عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

قضايا

محمود هدهود

حرب يونيو: الانتصار الإسرائيلي يفرض التحالف على أمريكا المترددة

2026.10.03

(4) حرب يونيو:

الانتصار الإسرائيلي يفرض التحالف على أمريكا المترددة

 

في الأول من يناير ١٩٦٥، أعلنت حركة التَّحرير الفلسطينية (فتح) عن نفسها عبر عملية «نفق عيلبون»، حيث قامت بتفجير شبكة مياه إسرائيلية كانت تستهدف تحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب. كانت «منظمة التَّحرير الفلسطينية» التي تأسَّست عام ١٩٦٤ خاضعةً في البداية إلى حدٍّ كبير لسيطرة الحكومات العربية، لا سيما مصر. أما حركة «فتح»، فسعت إلى تنفيذ عملياتها الخاصة، والحيلولة دون بقاء القضية الفلسطينية رهينةً للتنافس بين الدول العربية.

كان قادة «فتح» يأملون أنْ تدفع عملياتهم إسرائيل والدول العربية المجاورة إلى مواجهة أوسع، تجعل القضية الفلسطينية في قلب السياسة الإقليمية. وازداد تدهور العلاقات بين سوريا وإسرائيل عقب إعدام الجاسوس الإسرائيلي، إيلي كوهين، في دمشق عام ١٩٦٥، وتصاعد الاشتباكات العنيفة على الحدود السورية. وفي نوفمبر ١٩٦٦، وقَّعت مصر وسوريا اتفاقًا للدفاع المشترك.

وفي الشهر نفسه، شنَّت إسرائيل غارةً كبيرةً نهاريةً على قرية السموع الأردنية عقب هجوم نفَّذه فدائيون. وألحقت القوات الإسرائيلية أضرارًا واسعة، واشتبكت مع القوات الأردنية. وأظهرت الغارة نفوذ القادة العسكريِّين الإسرائيليِّين الذين فضَّلوا العمليات الانتقامية الكبيرة والعلنية على العمليات السرية المحدودة.

أضعفت الغارة الموقف السياسي للأردن الساعي إلى التَّهدئة، ودفعت المنطقة خطوةً إضافيةً نحو الحرب. احتجَّ الفلسطينيون على عجز النظام الملكي عن حمايتهم، بينما تعرَّض الملك حسين لانتقادات من مصر وسوريا والمنظمات الفلسطينية، وردَّ بتقييد أنشطة منظمة التَّحرير الفلسطينية.

كان عبد الناصر في مصر يخوض صراعًا مع السعودية في اليمن، بينما اتهمته القيادة البعثية الراديكالية في سوريا بعدم الالتزام بمواجهة إسرائيل. أما الأردن، فاتَّهم عبد الناصر بالاحتماء وراء قوة الطوارئ التَّابعة للأمم المتحدة المتمركزة في سيناء، في الوقت الذي يدفع فيه الأردن إلى المواجهة مع إسرائيل.

وكان الاتحاد السوفيتي يأمل في التَّقرُّب بين مصر وسوريا وتوسيع نفوذه الإقليمي. وبعد انقلاب يسار البعث بقيادة صلاح جديد على القيادة التَّاريخية للحزب بقيادة ميشيل عفلق سنة ١٩٦٦، زادت موسكو دعمها لسوريا وشجَّعت التَّعاون بين شريكتيها العربيَّتين الرئيسيَّتين.

كانت المواجهة السورية - الإسرائيلية تتصاعد بفعل الغارات الفدائية الفلسطينية والخلافات بين سوريا وإسرائيل على الزراعة، والسيطرة في المناطق منزوعة السلاح قرب بحيرة طبريا. وفي ٧ أبريل ١٩٦٧، تطوَّر تبادلٌ لإطلاق النار إلى معركة جوية أسقط فيها الطيارون الإسرائيليون ست طائرات سورية.

ألحقت الهزيمة إهانةً بسوريا، وزادت الانتقادات الموجَّهة إلى عبد الناصر لعدم تدخله بموجب «معاهدة الدفاع المشترك». وأصدر المسؤولون الإسرائيليون لاحقًا تحذيرات أوحت بأنهم يدرسون عملًا عسكريًّا ضد سوريا يهدف إلى إسقاط النظام البعثي في سوريا.

 

التصعيد نحو الحرب

وفي منتصف مايو ١٩٦٧، أقامت إسرائيل عرضًا عسكريًّا بمناسبة عيد استقلالها في القدس الغربية. وأبقى رئيس الوزراء إشكول العرض محدودًا نسبيًّا لتجنب انتهاك قيود الهدنة أو زيادة التَّوترات الإقليمية. وأثار حذره انتقادات من أنصار منافسه رئيس الوزراء الأسبق ديفيد بن جوريون.

وفي الوقت نفسه، بدأت مصر نقل تشكيلات عسكرية كبيرة إلى سيناء عقب تحذيرات سوفيتية من هجوم إسرائيلي وشيك على سوريا. كان الانتشار المصري في بدايته استعراضًا للقوة هدفه ردع الهجوم الإسرائيلي المحتمل على سوريا واستعادة مكانة عبد الناصر بين الحكومات العربية. لكن الخطر ازداد عندما تجاوزت القاهرة نشر القوات وطالبت برحيل قوة الطوارئ التَّابعة للأمم المتحدة في ١٦ مايو.

تلقَّى قائد القوة الأممية، إندار جيت ريخي، الطلب المصري، وخلص الأمين العام للأمم المتحدة، يو ثانت، إلى أنَّ قوةً متمركزةً على الأراضي المصرية لا تستطيع البقاء فيها ضد رغبة مصر. وفشلت محاولات التَّوصل إلى حل وسط، بما في ذلك الإبقاء على القوة في مواقع محددة. احتلَّ الجنود المصريون مواقع الأمم المتحدة، ومن بينها شرم الشيخ المطلة على مضيق تيران. وبحلول ١٩ مايو، كانت إسرائيل قد أمرت بتعبئة عسكرية واسعة.

تعاملت واشنطن بحذر مع التَّحرُّكات المصرية، وحثَّ الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، إسرائيل على عدم اتخاذ إجراءات تزيد الأزمة حدة، بينما ناشد المسؤولون الأمريكيون مصر وسوريا سرًّا ضبط النفس. وحدَّد تقييم لمجلس الأمن القومي الأمريكي عاملَي ضغط على عبد الناصر يجب التَّعامل معهما، الأول هو التَّقارير عن تهديد إسرائيلي لسوريا، والانتقادات التي وجهتها إليه الحكومات العربية لفشله في الدفاع عن حلفائه.

لكن جونسون كان منشغلًا بشدة بفيتنام، وقد أدى تصاعد الخسائر الأمريكية وتنامي المظاهرات المناهضة للحرب والخلافات داخل الكونجرس إلى تعقيد قدرته على الالتزام باستخدام قوات عسكرية في مكان آخر.

وشنَّت إسرائيل حملةً دبلوماسيةً مكثفة للحصول على الدعم الأمريكي وتثبيت فكرة أنَّ مسؤولية أي حرب ستقع على خصومها. وتمتع ممثلوها بإمكانية الوصول إلى شخصيات نافذة في واشنطن، من بينها أعضاء في الكونجرس ومستشارون ومقربون شخصيون من جونسون.

 

غلق مضيق «تيران»

جاء التَّصعيد الحاسم مع إعلان عبد الناصر في ٢٢ مايو، إغلاق مضيق «تيران» أمام الملاحة الإسرائيلية. واعتبر القادة الإسرائيليون الحصار تحديًّا خطيرًا لأمنهم ومصداقيتهم. وناقش القادة العسكريون الإسرائيليون بصورة عاجلة مسألة شنِّ هجوم. واعتقد رئيس الأركان، إسحاق رابين، أنَّ فرص إسرائيل في الانتصار ستكون أكبر إذا تحرَّكت قبل أنْ تتمكَّن القوات المصرية من تثبيت مواقعها، واتفق معه باقي الجنرالات كذلك باعتبار أنَّ استمرار التَّعبئة يفرض تكاليف اقتصادية، ويمنح مصر وقتًا لتعزيز دفاعاتها.

كان رئيس الوزراء إشكول، ووزير الخارجية أبا إيبان، أكثر اهتمامًا بالعواقب الدبلوماسية لبدء القتال. فقد خشيا أنْ يؤدي هجوم إسرائيلي، يُشَن خلافًا لرغبة واشنطن، إلى عزلة إسرائيل دوليًّا، وتعقيد الجهود الأمريكية لمنع التَّدخل السوفيتي.

وقد طلب جونسون من إسرائيل تأجيل العمل العسكري لمدة ثم 48ساعة، بينما تستكشف واشنطن وسائل إعادة فتح المضيق. وشملت هذه الوسائل إعلانًا محتملًا لعملية بحرية دولية مهمتها إعادة فتح المضيق. ووافقت الحكومة الإسرائيلية على تأجيل مؤقت بدلًا من إصدار أمر فوري بالحرب.

بعد إغلاق مصر المضيق، كثّفت واشنطن استعداداتها الدبلوماسية والعسكرية. وتحرَّك الأسطول السادس الأمريكي نحو شرق البحر المتوسط، وأصدر جونسون بيانًا علنيًّا أدان فيه الحصار مع التَّشديد على الوسائل السلمية لحل الأزمة.

داخل إسرائيل، أصبحت الضغوط على رابين شديدة، فقد كان مسؤولًا عن إعداد القوات المسلحة، بينما يتعامل في الوقت نفسه مع الخلافات بين إشكول والقادة العسكريِّين ورئيس الوزراء السابق ديفيد بن جوريون. انتقد بن جوريون بشدة إدارة رابين للأزمة، واشتبك رابين أيضًا مع وزير الداخلية موشيه حاييم شابيرا الذي عارض بدء الحرب. وعانى رابين من تلك الضغوطات إلى درجة تراجعه، وتولى قائد سلاح الجو عيزرا وايزمان المسؤولية مكانه لفترة وجيزة.

 

أبا إيبان في واشنطن

سافر وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان أولًا إلى باريس، حيث حثَّ الرئيس شارل ديجول إسرائيل على عدم شنِّ هجوم. وكانت فرنسا قد زوَّدت إسرائيل بالأسلحة لسنوات طويلة، لكن ديجول لم يكن مستعدًّا لتأييد حرب هجومية جديدة، وفضّل حلًا دبلوماسيًّا تشارك فيه القوى الكبرى. وفي لندن، تلقَّى إيبان ردًّا أكثر تعاطفًا من رئيس الوزراء هارولد ويلسون الذي أيَّد جهود إعادة فتح مضيق «تيران».

في الوقت نفسه، التقى يو ثانت مع عبد الناصر في القاهرة، وشرح الرئيس المصري إجراءاته بوصفها ردًّا على التَّهديدات الإسرائيلية لسوريا، وأصرَّ على أنَّ القوات المصرية لن تهاجم أولًا. لكنه رفض إعادة السماح للملاحة الإسرائيلية بالمرور عبر المضيق.

ثم وصل إيبان إلى واشنطن في ٢٥ مايو، وتلقَّى رسالةً عاجلةً من إشكول تحذِّر من هجوم مصري - سوري محتمل. طالبت الرسالة بإعلان يُعتبر بموجبه أي هجوم على إسرائيل هجومًا على الولايات المتحدة، إلى جانب ترتيبات للتعاون العسكري الأمريكي.

أقلقت الرسالة شديدة التَّهويل في صياغتها وزير الخارجية الإسرائيلي، فلم يكن الوضع الاستخباراتي والعسكري، وفقًا لفهمه عند مغادرته إسرائيل، يبدو مبررًا لمثل هذا الطلب الفوري. وخمَّن وزير الخارجية الأمريكي دين راسك أنَّ التَّحذير الإسرائيلي كان يهدف إلى تهيئة واشنطن لضربة إسرائيلية استباقية. ولم تؤيِّد الاستخبارات الأمريكية الادعاء بأنَّ مصر كانت على وشك الهجوم. لكن واشنطن لم تقدِّم الضمان المطلوب، واكتفت بتحذير مصر من بدء الأعمال العدائية.

في ٢٦ مايو، ألقى عبد الناصر خطابًا تصعيديًّا قدَّم فيه مصر بوصفها مستعدة لمواجهة عامة مع إسرائيل. في هذا الوقت التقى إيبان مع وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا ومسؤولين أمريكيين آخرين، وواصل هؤلاء تقديرهم أنَّ مصر لا تستعد لهجوم وشيك. واعتقدوا أنَّ إسرائيل تملك القدرة العسكرية على الانتصار على خصومها العرب.

نصح راسك جونسون بعدم تقديم الضمان العسكري المطلوب أو تأييد ضربة إسرائيلية أولى. وفضَّلت الإدارة المفاوضات، والتَّحرُّك عبر الأمم المتحدة، ومبادرة بحرية متعددة الجنسيات محتملة. وقبل لقاء إيبان بالرئيس، تحدَّث جونسون على انفراد مع الدبلوماسي الإسرائيلي إفرايم إيفرون، وأكد التزامه بأمن إسرائيل، لكنه حذَّر من قرارات قد تعرِّض الولايات المتحدة للخطر أو تستجلب تدخلًا سوفيتيًّا.

وفي لقاء البيت الأبيض بين أبا إيبان وجونسون، وعد جونسون ببذل جهود دبلوماسية قوية، لكنه رفض الالتزام باستخدام القوات الأمريكية. وشدَّد على أنَّ إسرائيل لن تُترَك وحدها ما لم تختر هي التَّحرُّك بمفردها. ورأى إيبان في المحادثة تطمينًا مهمًّا، رغم أنَّ إسرائيل لم تحصل على الضمان الذي طلبته.

عاد إيبان إلى إسرائيل في ٢٧ مايو ليجد قيادة منقسمة حول توقيت الحرب. وفي اجتماع مطول لمجلس الوزراء، قال إيبان إنَّ إسرائيل لا تستطيع مطالبة الولايات المتحدة بالتَّحرُّك ضد مصر ثم شن هجوم قبل أنْ تتاح لواشنطن فرصة متابعة الدبلوماسية. وكان الوزراء منقسمين بالتساوي تقريبًا بين العمل العسكري الفوري ومواصلة التَّأجيل.

احتفظ إشكول بالسيطرة على القرار، لكنه واجه انتقادات متزايدة من الجنرالات والمعارضين السياسيِّين وقطاعات من الجمهور، بينما ظلَّ البديل الدبلوماسي المباشر غير مؤكد. فقد أملت واشنطن في جمع قوى بحرية مستعدة لتحدي الحصار، لكن لم تتبلور بعد أي عملية مقنعة. وازداد ضعف موقف إشكول عقب خطاب إذاعي تعثر فيه عند قراءة تعديلات أُدخلت على نصه المعدّ مسبقًا. وأصبحت الواقعة رمزًا استغله منتقدوه لتصويره عاجزًا عن قيادة إسرائيل خلال أزمة وطنية.

 

الملك حسين في القاهرة

غيَّرت رحلة الملك حسين إلى القاهرة في ٣٠ مايو المناخ السياسي العربي المحيط بالأزمة. فقد وقَّع حسين، الذي كان في السابق خصمًا شديدًا لعبد الناصر، اتفاقًا دفاعيًّا مع مصر، وأدخل الأردن ضمن ائتلاف عسكري عربي أوسع.

من ناحية أخرى، قام وزير الحربية المصري شمس الدين بدران بزيارة إلى موسكو، وقد عاد بدران بانطباع مبالَغ فيه عن استعداد الاتحاد السوفيتي لدعم مصر عسكريًّا. ولم تكن الرسائل السوفيتية الأكثر حذرًا تصل دائمًا إلى عبد الناصر سريعًا أو بمعناها الأصلي كاملًا في ظلِّ الفجوة التي كانت تفصل بين القيادة العسكرية الملتفة حول المشير عبد الحكيم عامر والرئيس عبد الناصر.

وأرسلت واشنطن في الوقت نفسه دبلوماسيان أمريكيان مخضرمان ولكن غير رسميَّين، هما تشارلز يوست وروبرت أندرسون، إلى القاهرة. وفي هذه المقابلة، أكد عبد الناصر لأندرسون في الأول من يونيو أنَّ مصر تريد علاقات أفضل مع الولايات المتحدة، وأنها لا تنوي الهجوم أولًا على إسرائيل، وأنها مستعدة لبحث مسألة مضيق «تيران» قانونيًّا أو دبلوماسيًّا. كما وافق عبد الناصر على إرسال نائبه زكريا محيي الدين إلى واشنطن لإجراء محادثات مقررة في ٧ يونيو.

 

مائير عميت في واشنطن

في غضون ذلك، سعى القادة الإسرائيليون إلى الحصول على معلومات أوضح بشأن النوايا الأمريكية. وسافر رئيس الموساد مائير عميت سرًّا إلى واشنطن للقاء ماكنمارا، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية ريتشارد هيلمز.

وفي ٢ يونيو، سأل المبعوث الإسرائيلي في واشنطن إفرايم إيفرون، مستشار الأمن القومي الأمريكي والت روستو عن الكيفية التي قد تستجيب بها الولايات المتحدة إذا حاولت إسرائيل اقتحام الحصار المفروض على مضيق «تيران»، فأطلقت القوات المصرية النار عليها. وصيغت الأسئلة افتراضيًّا، لكنها كانت تهدف إلى معرفة ما إذا كانت واشنطن ستعتبر الهجوم الإسرائيلي دفاعًا عن النفس. وعاد عميت والسفير الإسرائيلي أبراهام هارمان من واشنطن بانطباع أنَّ الولايات المتحدة لن تعارض بشدة تحرُّك إسرائيل بمفردها.

وفي ٤ يونيو، فوَّض مجلس الوزراء الإسرائيلي رئيس الوزراء ووزير الدفاع تحديد موعد بدء العمليات العسكرية، وتقرر شنُّ الهجوم في صباح اليوم التَّالي. وحاولت السلطات العسكرية الإسرائيلية إخفاء الاستعدادات بإطلاق بعض الجنود لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وإشاعة انطباع بأنَّ التَّوتر يتراجع.

 

الحرب

صباح الخامس من يونيو، بدأت الحرب بتحليق الطائرات الإسرائيلية على ارتفاع منخفض فوق البحر المتوسط، قبل أنْ تنعطف نحو المطارات المصرية. وقد غيَّر تدمير القوة الجوية المصرية فورًا آفاق الحملة البرية. فقد أدرك القادة الإسرائيليون أنَّ القوات المصرية في سيناء ستفتقر الآن إلى الحماية الكافية من الهجمات الجوية.

دخل الأردن القتال رغم رسائل إسرائيلية حذَّرت حسين من أنَّ إسرائيل لن تهاجم الأردن إذا بقي خارج الحرب. وتصاعد تبادل القصف المدفعي، وتحرَّكت القوات الإسرائيلية نحو القدس الشرقية والضفة الغربية.

في الأمم المتحدة، عمل الدبلوماسيون الإسرائيليون على منع تضمين أي قرار لوقف إطلاق النار مطلبًا بالعودة الفورية إلى المواقع السابقة للحرب. وواجهت واشنطن في البداية صعوبةً في تحديد الطرف الذي بدأ القتال. وصوَّرت التَّصريحات الإسرائيلية العلنية العملية بوصفها ردًّا على عدوان مصري، بينما تلقَّى المسؤولون الأمريكيون معلومات تشير إلى أنَّ إسرائيل وجَّهت الضربة الأولى.

وأثار وصف متحدث باسم الخارجية الأمريكية سياسة بلاده بأنها محايدة، اعتراضات من أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة. وفتح جونسون ومستشاروه أيضًا اتصالات مباشرة مع موسكو لمنع تصاعد الحرب إلى مواجهة بين القوتين العظميين. وبحلول نهاية اليوم الأول، كان انتصار إسرائيل على القوات الجوية المصرية قد تحقَّق إلى حدٍّ كبير، بينما اشتدَّ القتال على القدس.

في اليوم التَّالي، جرى اعتراض محادثة هاتفية جرت بين عبد الناصر وحسين، تناولت توجيه اتهامات علنية بأنَّ طائرات أمريكية وبريطانية شاركت في الهجمات الإسرائيلية. وكانت الاتهامات غير صحيحة، لكن القيادة المصرية كانت تحاول تبرير حجم خسائرها. وقد اعتقد عبد الناصر أنَّ تدمير القوة الجوية المصرية يدل على تدخل خصم أشد قوة من إسرائيل.

وبناء على ذلك، أمر عبد الناصر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، وهو القرار الذي حذَّر منه وزير الخارجية محمود رياض، لكن رياض أعرب أيضًا عن غضبه لأن التَّطمينات الأمريكية لم تمنع إسرائيل من الهجوم. وزاد من سوء صورة الولايات المتحدة أمام الجانب المصري أنَّ واشنطن لم تطالب بانسحاب إسرائيلي فوري بعد أنَّ شنَّت إسرائيل الهجوم.

واستمرَّ الخلاف بشأن الحياد داخل الولايات المتحدة، حيث ضغط سياسيون ومنظمات على جونسون لإظهار الدعم لإسرائيل. وفي مجلس الأمن، اختلف الدبلوماسيون بشأن ما إذا كان وقف إطلاق النار ينبغي أنْ يتضمن الانسحاب إلى المواقع التي كانت القوات تحتلها قبل ٥ يونيو. وأيَّدت مصر ودول أخرى صياغة تُبطل المكاسب الإقليمية لإسرائيل. وأخيرًا، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم ٢٣٣، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار دون اشتراط الانسحاب.

وحثَّ أنصار إسرائيل الأمريكيون جونسون على معارضة أي تسوية تشبه سابقة عام ١٩٥٧ عندما ألزم آيزنهاور إسرائيل بالانسحاب من سيناء، حيث بعث الحاخام الأمريكي الليبرالي أبراهام فاينبرج، وعالمة الكيمياء الحيوية الصهيونية ماتيلد كريم، رسائل خاصة إلى جونسون تدعو إلى تبني موقف أمريكي حازم ضد الانسحاب دون سلام شامل.

 

حادثة السفينة الأمريكية

في ذلك الوقت، كانت سفينة التَّجسُّس الأمريكية «يو إس إس ليبرتي» تقترب من الساحل المصري، ولم تكن الأوامر التي تهدف إلى إبعادها عن منطقة الخطر قد وصلت إليها. واستعدَّ طاقمها لمهمة لجمع المعلومات الاستخباراتية، مع محاولة جعل هوية السفينة الأمريكية واضحة.

وقد لاحظ طاقم السفينة وجود طائرات مقاتلة في المنطقة، لكنهم اعتقدوا أنَّ العلم الأمريكي الظاهر سيجعل هويتها معروفة. لكن في الثامن من يونيو، هاجمت الطائرات الإسرائيلية السفينة بعد الثانية ظهرًا بقليل، وأعقبها هجوم بزوارق طوربيد. وتعرَّضت السفينة لحرائق وأضرار واسعة وتسرُّب للمياه وضربة طوربيد. وكافح أفراد الطاقم للحفاظ على الاتصالات وإبقائها طافية، لكن ٣٤ أمريكيًّا قُتلوا، وأُصيب عدد أكبر بكثير.

اعترفت إسرائيل لاحقًا بمسؤوليتها، ووصفت الهجوم بأنَّه وقع عن طريق الخطأ، وأُرسلت المساعدات إلى السفينة. لكن من الصعب ادعاء أنَّ إسرائيل لم تكن تعرف هوية السفينة، وكان هناك على الأرجح سبب آخر للهجوم عليها. ومن المحتمل أنَّ الهدف كان حجب معلومة الهجوم الإسرائيلي الذي كان يجري التَّحضير إليه على مرتفعات الجولان السورية. غير أنَّ واشنطن قيَّدت التَّغطية العلنية للحادث، وتعاملت معه بحذر للحفاظ على علاقاتها بإسرائيل.

 

الجبهة السورية

في ٩ يونيو، شنَّت إسرائيل هجومها الرئيسي على المواقع السورية في مرتفعات الجولان، كان قرار وزير الدفاع موشي ديان، بشنِّ الهجوم مفاجئًا حتى لرئيس الأركان رابين. راقب الاتحاد السوفيتي الجبهة السورية بقلق متزايد، واستمرَّت العمليات الإسرائيلية رغم جهود وقف إطلاق النار، مما أثار احتمال امتداد القتال نحو دمشق أو تهديد الحكومة السورية.

وفي مجلس الأمن، اتهم الممثلون السوفييت إسرائيل بانتهاك ترتيبات وقف إطلاق النار. وقطعت موسكو علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، وحذَّرت من أنَّ استمرار القتال قد يؤدي إلى إجراءات إضافية. ثم أرسل رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيجين رسالةً عاجلةً إلى جونسون عبر الخط الساخن بين واشنطن وموسكو. وحذَّر من أنَّ الاتحاد السوفيتي قد يتخذ الإجراءات الضرورية، بما في ذلك العمل العسكري، إذا لم تتوقف إسرائيل.

اقترح ماكنمارا تحريك الأسطول السادس نحو شرق البحر المتوسط. ووافق جونسون على التَّحرُّك، مع تأكيده لكوسيجين أنَّ واشنطن تضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار. واتصل المسؤولون الأمريكيون على وجه السرعة بالممثلين الإسرائيليين، وحذَّر سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة آرثر جولدبرج الدبلوماسيِّين الإسرائيليِّين من أنَّ إسرائيل يجب أنْ تعلن وقف عملياتها العسكرية قبل أنْ يبدو أنَّ إنذارًا سوفيتيًّا أجبرها على ذلك. ووافقت إسرائيل على ترتيبات وقف إطلاق النار بعد أنْ أحكمت سيطرتها على مرتفعات الجولان.

 

بعد الحرب

سعى الاتحاد السوفيتي إلى استصدار إدانة لإسرائيل ومطالبتها بالانسحاب من الأراضي المحتلة من خلال الأمم المتحدة. أما واشنطن، ففضَّلت نهجًا مختلفًا، وهو استخدام المكاسب الإقليمية الإسرائيلية كورقة ضغط على العرب ضمن مفاوضات تستهدف تسوية سلمية شاملة.

وفي ١٩ يونيو، ألقى جونسون خطابًا عرض فيه مبادئ للسلام في الشرق الأوسط. وشملت حق كل دولة في الوجود، وحرية الملاحة، ووضع حدود لسباق التَّسلح، والاهتمام باللاجئين، والحدود الآمنة. وبدلًا من المطالبة بالعودة الفورية إلى خطوط الرابع من يونيو، ربط جونسون التَّرتيبات الإقليمية بتسوية أوسع بين الدول المعنية. وقد توقع المسؤولون الأمريكيون أنْ تعيد إسرائيل معظم الأراضي المحتلة مقابل السلام، رغم أنَّ الجماعات السياسية الإسرائيلية المعارضة للانسحاب كان نفوذها يتعاظم بمرور الوقت.

وسافر كوسيجين إلى الولايات المتحدة، والتقى الزعيمان في جلاسبورو بولاية نيوجيرسي بين يومي ٢٣ و٢٥ يونيو، وناقشا الصراع في الشرق الأوسط والسباق النووي، لكنهما أخفقا في التَّوفيق بين نهجيهما بشأن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة. وظلَّ الموقف السوفيتي يؤكد ضرورة التَّراجع عن النتائج الإقليمية للحرب، بينما أخذ الموقف الأمريكي يعامل هذه النتائج باعتبارها مسائل قابلة للتفاوض.

في غضون ذلك، تحرَّكت إسرائيل سريعًا لتثبيت سلطتها على القدس الشرقية. وفي ٢٧ يونيو، أقرَّ الكنيست تشريعًا يتيح للحكومة مدَّ نطاق تطبيق القانون والإدارة الإسرائيليين إلى مناطق إضافية. وفي اليوم التَّالي، وسَّعت السلطات الإسرائيلية الحدود البلدية للقدس وطبقت الإدارة الإسرائيلية على القدس الشرقية والمناطق المحيطة بها. وكان ذلك يمثل ضمًّا فعليًّا بغض النظر عن الصيغ الإسرائيلية الملتوية.

اعترضت واشنطن وحكومات أخرى، متمسكة بأنَّ مستقبل المدينة لا يمكن تقريره من جانب واحد. كما طعنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الإجراءات الإسرائيلية. ومع ذلك، واصلت إسرائيل دمج المدينة وإرساء أوضاع جديدة على الأرض.

وفي أكتوبر ١٩٦٧، عاد أبا إيبان إلى واشنطن مُتوَّجًا بأكاليل النصر هذه المرة، والتقى الرئيس جونسون. أعرب الرئيس الأمريكي عن قلقه من امتناع إسرائيل عن التَّشاور مع واشنطن قبل حرب يونيو، وذكَّر إيبان بالتصريحات الأمريكية بشأن الحدود والسلامة الإقليمية. ومع ذلك، ظلَّ جونسون ملتزمًا سياسيًّا وشخصيًّا بأمن إسرائيل، بينما واصلت واشنطن السعي إلى تسوية دبلوماسية عبر الأمم المتحدة.

 

قرار ٢٤٢

جرت محادثات شارك فيها إيبان، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة آرثر جولدبرج، ووزير الخارجية راسك، والملك حسين. سعى حسين إلى استعادة الضفة الغربية والحصول على دور أردني فعّال في القدس. وقد طمأنه المسؤولون الأمريكيون إلى أنَّ واشنطن تؤيِّد إعادة معظم الضفة الغربية إلى الأردن، مع تعديلات حدودية محدودة وتعويضات عند الضرورة. والتقى حسين جونسون في ٨ نوفمبر، وخرج من اللقاء متفائلًا بالتطمينات الأمريكية.

وفي الأمم المتحدة، اقترحت مشاريع قرارات متنافسة صيغًا مختلفة للانسحاب. وجمع حل وسط بريطاني صاغه السفير البريطاني في الأمم المتحدة اللورد كارادون بين مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، وصياغة تدعو إلى الانسحاب من أراضٍ احتُلت خلال النزاع، إلى جانب السلام والاعتراف المتبادل.

وفي ٢٢ نوفمبر ١٩٦٧، صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٤٢. كان الخلاف الرئيسي يتعلق بمعنى الانسحاب الإسرائيلي ومداه. عارضت إسرائيل النَّصَّ الذي يشترط صراحة الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة خلال الحرب. وفي المقابل، قلّلت واشنطن من تقدير قوة الحركات السياسية الإسرائيلية التي سعت إلى الاحتفاظ بأراضٍ واسعة، لا سيما الضفة الغربية.

وبذلك أرست واشنطن إطارًا دبلوماسيًّا دون أنْ تضمن أنَّ الأطراف تتشارك افتراضاتها بشأن التَّسوية التي كان يفترض أنْ يحقِّقها هذا الإطار. لكن حرب ١٩٦٧ وثَّقت الصلة بين واشنطن وإسرائيل، وأضعفت مكانة أمريكا في المقابل لدى الحكومات العربية.