حوارات

حسناء الجريسي

حوار مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد

2024.02.12

تصوير آخرون

أنا منذور للكتابة بحكم موهبتي

الروائي إبراهيم عبد المجيد "للمرايا":

المناصرون للقضية الفلسطينية هم التاريخ الحقيقي

لقلمه بصمة واضحة ومؤثرة، له نفَس إبداعي لا يضاهيه فيه اثنان، حفر لنفسه طريقًا واسعًا في عالم الرواية حتى أصبح من أهم الروائيين في العالم العربي، وحصد العديد من الجوائز العربية والمصرية أهمها جائزة النيل، وتم تكريمه في أغلب المحافل الثقافية الدولية، هو ابن مدينة الإسكندرية التي ظلت تسكنه بكل تفاصيلها، فخرجت أروع أعماله ثلاثية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، والتي تم تحويلها لعمل سينمائي، وكذلك "في كل أسبوع يوم جمعة" تم تحويلها لعمل درامي.
 له فلسفة واضحة، فهو لا يشغل باله بمعارك المثقفين المهلكة، إنتاجه الأدبي غزير يصعب حصره في سطور. كتب في أثناء أزمة كورونا "نفحات من العزلة"، وسطر سيرته الذاتية في كتاب "ما وراء الكتابة". وكانت روايته "السايكلوب" فيها من الخيال والإبداع ما يجعلنا نتوقف أمام أحداثها؛ لينقل بطل هذه الرواية لرواية أخرى وهي "هنا القاهرة".

في البداية من خلال الأحداث السياسية السابقة التي عاصرتها، كيف تقرأ المشهد الحالي في غزة؟ 

 المشهد فاق كل خيال بما فيه من عنصرية، وإبادة جماعية لشعب عظيم، هو صاحب الأرض. كذبتان تلخِّصان المشهد كله؛ هما: "معاداة السامية" و"المدنيون الصهاينة"، ابتدعت أوروبا قانون تجريم معاداة السامية، ويقصدون به: معاداة اليهود تكفيرًا عن ذنوبها، بعد عصور من اضطهادهم فيها. أمَّا اليهود أنفسهم وقد صاروا صهاينة، فكل ما يفعلونه في فلسطين بالعرب والمسلمين مباحًا، يفعلون بالفلسطينيين ما فعلته أوروبا بهم من مذابح كنوع من الإزاحة النفسية البشعة، وتوافق أوروبا كنوع من التكفير البشع عن الذنب. تَستخدِم دول كبري، مثل: أميركا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا، تجريم معاداة السامية للتكفير عن الذنوب التي ارتكبوها في حق اليهود، ويفتحون المجال للصهاينة لفعل كل الجرائم ضد الفلسطينيين. المذابح التي أقامها اليهود للفلسطينيين قبل عام 1948 - حيث أُعلِنت دولة إسرائيل - وبعده لا تُحصى. يقومون بأبشع ممَّا فعلت أوروبا بهم، وأصبح قتل الفلسطينيين هواية للصهاينة تسرُّ نفوسهم، وصارت أفعال النازية شعارهم؛ فهم شعب الله المختار، كما يؤمنون بخرافاتهم، فللصهاينة حقهم المطلق في قتل الفلسطينيين. هكذا نرى تضامنًا من هذه الحكومات مع ما تفعله إسرائيل في غزة من مذابح ردًّا على كشف عورتها فجأة، بما فعلته حماس وكتائب القسام، من عبور طال انتظاره كلَّفَ إسرائيل خسائر لم تخسرها في حروبها السابقة كلها.

الكذبة الثانية: هي اتِّهام حماس وكتائب القسام بقتل المدنيين في المستوطنات التي هاجموها، بينما سكان المستوطنات هم جنود إسرائيليون أقاموا مستوطناتهم على أرض غيرهم وبقتل الفلسطينيين، هم جنود في الجيش الإسرائيلي وقت الحرب، ووقت السلم في انتظار التجنيد؛ أي: أنهم تسقط عنهم صفة المدنية، بينما سكان غزة ليسوا مدنيين في نظر أوروبا التي تعاني من عقدة الذنب وتفرغها على أهل فلسطين. ماذا تُسمَّى المذابح التي تتم في غزة من استهداف المدنيين عن قصد في البيوت والعمارات والمساجد والمدارس بالغارات، وقائد أي طائرة يعرف إلى أين يوجه صاروخه؟! فالأمر ليس عشوائيًّا. لقد تجلت الروح الهمجية في قول نتنياهو: نحن نفعل ما وعدنا الله به في التوراة. أما وزير دفاعه فيقول: "منعنا المياه والكهرباء والطعام عن غزة، فسكانها ليسوا بشرًّا لكن حيوانات في هيئة بشر!". ويسمعه العالم كله ولا تتحرك الدول رغم أن هذه جريمة قتل جماعي، لكنا نرى انتفاضة الشعوب في كل العالم ضد ما يفعله الصهاينة، الملايين ضد حكوماتهم القاتلة في أمريكا وأوروبا. وسيكون للعبور الفلسطيني، وعملية طوفان الأقصى رغم أي خسائر، دوره في تقليص جديد لهذا الحلم الخرافي.

ألم تفكر في كتابة رواية عن هذه الأحداث خصوصًا، والقصص الإنسانية والوجع الكبير؟ 

رغم الآلام سيحتفظ الأدب والفن بالذاكرة، لكن بعد أن تنتهي الغمة؛ فالآن هو وقت المقالات والدعم على مواقع التواصل الاجتماعي.

كيف ترى موقف المثقفين العرب؟

كالعادة المثقفون ليسوا جميعًا في سلة واحدة؛ فهناك من يقف مع فلسطين، وهناك من يلوذ بالصمت، وهناك من يخون الحقائق ويخون القضية الفلسطينية، وهي قضية إنسانية ليست محل خلاف إلا عند المنتفعين من بعض الأنظمة ومراكز عملهم في الإعلام أو غيره. لن ينسى التاريخ ذلك، لكن المناصرون للقضية هم الأكثر وهم التاريخ الحقيقي.

هل تعتقد أن كل ما يحدث من حروب وأوبئة وأحداث كثيرة طرأت على الساحة لم تكن في الحسبان سيؤثر على مستقبل الرواية؟ 

على العكس فإنه سيفتح آفاقًا أكبر، وإن كنت أتمنى ألَّا تقع كل هذه الكوارث، ففي الحياة حولنا ما يكفي.

من وجهة نظر كاتب مخضرم، وسياسي خاض تجربة السجن، ومثقف من الطراز الأول.. ما رؤيتك الاستشرافية لمستقبل الوطن العربي؟

 الوطن: هو الشعوب والأرض، وليس ما يمر عليه من نُظُم وحُكَّام، والشعوب باقية، وكل محنة تصنع شعبًا أقوى سيكون لنا وطن أجمل.

كتابك الأخير "نفحات من العزلة" عبارة عن خواطر فيها بعض الرسائل، فهل هي مقصودة؟ وهل وجهت من خلاله رسالة لـ"كفافيس"؟

 هي تأملات في الحياة كانت نتاج عزلتي، بسبب الكورونا ومرضي الذي طال معي، وتسربت بعد ذلك إلى ما كتبته من روايات، أو جاءت منها فلم أعد أذكر. أما "كفافيس" فهو لا يغيب عني ما دامت هناك ذاكرة الإسكندرية.

لك كتاب يحمل عنوان "ما وراء الكتابة"، بعد هذه السنوات من الكتابة، ما الذي اكتشفه إبراهيم عبد المجيد في عالمه؟ وماذا لو عاد لزمن السبيعينيات؟ 

- لو عاد الزمن للسبعينيات فلن أغير طريقي؛ فأنا منذور للكتابة بحكم الموهبة التي منحني إياها الله وليس بالإرادة والاختيار، وكل ما فعلته في حياتي كان من أجل تحققها بشكل أجمل سواء في الكتابة، أو ما اخترته من أعمال وأفعال.

روايتك الأخيرة "السايكلوب" هي عنوان لنوع من أنواع الحيوانات، بطلها "سعيد صابر" الذي كان بطلًا لرواية سابقة، فهل هي امتداد لهذه الرواية؟ 

 ليست امتدادًا وإن كنتِ تستطيعين أن تعتبريها كذلك، هذا أمر متروك للنقاد، أما أنا فأعيش دائمًا مع شخصياتي وأنا أكتب عنهم، وأبحث عنهم في الطرقات ناسيًا أنهم خيال، هكذا فكرت أن أستدعي واحدًا منهم من رواية "هنا القاهرة" ليرى العالم الآن. جَرَت العادة أن يستعيد الكتاب شخصيات تاريخية، لكني استعدت شخصية وهمية من صفحات كتاب. شخصياتي رغم الوهم والخيال يعيشون معي كحقائق.

كتابة رواية جديدة لإبراهيم عبد المجيد تأتي لنسيان أبطال رواية سابقة، فهل أغلب شخصيات روايتك من الواقع؟

 من الواقع ومن الخيال؛ فأنا أبدأ الرواية مع شخصية أو اثنتين، ثم تأتي الأحداث بشخصيات أخرى. بلا شك تجسد رؤى فلسفية وخبرات، لكن كلها ما بين الأصل الواقعي، والأصل الخيالي، وفي النهاية كلها غير واقعية؛ لأن الواقع حولنا، فلماذا نعيده مرة أخرى؟

ثلاثية "الهروب من الذاكرة"، ما الفرق بينها وبين ثلاثية "لا أحد ينام في الإسكندرية"؟ 

 "ثلاثية الإسكندرية" هي رواية مكان عن مدينة في ثلاثة تحولات كبرى، مدينة عالمية في "لا أحد ينام في الإسكندرية"، ثم مدينة مصرية في "طيور العنبر" بعد إبعاد الجاليات الأجنبية، وفقدانها التعدد الثقافي بفعل النظام الحاكم الذي أراد أن يكون الناس على فكر رجل واحد هو الزعيم الأوحد بعد يوليو 1952، ثم مدينة وهابية سلفية في رواية "الإسكندرية في غيمة" في السبعينيات مع سياسة السادات، فلم تعد لا عالمية ولا مصرية، بل صارت مسخًا، أما ثلاثية الهروب من الذاكرة فهي رواية زمان هو زماننا؛ حيث السجون مفتوحة لأصحاب الرأي، فماذا يفعلون بعد خروجهم؟ وهل يمكن أن يعيشوا ويعودوا للحياة؟ الحياة في السجون وأسبابها وهل يمكن نسيانها؟ نماذج ممن ينجحون، ونماذج ممن يفشلون، ونماذج ممن يتركون كل البلاد بحثًا عن أرض أجمل حتى ولو في التاريخ القديم.

هل تعكس الثلاثيات مدى تأثرك بنجيب محفوظ؟

شكل الثلاثية أقدم موجود في الأدب العالمي؛ فقد فعله توماس مان مثلًا عام 1901 في "ثلاثية آل بودنبروك" وفعله محفوظ في مصر بعده فكان الأول، وبالطبع ترك أثره فينا جميعًا.

في ثلاثية "الهروب من الذاكرة" بطل الثلاثية خرج من السجن؛ ليبني قصر ثقافة لتعليم الأطفال الفن والثقافة، هل هذا يعكس تجربتك في السجن؟

هذا هو ما يأتي به الفن، ومصدره هو إحساسي بأن البطل يريد أن يعيش في عالم أجمل إحساسًا وليس فكرًا، الذين دخلوا السجون آلاف، وليس كلهم يفعلون ذلك، وللأسف أغلب الكبار الذين يأتون لزيارة المكان يراهم مسجونين سابقين مثله، مشاعر وجودية تتجسد في الفن وليست أفكارًا.

تحويل بعض أعمالك "في كل أسبوع يوم جمعة" لعمل درامي، وغيرها "صياد اليمام" ألم يشجِّعك هذا للسعي لتحويل الثلاثية لأفلام كثلاثية صاحب نوبل؟

تحويل الأعمال إلي دراما وراءه شركات إنتاج وليس المؤلف، والآن لدينا احتكار، وعدد الأفلام والمسلسلات ربع ما كان من قبل، وأنا لا أشغل بالي إلا بما أكتب وبمتعة الكتابة.

لماذا لا تكتب رواية تدين فيها من حاربوك في حياتك الأدبية؟

ضحك قبل أن يقول: لماذا أفتكرهم ثانية؟ الحياة مليئة بالأشرار، والخيال يأتي بما أريد.