ بذلك، بل دعمتها برسم سارة شخصية راضية بصورة العلاقة، ونمط حياتها الخالي من أي مجهود حسب قولها. إنها علاقة لا تبشر برومانسية، إنها العقبة نفسها، كأننا نشهد على الحياة فيما بعد الرومانسية، بالسمات الفاترة الرتيبة، التي تخمد المشاعر ويصير الاستمرار فيها واجبًا، لذلك كانت علاقتهما أشبه بمياه راكدة.
الخروج
تعتبر المياه الراكدة بيئة خصبة لحياة البعوض، ولكن فيلمنا لا يناقش قضية الحشرات الناقلة للأوبئة، بل الرومانسية من أساس الصداقة، التي تمنع بطليها من اكتشاف مشاعرهما، لذلك ينجذب علي إلى الأضواء كما البعوض، يأتي مصدر الأضواء من الطبقة الثرية، لا المتوسطة المنتمي إليها بطلانا، ثم تتبعه سارة، ليس لانجذاب، ولكننا نرى هذا في "فوتومونتاج" سريع، يعرض حالة الضيق والوحدة التي تعيشها بعد ابتعاد صديقها، وتعلو في خلفيته أغنية المرايا، التي تبدو كأنها مزحة تلقيها المخرجة، بعدما استدعتها من فيلم "آسف على الإزعاج"، كانت منة شلبي بطلته أيضًا، بخلاف أن كلمات الأغنية انعكست هذه المرة بصورة ذكية، على التغير الطارئ لبطلتنا سارة: "هتعمل إيه لو نمت يوم وصحيت ولقيت، أقرب ما ليك في الدنيا مش حواليك"، تمضي هي الأخرى في اتجاه نفس الأضواء، أضواء "إيجيبت".
أضواء "إيجيبت"
تعددت مسميات المجتمع المصري في تعريف الطبقة الثرية، حتى فرز مصطلح "إيجيبت" في السنوات الأخيرة، ليعبر عن اغتراب تلك الطبقة في لغتها وعاداتها وطريقة معيشتها، لم يوحِ الاسم بانبهار أو تطلع بقدر السخرية والاستنكار من طبقة تتحدث بالإنجليزية في تعاملاتها الاجتماعية، تكاد تجهل ثقافة وتاريخ بلدها، يصل اتباعها لعادات الغرب إلى درجة مستفزة للمصريين. يدخل بطلانا في هذا العالم البرَّاق، عبر ارتباطهما بليلى ورامي (جيهان الشماشرجي وأحمد خالد صالح)، اللذين ظهرا في صورة إيجابية؛ ليلى فتاة جميلة متفهمة، رامي دكتور ناجح يستغل وقته في تطوير مهاراته وإنجاز قرارته، فبعد فترة قليلة من صداقته بسارة صارحها برغبته في الزواج بها. يبدو الآن أن الدخول في العالم الجديد خاليًا من المشاكل، وفضلًا عن ترحيب الشخصيتين الجديدتين بصداقة سارة وعلي، فقد تجاهل الفيلم التفاوت الاقتصادي بين الطبقتين، بعكس رواد السينما المصرية، عندما استعانوا به كعقبة في معالجات قصص الحب، بخاصة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، كما في فيلمي الوردة البيضاء وليلى بنت الفقراء، عندما أخذوا بيد الجمهور إلى القصور والمتاجر الفاخرة وحلبات سباق الخيل، ليتخطى البطل الفقير تلك الأسوار ويفوز بالبطلة ابنة الطبقة الغنية، فيخرج الجمهور سعيدًا وقد أشبع فضوله، بمشاهدة العالم الجديد والغريب عليه، أما في عصرنا الحالي فصارت معيشة هذه الطبقة مباحة، بفضل تطبيقات "السوشيال ميديا"، لذلك كان على صناع فيلمنا أن يستعينوا بعقبة أخرى.
الهوى سلطان
يشير اسم الفيلم -الهوى سلطان- إلى دلائل عديدة، إذ يذكرنا بأغنية تحمل الاسم نفسه، للمطرب السوري جورج وسوف، فضلًا عن كونه معروفًا بلقب "سلطان الطرب"، الذي يوحي بمدلوله السياسي بالمرتبة الأعلى بين صفوف المطربين، ولكنها إشارة أخرى إلى تصريف الكلمة في استعمالها العامي، إذ إن كلمة "سلطنة" خاصة بالغناء الشرقي، وهي حالة يندمج فيها المستمع، فيستأثر به الصوت وكأنه "سلطان" عليه. استخدم الفيلم هذا كأداة مهمة، فميَّز الترابط بين سارة وعلي بأغانٍ مفضلة بينهما، مثل "روحي يا نسمة" لجورج وسوف، وأغانٍ عديدة للمطرب بهاء سلطان، الذي يأتي ذكره كدلالة تشترك في بعض الأسباب المذكورة، علاوة على تشابه اسمه الثاني باسم الفيلم. تبدو أداة الأغاني كإيماءة ذكية إلى المجتمع المصري، فيما يوصف مزاجه العام، وبانعكاس هذا على العلاقة مع شخصيتي "إيجيبت" نلمس أن الاختلاف الثقافي متجذر، ولكن هل هذا سبب كافٍ للانسحاب من "إيجيبت"؟
التفاهة
كما بادر علي إلى الانجذاب إلى الأضواء يُسرع أيضًا إلى إعلان تبرمه منها، لقد وجدها في صورة مختلفة عمَّا تصوره عنها، ليست مزيفة، ولكنها لا تملك ما يؤهلها لأن تسطو عليه ويندمج فيها، كذلك سارة تهرول مع أول دعوة من صديق طفولتها لتسترجع معه المشاعر التي تفتقدها، ويستمعان معًا إلى أغانيهما المفضلة، قد تبدو لنا أنها "نوستالجيا"، بخاصة وأن الفيلم استعرض مشاهد لمسلسلات مصرية قديمة، لها تأثير في الوجدان المصري، ولكن "النوستالجيا" لها تأثير قصير، يتوقف حال أن نشحن ما يغنينا عن وسائطه، أما ما حدث لبطلينا فقد تطور تأثيره إلى قرارهما المستقبلي، وجعل علي ينهي علاقته بخطيبته ليلى، بحجة أنهما لا يشتركان في حب أغنية أو مطرب. كان لليلى كل الحق في أن تتهمه بالتفاهة، لأنه استشهد بأمثلة تافهة مقارنة بقرار مصيري، فهل يتفق الجميع معها في الوصف نفسه؟
"الهابيتوس"
عرف عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو" مصطلح "الهابيتوس"، على أنه "بنية داخلية تتشكل من خلال تراكم الخبرات والتجارب الاجتماعية، فهو ليس مجرد سلوك مكتسب من البيئة الخارجية، بل هو نوع من البرمجة الداخلية، التي تحفز الفرد على التصرف بطريقة تتوافق مع سياقاته الاجتماعية". وعليه نجد أن علي استند في قراره المصيري إلى ميوله وذائقته، التي اكتسبها من طبقته الثقافية المختلفة عن طبقة ليلى، لقد خرج من المياه الراكدة ولكنه ما زال يرى العالم بعينيها، ولا يستمتع إلا بطريقتها، لذلك لم يتمالك نفسه في انفراده بسارة وقبَّلها، ليعلن تحولًا جديدًا في علاقاتهما، وبدورها لم تمانع سارة كما فعلتها مع الدكتور رامي من قبل، لقد رحبت بالتحول، لأنها شعرت بالضيق هي الأخرى في المجتمع المضيء، ولكن عبر صفة جديدة اكتشفتها في نفسها، ألا وهي الخوف، لقد أجلت قرارات تخص علاقاتها الاجتماعية، خوفًا من أن تبقى وحيدة، فاختارت الحياة الرتيبة المضمونة لها على اتخاذ خطوات جديدة، قد تأتي بنتيجة عكسية في علاقاتها.
أغنية جديدة
كان على بطلينا أن يشتبكا مع حياة "إيجيبت"، أن ينجذبا إلى أضوائها، وألا يكتفيا بالنظر إليها، لقد خذلتهما، ولكنهما استفادا الكثير، فلولا هذه الرحلة لما اكتشفا نفسيهما، ومن ثم مشاعرهما بعضهما تجاه بعض، والأهم من ذلك هو اكتشافهما لتكوينهما الاجتماعي المتوافق، فعندما يرجع علي إلى سارة يبادر قائلًا: "بهاء سلطان نزِّل أغنية جديدة"، إنه يوثق رجوعه إلى مجتمعه، وعندما يعترف لها بحبه، تسأله سارة "إنت قصدك تحبني حب الكبار؟"، إنها تؤكد على تحول علاقتهما ونضجها، لقد تدفقت المياه.
ترشيحاتنا
