تحقيقات
أمير الـصرّافخبيئة آثار فرعونية في الريف الفرنسي
2025.02.09
مصدر الصورة : آخرون
قصة اكتشاف الخبيئة وعودتها إلى مصر عام 2021 *
في النصف الثاني من يونيو 2021، نشرت وسائل إعلام مصرية وعالمية،تقارير إخبارية حول استعادة مصر 114 قطعة أثرية جرى تهريبها من مصر إلى فرنسا، تعود هذه المنقولات إلى جهات مختلفة حيث تضم قطعًا تعود إلى عصور ما قبل التاريخ والدولة المصرية الوسطى وصولًا إلى قطع من عصر الدولة الحديثة حتى العصر المتأخر من الحقبة الفرعونية.
قبل نشر هذه التقارير الإخبارية، بيوم واحد، عُقدت في السفارة المصرية في باريس مراسم تسليم هذه القطع الأثرية للجانب المصري وعلى رأسه النائب العام المصري السابق: المستشار حمادة الصاوي، وأمين المجلس الأعلى للآثار السابق: الدكتور مصطفى وزيري، ووفد مصري رفيع المستوى، والمحامي الدولي الراحل يس تاج الدين الوكيل القانوني السابق للسفارة الفرنسية في مصر، إضافة إلى ممثلي الجانب الفرنسي من أعضاء نيابات وديبلوماسيين.
ينطوي هذا التقرير المطوّل على تفاصيل استعادة هذه القطع الأثرية التي لا تقدر بمال، من خلال معلومات مُوثقة ومن مصادر مُطلعة، تُبيّن هذه المعلومات كيف علمت السلطات المصرية بأمر هذه الكنوز التي كانت مخبأة في قصر بمنطقة «شارانت» جنوب غرب فرنسا، والجهود المبذولة لاستعادتها، إضافة إلى استعادة ما بيع منها في صالة المزادات الشهيرة «دروو» في العاصمة الفرنسية باريس، كذلك تكشف هذه المعلومات عن واحدة من شبكات تهريب الآثار المصرية القديمة التي استمر نشاطها نحو نصف قرن.
شبكة تهريب آثار استمرت 50 عامًا
فى بداية سبعينيات القرن الماضي، بدأ آلان فوكيه زيارات موسمية إلى الأقصر، وكان يُعرف نفسه بأنه مرشد سياحي يُحب الحضارة المصرية القديمة، مارس الرجل الفرنسي عمله في الإرشاد السياحي بين الأقصر وأسوان رفقة مجموعات من مواطنيه الفرنسيين، وبمرور السنوات رُقي فوكيه في عمله وأصبح مديرًا إقليميًّا بأحد الشركات السياحية، ثم مديرًا لأحد الفنادق، واستقر في هذا المنصب فترة طويلة، ثم اشترى لحسابه عائمة نيلية «دهبية» كانت ترسو أمام الفندق، واستخدمها في الرحلات السياحية النيلية في الموسم الشتوي من الأقصر إلى أسوان، وكان أغلب زبائنه من مواطنيه الفرنسيين.
وارتبط آلان فوكيه بصداقة مع مواطنه الفرنسي ديدييه جان ربما جمعهما مجال العمل وهو السياحة إذ كان جان يقضي الموسم السياحي الشتوي في الأقصر سنويًّا، ويمتلك عائمة نيلية أيضًا، ثم يعود إلى بلاده بعد انتهاء عمله.
حتي سنة 2019 كانت الأمور تسير بشكل طبيعي.. رجلان فرنسيان يعملان ويستثمران أموالهما في قطاع السياحة، إلى أن توفي آلان فوكيه أبريال في فبراير 2019، في الأقصر وحيدًا إذ لم يكن متزوجًا، في تلك الأثناء كان ديدييه جان في فرنسا، وبوفاة فوكيه ستبدأ تفاصيل مثيرة في الظهور!
فمن الواضح من خلال التفاصيل التي بدأت تتكشف بعد وفاته، أن عمل واستثمارات فوكيه بقطاع السياحة في جنوب مصر لم تكن سوى غطاء لنشاطه السري في شراء واقتناء وبيع القطع الأثرية القديمة واللوحات، من عدة بلدان وأولها مصر ودول أخرى، وكان يحتفظ بها في مخبأ بقصره بمنطقة «شارانت» جنوب غرب فرنسا، هذا القصر أطلق عليه فوكيه اسم «شاتو شابروفيل» وكلمة «شاتو» تعني باللغة العربية قلعة، و«شابروفيل» هي اسم المقاطعة الصغيرة، غرب فرنسا والتي اشترى فيها فوكيه قصره، وقد عيّن عليه حارسًا فرنسيًّا. وكانت هذه الكنوز التي جمعها فوكيه حصيلة نحو 50 عامًا منذ قدومه إلى مصر.
خبيئة آثار فرعونية في الريف الفرنسي
قبل وفاته بسنوات كتب فوكيه وصيته في فرنسا، وقسم فيها أملاكه هناك ولم يكن لديه ورثة على قيد الحياة من عائلته سوى إ. فوكيه نجلة شقيقه وقد خصها بجزء كبير من أملاكه، أما قصر شاتو شابروفيل وخبيئته من الكنوز والتحف فقد أوصى بها لصفيه وصديقه ديدييه جان على أن يقوم بتحويل القصر إلى فندق به جناح لمتحف تعرض فيه القطع واللوحات التي جمعها فوكيه في حياته.
حاول ديدييه جان تنفيذ وصية صديقه ولكنه اصطدم بإجراءات القانون الفرنسي في هذا الشأن، وهي سداد ضرائب تركات ورسم أيلولة تصل قيمتها إلى 60% من قيمة الأملاك المُوصى بها بالإضافة إلى أتعاب مصفي التركة الرسمي والمثمن القانوني التي تبلغ نسبتها 5% من القيمة، وطبقًا للقانون الفرنسي فإن ملكية أعيان التركة لا تنتقل إلى الورثة أو الموصى إليهم بمجرد وفاة المُورث، كما هو الحال في الشريعة الإسلامية والقانون المصري، ولكنها تستمر في ملكية المُتوفى أو التركة ككيان حتى سداد كامل الضرائب والمديونيات إن وُجدت.
وأمام هذه التعقيدات لجأ ديدييه إلى الحل السهل وهو بيع هذه الكنوز، بعد أن استطلع رأي خبير تحف أثرية، وتمهيدًا للبيع طلب ديدييه من الحارس الفرنسي ميشيل بيلوت وزوجته اللذين عينهما آلان فوكيه لحراسة شاتو شابروفيل منذ 1991، مغادرة القصر ولكنهما رفضا الرحيل وتسليم القصر لـديدييه الذي لجأ بدوره إلى مصفي التركة، إلى أن نجح في النهاية في استلام شاتو شابروفيل وطرد الحارس وزوجته، ونقل مجموعة من القطع الأثرية من القصر إلى منزله في نفس الإقليم، بعد تعرض القصر لمحاولة سرقة وتعطيل أجهزة الإنذار به.
ولم تنتهِ محاولات الحارس ميشيل بيلوت وزوجته للاستحواذ على القصر بل تقدما بشكوى إلى المحكمة العمالية في فرنسا ضد ورثة فوكيه وهما ديدييه وإ. فوكيه، طالبا فيها بتعويض عن فصلهما ومكافأة نهاية الخدمة عن عملهما كحارس وخادمة منذ 1991.
ظن ديدييه أن الأمور استتبت له بعد طرد الحارس وزوجته واستلام القصر ومحتوياته، واتفق مع صالة مزادات «دروو» الشهيرة في العاصمة الفرنسية باريس، وفى أول ديسمبر 2019، بيعت بالمزاد العلني في دروو بعض القطع والتحف ومن بينها قطع أثرية مصرية، لصالح ديدييه، وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي خاصة أن هذه القطع الأثرية غير مُسجلة في متاحف مصرية أو عالمية كذلك الأمر في سجلات وزارة السياحة والآثار المصرية، تمت عملية البيع وحولت المبالغ إلى ديدييه.
وعاد إلى مصر بشكل طبيعي وفي ليلة رأس السنة 31 ديسمبر 2019، خرج ديدييه في رحلة نيلية رفقة أصدقائه من الأقصر إلى أسوان بعائمته النيلية وعندما وصل إلى أسوان كان في انتظاره ضباط المباحث وألقوا القبض عليه وتم ترحيله برًّا إلى الأقصر، ووجهت إليه تهمة تهريب الآثار.
بعد طرد ميشيل بيلوت وزوجته من القصر، وعدم تحصلهما على نصيب من كنز آلان فوكيه الذي كانا يحرسانه لمدة 28 سنة، قررا إفساد الأمر على ملَّاك شاتو شابروفيل الجدد بعد عدم حصولهما على تسوية مرضية.
إعادة كنوز شاتو شابروفيل إلى مصر
في الثلث الأخير من يوليو 2019 وصل إلى السفارة المصرية في باريس، خطاب غامض مُذيل باسم لي بيلوت حراس القصر الريفي شاتو شابروفيل، كانت فحوى هذا الخطاب عبارة عن شكوى حوت معلومات غاية في الأهمية تعاملت معها السفارة المصرية في فرنسا بجدية وسرعة.
حوى هذا الخطاب معلومات مهمة حول الآثار المصرية المُهربة من مصر وصورًا فوتوغرافية لها، كذلك معلومات عن ضلوع ديدييه جان وصديقه المُتوفى آلان فوكيه في تهريب الآثار المصرية إلى فرنسا، نقلت السفارة المصرية هذه المعلومات إلى وزارة الخارجية المصرية التي قامت بدورها بمخاطبة رئيس مكتب التعاون الدولي وتنفيذ الأحكام بوزارة العدل المصرية مع مواصلة العمل مع الجهات الأمنية الفرنسية لكشف واستيضاح ملابسات القضية.
وبدأت السلطات المصرية بالتنسيق مع الوزارات المختصة في التحرك وتوجيه طلب المساعدة القضائية في المواد الجنائية من السلطات الفرنسية، وفقًا لاتفاقية التعاون القضائي المصرية الفرنسية في المواد الجنائية، وشكل أمين المجلس الأعلى للآثار لجنة خماسية لإبداء الرأي الفني في أثرية هذه القطع من عدمه.
خضع ديدييه جان للتحقيق أمام نيابة الأقصر وظل رهن الحبس الاحتياطي حتى 21 إبريل 2020، ووجهت إليه النيابة العامة وكذلك شريكه وصديقه المتوفى آلان فوكيه 4 تهم تتعلق بالتهريب والاتجار في الآثار المصرية، وقيدت القضية برقم 1140 لسنة 2022 كلي الأقصر، كما أصدرت محكمة الجنايات الاقتصادية في قنا قرارًا بالتحفظ على أموال المتهمين السائلة والمنقولة والعقارية، وجرى الإفراج عن ديدييه جان بضمان محل إقامة زوجته البلجيكية واستمرت القضية متداولة مع منع المتهم من السفر إلى الخارج.
امتثل المتهم ديدييه جان لنصيحة المستشار القانوني للسفارة الفرنسية في مصر المحامي الراحل يس تاج الدين، بإعادة القطع الأثرية المُهربة من مصر والتي يحوزها في قصر شاتو شابروفيل في فرنسا، وأقر بإعادتها في تحقيقات النيابة، ونسق المستشار القانوني للسفارة الفرنسية في مصر، مع مكتب النائب العام المصري، ومع مكتب المحامي العام بالأقصر وسفارة مصر بباريس، والجهات الفرنسية المختصة بكتابة تفويض باللغتين العربية والفرنسية، تعهد خلاله المتهم بتفويض أوليفيه دي بيك محاميه في فرنسا برد القطع المصرية التي حازها بموجب وصية آلان فوكيه وتسليمها للسفارة المصرية في باريس، في إطار اتفاقية اليونسكو بالتعاون بين مصر وفرنسا، وكذلك رد متحصلات بيع بعض القطع المصرية بالمزاد العلني بقاعة دروو، وفي 23 يونيو 2021، تم تسليم 114 قطعة أثرية للسفارة المصرية في باريس بحضور المسؤولين المصريين، إضافة إلى التحويل البنكي لمبلغ ثلاثة وثلاثين ألف يورو، من مصفي التركة، إلى النيابة العامة المصرية، وانتهت قضية ديدييه جان الجنائية في مصر، بالبراءة في جلسة 15 مايو 2023.
تطرح قضية آلان فوكيه وديدييه جان وريثه وصفيه، عدة أسئلة.. من أين كانا يتحصلان على القطع الأثرية غير المسجلة في عداد الآثار المصرية، وغير المفقودة من المتاحف المصرية؟ وكيف تم إخراجها من مصر؟ ومَن يدعمهما أو بالأدق مَن الشركاء الخفيون؟!
عُرف عن فوكيه صلاته وعلاقاته الواسعة، وهو أقدم فرنسي يعيش في الأقصر جنوب مصر، وكان الفندق الذي يديره محطًّا لمواطنيه الفرنسيين من الزوّار السائحين.
على أي حال فقد شكل عمل فوكيه وصديقه بقطاع السياحة غطاءً آمنًا ليمارس نشاطه السري، إذ تبيّن التحريات في القضية وجود حسابات مصرفية بالجنيه المصري والعملات الأجنبية وتحويلات متبادلة بنكية، الظاهر أنها كانت تعاملات بين الشركات السياحية في مصر وفرنسا، والباطن ما زال غامضًا!
[*]جميع المعلومات الواردة في هذا التحقيق تعتمد على مستندات القضية
ترشيحاتنا
