عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

بربرة: المسمار الأخير في نعش استقلالية القرن الأفريقي قاعدة سرية تُبنى.. وتحالف ثلاثي يُعيد رسم خرائط النفوذ من خليج عدن إلى قناة السويس

2026.04.25

بربرة: المسمار الأخير في نعش استقلالية القرن الأفريقي

قاعدة سرية تُبنى.. وتحالف ثلاثي يُعيد رسم خرائط النفوذ من خليج عدن إلى قناة السويس

 

في مدينة صغيرة لا يعرفها كثيرون، تُدَقُّ اليوم طبول حرب هادئة لا تقل خطورة عن أي مواجهة مسلحة معلنة.

«بربرة»؛ تلك المدينة الساحلية الواقعة شمال غرب أرض الصومال أو ما يُعرف بـ«صوماليلاند»، باتت في مطلع عام 2026 ورشةً عسكريةً ضخمةً تعمل تحت غطاء السرية، وتكشف عنها صور الأقمار الاصطناعية - رغم كل محاولات الإخفاء - ما يجري هناك، ليس مجرد تطوير لمطار أو توسيع لميناء، بل هو مشروع استراتيجي شامل تتقاطع فيه مصالح واشنطن وتل أبيب وأبوظبي في آنٍ واحد، ويحمل في طياته تداعيات خطيرة تمتد من اليمن والقرن الأفريقي وصولًا إلى قناة السويس وحسابات الأمن القومي المصري، حيث تحتضن بربرة مطارًا يخضع اليوم لعمليات تحويل مكثفة بغية استضافة قاعدة عسكرية مشتركة مخصصة لثلاثة من حلفاء صوماليلاند: الإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل. وتتزامَن هذه الأشغال مع اعتراف إسرائيل باستقلال صوماليلاند في السادس والعشرين من ديسمبر 2025، كما عيَّنت إسرائيل في أبريل 2026 أول سفير لها لدى الإقليم، تلك خطوات لم تكن دبلوماسية بريئة قط، بل كانت الثمن المدفوع سلفًا لاستخدام موقع جغرافي لا يُقدَّر بثمن وكحقيقة صارخة أنَّ دولة لا تمتلك حدودًا مع أفريقيا تجد لنفسها موطئ قدم عسكريًّا ودبلوماسيًّا في أحد أهم مواقع القارة الاستراتيجية، وهو ما ينبئ بأنَّ مرحلةً جديدةً كليًّا من إعادة رسم النفوذ في هذا الشريط البحري الحيوي قد بدأت فعلًا، بغض النظر عمَّن يرفض الإقرار بذلك.

كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية في تقرير ميداني مدعم بصور الأقمار الاصطناعية عن تسارع أعمال البناء العسكرية على نطاق واسع، والتي تتم بسرية تامة في المدينة، ضمن مشروع تقوده الإمارات لتطوير قاعدة عسكرية متقدمة تخدم المصالح الاستراتيجية لأمريكا وإسرائيل في المنطقة. ويجري تحويل المطار الذي يمتلك مدرجًا يتجاوز طوله أربعة كيلومترات إلى منشأة عسكرية متكاملة تضم خنادق وهياكل تحت الأرض، ومنصات لأنظمة دفاع جوي، في موقع يطل على خليج عدن ويقع على مقربة مباشرة من السواحل اليمنية. والأرقام وحدها تروي قصةً لا تحتاج إلى تعليق؛ فقد تمَّ حفر ما لا يقل عن ثمانية عشر خندقًا في التربة الرملية بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، وبحسب مصدر أمني أوروبي فإنَّ هذه المنشآت تحت الأرض تتوافق مع بنى تحتية لتخزين الذخائر أو صهاريج الوقود، وقد ظهرت في الصور مملوءة بالحاويات قبل أنْ يُعاد طمرها مجددًا.

ولا يقتصر الأمر على الحفر والردم، إذ تشير تقارير عسكرية نُشرت في المواقع الإخبارية، إلى أنَّ هذه الأعمال تتشابه مع تلك المرصودة في مطار بوصاصو في شمال الصومال الذي تسيطر عليه القوات الإماراتية، حيث قامت الإمارات بالفعل بنشر رادار من طراز «ELM-2084» إسرائيلي الصنع هناك في مارس 2025.

ولفهم هذا المشروع لا بد من فهم دوافع كل طرف من أطرافه على حدة، لأن وحدة المشروع لا تعني وحدة الأهداف. فالولايات المتحدة تمضي في هذا الاتجاه مدفوعة بهاجس استراتيجي قديم؛ فهي لا تخفي رغبتها في إيجاد بديل لموقعها في جيبوتي، حيث تقع قاعدتها العسكرية بالقرب من أول قاعدة صينية خارجية افتتحتها بكين عام 2017، كما أنَّ جيبوتي لا تسمح للأمريكيين بشنِّ هجمات على اليمن من أراضيها، وهو شرط قد تكون صوماليلاند مستعدة للتساهل بشأنه في سبيل الحصول على اعتراف دبلوماسي.

 وتعكس المؤشرات الميدانية اتجاهًا متسارعًا نحو تحويل ميناء بربرة إلى نقطة ارتكاز عسكرية أمريكية إسرائيلية، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي أوسع في ظلِّ محاولة كلتا الدولتين الاقتراب من مناطق تمركز الحوثيين في اليمن.

أما إسرائيل فدوافعها تتشعب إلى ما هو أبعد من اليمن بكثير، حيث يستهدف الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تحقيق ثلاثة أهداف جيواستراتيجية: أولها إنشاء قاعدة لتهديد جماعة الحوثي من مسافة قريبة، وثانيها ضرب المصالح التركية في الصومال، أما الهدف الثالث والأخطر فهو الضغط على مصر والتأثير المباشر على أمنها القومي عبر التحكم في حركة الملاحة بمدخل البحر الأحمر، مما ينعكس سلبًا على إيرادات قناة السويس، فضلًا عن تقوية شوكة إثيوبيا في ملف «سد النهضة» بمكايدة القاهرة سياسيًّا.

 ويؤكد المحللون أنَّ التحركات الإسرائيلية في صوماليلاند تأتي ضمن استراتيجية طويلة المدى لتأمين الممرات البحرية من الخليج حتى البحر المتوسط، مع التركيز على مضيق باب المندب، بما يُعزِّز النفوذ العسكري والسياسي لإسرائيل في شرق أفريقيا.

وإذا كانت أمريكا وإسرائيل تُقدمان الدوافع والأهداف، فالإمارات هي المُحرِّك الميداني الصامت الذي يُنجز المهمة بيديه.

إنَّ الإمارات لديها مشروع استراتيجي واسع يتمثَّل في الانتشار البحري في نقاط تمنحها نفوذًا إقليميًّا يعوِّض ضعفها البري؛ نتيجة العامل الجغرافي والديموغرافي الذي يُقيد وزنها بوصفها قوة إقليمية.

وقد وصف نيل مالفين، الخبير البريطاني في شؤون شرق أفريقيا، مشاريع الإمارات في القرن الأفريقي بأنَّها «سلسلة اللؤلؤ الإماراتية»، التي تحاكي النموذج الصيني لـ«الحزام والطريق»، إذ تتبع الإمارات طريقةً مماثلةً في توسيع نفوذها عبر مشروعات البنى التحتية الاستراتيجية.

 والراصد لخريطة الانتشار الإماراتي يلحظ نمطًا ممنهجًا؛ يرتكز على جوهر الاستراتيجية الجيوسياسية الإماراتية في الاستحواذ الممنهج على امتيازات الموانئ المحيطة بالقارة الأفريقية، مما يُمكِّنها من الهيمنة على طرق التجارة العالمية التي تمرُّ عبرها.

 إنَّ هذه الشراكة الإماراتية مع إسرائيل وأمريكا تجري على حساب علاقاتها مع الصومال الاتحادي؛ إذ ردت مقديشو بإلغاء اتفاقات دفاع وأمن وتشغيل موانئ مع الإمارات، متهمة إياها بتقويض السيادة الصومالية، وهكذا باتت أبوظبي تلعب بورقتين متناقضتين في الساحة ذاتها: دعم صوماليلاند الانفصالي بيد، والحفاظ - في رهان محفوف بالمخاطر- على مصالحها التجارية في مقديشو باليد الأخرى.

ولا يمكن فهم المشهد بكامله دون استيعاب المعنى الحقيقي لمضيق باب المندب الذي تحتلُّ بربرة موقعًا على بوابته، هذا الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه نحو ثلاثين كيلومترًا يربط البحر الأحمر بخليج عدن، الذي يمر عبره ما يزيد على 12% من حركة التجارة البحرية العالمية، ونحو أربعة ملايين برميل نفط يوميًّا، وبالتالي مَن يتحكم في هذا المضيق يمتلك بيده مفاتيح أوروبا وآسيا والاقتصاد العالمي.

وقد أوضح المحللون أنَّ ما يجري في البحر الأحمر لا يمكن فصله عن محور تنسيقي يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا والولايات المتحدة، يسعى إلى تثبيت وجود عسكري وأمني دائم في موانئ استراتيجية عبر دعم توجهات انفصالية في الصومال والسودان واليمن.

والأخطر من الوجود العسكري ذاته أنَّه لا يكمن في البُعد الأمني فقط، بل في إعادة توجيه سلاسل التجارة العالمية؛ علمًا بأنَّ مصر تمثل البوابة الشمالية لهذا البحر عبر قناة السويس، والصومال واليمن يُشكِّلان بوابته الجنوبية من خلال السيطرة على مضيق باب المندب، وبالتالي كلما ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، زادت الضغوط الدولية لخلق بدائل لوجستية سواء عبر الموانئ الإسرائيلية أو الممرات البرية والبحرية المنافسة لقناة السويس.

في هذه الصورة المتشابكة لم تقتصر خرائط التحولات الجيوبولتيكية على التحالف الثلاثي وحده، ففي يناير 2024 وقَّعت إثيوبيا مع حكومة أرض الصومال مذكرة تفاهم تسمح لها بالنفاذ إلى ميناء بربرة في مدخل البحر الأحمر، في مقابل ما يمكن أنْ يُفضي إلى اعتراف رسمي بها.

وقد كشفت الأزمة في طياتها عن تصدع متزايد في العلاقة بين السعودية والإمارات لم يعد تكتيكيًّا أو محصورًا في تفاصيل ميدانية، بل بات يمس فلسفة إدارة النفوذ الإقليمي برمته. ورأت الرياض في الخطوة الإسرائيلية تهديدًا يتجاوز البُعد السياسي ليطال توازنات الأمن البحري في محيطها الحيوي، فوقَّعت مذكرة تفاهم للتعاون العسكري مع الصومال في فبراير 2026. وتبقى مصر في قلب هذا كله بموقع بالغ الحساسية والتعقيد. فهي ليست مجرد مُراقب مهتم، بل طرف يمسُّ هذا التحولُ أمنَه القومي من محاور متعددة في آنٍ واحد؛ فالهدف الأخطر من الاعتراف الإسرائيلي هو الضغط على مصر، والتأثير المباشر على أمنها القومي عبر التحكم في حركة الملاحة بمدخل البحر الأحمر، مما ينعكس سلبًا على إيرادات قناة السويس، فضلًا عن تقوية شوكة إثيوبيا في ملف «سد النهضة».

ترتب على ذلك أنْ قامت مصر بعمل ميداني غير مسبوق، حيث نشرت قوات عسكرية في الصومال عام 2024 بلغ عددها نحو عشرة آلاف عسكري، وذلك بعد توقيع البلدين اتفاقية دفاع مشترك، كما زوَّدت الصومال بأسلحة ومستشارين عسكريين لمكافحة الإرهاب.

 وقد نظَّم الجيش المصري عرضًا عسكريًّا كبيرًا في القاهرة في الحادي عشر من فبراير 2026 بحضور الرئيس الصومالي، في رسالة ردع مباشرة لإسرائيل وإثيوبيا. وتجاوزت مصر حدود الصومال؛ إذ أبرمت اتفاقات لتطوير ميناء «دوراليه» في جيبوتي وميناء «عصب» في إريتريا؛ بهدف توسيع قدرات الموانئ لاستيعاب السفن الحربية المصرية.

وهكذا باتت القاهرة تبني شبكة نفوذ بحري متكاملة على الجهة الأفريقية من البحر الأحمر، مدركة أنَّ مواجهة هذا التحدي لا تستلزم الانفراد بالميدان الصومالي وحده.

غير أنَّ الموقف المصري لا يخلو من تعقيدات داخلية، فمصر مُلزمة بإدارة توازن دقيق بين ضرورة الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن من جهة، وصون سيادتها الاقتصادية وعلاقاتها مع روسيا والصين من جهة أخرى. وقد سعى مسؤولون أمريكيون للحصول على موافقة مصرية لوجود عسكري أمريكي يهدف إلى تأمين قناة السويس ومنع دخول أي سفن مشبوهة، غير أنَّ هذا الطلب وضع مصر في مأزق لأنَّ الاستجابة له قد تفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى، ما قد يُقوِّض أحد أهم مصادر الدخل القومي، وهو إيرادات قناة السويس، كما تخشى القاهرة أيضًا أنْ يؤدي تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة إلى التأثير على استثماراتها مع بكين وموسكو في محور قناة السويس.

إنَّ مشهد التنافس في البحر الأحمر اليوم يبلغ درجةً من التعقيد لم يعرفها هذا الممرُّ الحيوي من قبل، فقد أثبتت ضربات الحوثيين هشاشة الملاحة فيه، وبات الجائزة الكبرى في حسابات القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء، وهو ما يجعل الموقع الإسرائيلي في بربرة ليس مجرد نقطة ضغط على اليمن، بل قطعة شطرنج في لعبة أكبر بكثير تمتد من التنافس مع إيران شمالًا، إلى تطويق مصر جنوبًا، إلى كبح النفوذ التركي والصيني في عمق القارة الأفريقية. وترى أمريكا في البحر الأحمر أولويةً استراتيجيةً، وتستخدم التوترات الإقليمية لعسكرته وجعله منطقة نفوذ لها، والسيطرة على «باب المندب»، كما تسعى لتقويض النفوذ الصيني الذي يعمل في صمت عبر قاعدتها في جيبوتي التي تؤمِّن خطوط إمدادها التجارية، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للموانئ والطرق في القرن الأفريقي، فيما يمنح الصين هذا الحضور مظلةً استراتيجيةً دون الحاجة إلى خطاب أمني صريح. هكذا أصبح البحر الأحمر محلَّ تنافس دولي كبير نظرًا لوجود أكثر من إحدى عشرة قاعدة عسكرية في منطقة القرن الأفريقي القريبة من مدخله.

مما سبق نرى أنَّ ما يجري في مطار بربرة ليس مجرد أعمال بناء في منطقة نائية، إنما هو علامة على أنَّ إعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي قد باتت أمرًا واقعًا لا يحتمل التمني. التحالف الأمريكي - الإسرائيلي - الإماراتي يُنجز على الأرض ما عجزت عنه المفاوضات الدبلوماسية، مستغلًا ورقة الاعتراف بصوماليلاند ثمنًا مدفوعًا سلفًا لموطئ قدم عسكري يُهيمن على أشد ممرات العالم البحرية حيوية. وما لم تتحرَّك القوى المعنية - وفي مقدمتها مصر - من مقعد المتابعة إلى ميدان الفعل الجماعي، فإنَّ الوجود الإسرائيلي لن يقتصر على حضور سياسي أو دبلوماسي، بل سيمتد ليشمل ترتيبات أمنية تتيح نشر أنظمة رصد وملاحقة عند مدخل باب المندب، الأمر الذي يمنح تل أبيب نفوذًا عسكريًّا مباشرًا في منطقة نفوذ عربي خالص.

 والسؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: هل تكفي التحالفات الناعمة وجهود الدبلوماسية في مواجهة مسامير تُدَقُّ بصمت في جسد استقرار المنطقة كلها.. أم أنَّ مصر والمنطقة العربية تُجرُّ إلى حرب لا تملك خيار رفضها؟