عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

شهادة الذات.. وكتابة التاريخ - الجزء الثاني

2026.04.25

شهادة الذات.. وكتابة التاريخ - الجزء الثاني

 

رابعًا: السيرة الذاتية (Autobiography)

يلجأ صاحب السيرة الذاتية إلى هذا اللون من الكتابة حين يفرغ - كليًّا أو جزئيًّا - من دوره العام أو السياسي، فينصرف إلى تدوين مسار حياته منذ بداياته الأولى حتى المرحلة التي انتهى إليها زمن الكتابة. وتختلف السيرة الذاتية عن الذكريات في أنَّها لا تقف عند الأحداث الكبرى وحدها، ولا تقتصر على الوقائع التي أسهم المؤلف في صنعها أو شهدها عن قرب، بل تتجاوز ذلك إلى رسم صورة أشمل للحياة الشخصية في امتداداتها المختلفة؛ فتتناول النشأة، والتكوين الأسري، والتعليم، وملامح التربية، ومواقف الحياة، والتجارب الفكرية والوجدانية، ثم تحاول ربط هذه العناصر كلها بالأحداث العامة التي تَفاعَل معها صاحب السيرة أو أسهم فيها.

ومن ثمّ، فإنَّ السيرة الذاتية أكثر اتساعًا من الذكريات، وأشدُّ ميلًا إلى بناء صورة كلية للذات في علاقتها بالزمان والمجتمع والتجربة. ولذلك كثر هذا الفن في كتابات الأدباء والمفكرين والعلماء، لأنَّهم أكثر ميلًا إلى تأمل الذات واستعادة مسار تشكُّلها الفكري والإنساني. ومن أشهر أمثلته في الأدب العربي: «الأيام» لطه حسين، و«حياتي» لأحمد لطفي السيد، و«أنا» لعباس محمود العقاد. وفي المجال السياسي يمكن إدراج كتاب «البحث عن الذات» لأنور السادات ضمن جنس السيرة الذاتية، إذ لم يقتصر فيه على استدعاء المواقف السياسية وحدها، بل عاد إلى نشأته، وتعليمه، وبدايات وعيه، ومسيرة حياته حتى زمن تأليف الكتاب.

خامسًا: التراجم (Biography)

أما التراجم فهي ما يكتبه الآخرون عن حياة شخصية من الشخصيات البارزة، بحيث تتحوَّل حياة ذلك المشهور من صورتها الإنسانية المباشرة إلى صورة أدبية أو فكرية أو تاريخية يعاد بناؤها في نصٍّ مكتوب، يبدأ من النشأة وينتهي إلى الوفاة أو إلى آخر ما آل إليه مسار الشخصية موضوع الترجمة. وقد ازدهر هذا الفن في التراث الإسلامي ازدهارًا واسعًا، لا سيما في تراجم العلماء والمحدثين والنقاد والفقهاء وأهل الحكم، ثم استمرَّ حضوره في التاريخ الحديث والمعاصر بأشكال متعددة.

وفي مجال التاريخ الحديث ظهرت تراجم لشخصيات سياسية كبرى، من ذلك كتاب العقاد عن سعد زغلول. وتمتاز التراجم - من حيث الأصل - بأنَّها أكثر موضوعية من السيرة الذاتية، لأنَّ كاتبها يتناول شخصيةً غير شخصه، فلا يكون مدفوعًا - في الظاهر على الأقل - إلى الدفاع المباشر عن ذاته أو تبرير مواقفه. غير أنَّ هذه الموضوعية ليست مطلقة، إذ قد يتأثر كاتب الترجمة بقربه الفكري أو السياسي من الشخصية المترجَم لها، أو بانتمائه الحزبي أو المذهبي، فيعلي من شأنها، ويهوّن من أخطائها، ويقدّمها في صورة تمجيدية تضعف معها قيمة النص التاريخية.

ومن هنا لا يجوز التسليم تلقائيًّا بموضوعية كل ترجمة، بل ينبغي إخضاعها للنقد مثل غيرها من المصادر. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنَّ العقاد لم يكن على قدر كافٍ من الموضوعية في حديثه عن سعد زغلول، لتأثره بانتمائه القديم إلى الوفد، وإن كان قد افترق عنه لاحقًا في عهد النحاس، ومال بعد ذلك إلى السعديين. وهذا كله يؤكد أنَّ الترجمة، مهما بدت أكثر بعدًا عن الذات من السيرة الذاتية، تبقى هي الأخرى نصًّا محكومًا برؤية مؤلفه وخلفيته وموقفه من الشخصية التي يكتب عنها.

خامسًا: الأوراق الخاصة (Private Papers)

لا تقلُّ الأوراق الخاصة أهميةً عن الوثائق الرسمية في الاستخدام التاريخي، بل قد تتفوَّق عليها في بعض الأحيان، لا سيما إذا تعلقت بشخصية كبرى أو بمسؤول شغل موقعًا مؤثرًا في صناعة القرار أو توجيه الأحداث. ومن ثمّ، فإنَّ إغفال هذا النوع من الوثائق غير الرسمية يُعدُّ نقصانًا بيّنًا في أدوات الباحث، لأنَّ هذه الأوراق قد تضم تقارير، أو بيانات، أو هوامش، أو مسودات مشروعات، أو خطابات متبادلة، أو تعليقات شخصية، وكلها مواد قد تكشف من خفايا الحدث وسياقاته ما لا تفصح عنه الوثائق الرسمية.

غير أنَّ الإفادة من الأوراق الخاصة تعترضها جملة من الصعوبات؛ إذ قد يكون الوصول إليها عسيرًا أو متعذرًا، إما لأنَّها لم تحفظ أصلًا، أو لأنَّها بقيت محفوظةً في منازل أصحابها أو لدى ورثتهم، أو لأنَّها أودعت في أماكن لا يتاح للباحثين النفاذ إليها بسهولة. وفي بعض الأحيان تُهدى هذه الأوراق إلى الجامعات أو مراكز البحث العلمي، وفي أحيان أخرى تُسلَّم إلى دور المحفوظات القومية، أو تحفظ بناءً على وصية من صاحبها أو من ورثته. وقد يسمح القائمون عليها بالاطلاع الكلي أو الجزئي، وقد يمتنعون عن ذلك امتناعًا تامًّا.

وفي بعض الدول المتقدمة وُضعت أدلة مطبوعة أو فهارس علمية تُعرِّف بأماكن حفظ الأوراق الخاصة بالشخصيات العامة، وتبيِّن إجراءات الاطلاع عليها والحصول على الموافقات اللازمة. ومن أمثلة هذا الباب ما نُشر من أوراق طه حسين، وما جُمع من خطابات حسن البنا، وهي نصوص تُبيِّن إلى أي حدٍّ يمكن للأوراق الخاصة أنْ تمدَّ الباحث التاريخي بمادة لا تقل أصالة عن الوثائق الرسمية، بل قد تزيد عليها في كشف البواعث والمساحات المسكوت عنها.

سادسًا: المقابلات الشخصية

تُعدُّ المقابلات الشخصية من الوسائل المهمة التي يستعين بها الباحث التاريخي في استجلاء بعض جوانب الماضي، وهي تقوم على لقاءات مباشرة تُجرَى مع أشخاص شاركوا في صنع الأحداث، أو كانوا قريبين منها على نحو أتاح لهم معايشتها أو الإحاطة ببعض تفاصيلها. وتكتسب هذه المقابلات قيمتها من أنَّها قد تمكِّن الباحث من الوقوف على معلومات يتعذر العثور عليها في الأرشيف أو الوثائق المكتوبة، لا سيما ما يتصل بالتفاصيل الشفوية، والانطباعات المباشرة، وخلفيات الوقائع التي لا تحفظها الأوراق الرسمية في كثير من الأحيان.

وليس مردّ أهمية المقابلات الشخصية إلى ما تمدّ به الباحث من معلومات فحسب، بل إلى ما تمنحه من إحساس حيّ بالماضي، إذ لا يلتقي الباحث في هذه الحال بأشخاص أحياء وحسب، بل يلتقي - من خلالهم - بالتاريخ وهو ينبض في الذاكرة، ويتجسد في الكلمات، ونبرات الصوت، وتعابير الوجه، وطريقة استحضار المواقف والصور. ومن ثمّ، يشعر الباحث - في أحيان كثيرة - وكأنه لا يدرس فترة تاريخية من وراء الحجب، بل يعايشها من خلال شهادة من شهدها ووعاها. ولهذا كانت المقابلات الشخصية معينًا مهمًّا في الدراسات التاريخية، شريطة أنْ تُخضَع - مثل سائر الشهادات - لمقتضيات النقد والتمحيص.

أخيرًا

إنَّ التعامل مع شهادات الذات يقتضي من المؤرِّخ قدرًا عاليًا من الحذر المنهجي والدقة النقدية؛ لأنَّها نصوص تُمتزَج فيها الشهادة بالتأويل، والواقعة بالرؤية الشخصية، والتسجيل بالرغبة في التبرير أو الدفاع أو إعادة بناء الذات. وفي هذا السياق يذهب قسطنطين زريق إلى أنَّ عمل المؤرخ يشبه - إلى حد بعيد - عمل المستنطق في الدوائر القضائية؛ إذ يستدعي الشهود والرواة، ويفحص شهاداتهم، ويدقق في إفاداتهم، ويوازن بينها، ليصل من مجموع ذلك إلى صورة أقرب إلى الحقيقة. غير أنَّ المؤرخ لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما يشبه دور المدعي العام حين يتخذ وجهة الاتهام، ثم إلى دور المحامي حين ينظر من زاوية الدفاع، حتى ينتهي - في نهاية المطاف - إلى موقع القاضي الذي يثبت وقائع الحدث أولًا، ثم يصدر حكمه عليه بعد التثبت والموازنة.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ المذكرات تمثل نصوصًا ذاتية بطبيعتها، وهي لذلك أكثر عرضةً للانحياز من غيرها من المصادر، مما يجعل التعامل معها أكثر صعوبةً وتعقيدًا. فكثيرًا ما تتضمَّن هذه النصوص نزوعًا إلى انتحال الأدوار، أو تضخيم المواقف، أو المزايدة في تصوير المشاركة في الحدث. ومن ثمَّ، فإنَّ المؤرخ لا يجوز له أنْ يتسلم ما تورده المذكرات تسلّمًا مباشرًا، بل ينبغي أنْ يزنها بميزان النقد، وأنْ يعرضها على غيرها من الوثائق والشهادات والقرائن.

وفي هذا الإطار يمكن القول إنَّ اليوميات تبدو - في الغالب - أقرب إلى الموضوعية من المذكرات، تليها المذكرات، ثم تأتي الذكريات في مرتبة أبعد نسبيًّا عن الحياد، بحكم ما يعتري الذاكرة من انتقاء، وما يداخل التذكر من إعادة بناء وتأويل لاحق. ويكشف التطبيق العملي لهذه القاعدة عن فروق مهمة بين النصوص التي تُكتب في قلب الحدث، وتلك التي تُستعاد بعد انقضائه بسنوات. ومن ثمَّ، فإنَّ المذكرات واليوميات والذكريات، فضلًا عن المقابلات الشخصية وسائر الشهادات الذاتية، يجب أنْ توضع جميعها في ميزان النقد التاريخي، وألا يُسلَّم بكل ما يرد فيها من أخبار وأحكام. فقيمتها الحقيقية لا تتحقَّق إلا حين تُقرأ في ضوء المقارنة والموازنة، وتُفحَص على هدي الوثائق والقرائن، حتى يستطيع الباحث أنْ يميز فيها بين ما يمثل شهادةً صادقةً على الحدث، وما يعكس إعادة تشكيله من منظور لاحق أو ذاتي.