عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

صفاء شاكر

علاقات ولدت من رحم التحولات: القاهرة وبكين في ميزان التاريخ

2026.09.06

علاقات ولدت من رحم التحولات:

القاهرة وبكين في ميزان التاريخ

 

تكتسب الزيارة التاريخية للرئيس الصيني إلى الأراضي المصرية في سبتمبر 2026 بُعداً أعمق حين نُعيد قراءة الجذور الأولى للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. لم تكن تلك البدايات مجرد إجراءات بروتوكولية، بل تشابكت مع تحولات عالمية كبرى؛ فبعد انضمام الصين إلى صف الدول الديمقراطية إبان الحرب العالمية الثانية، برزت توقعات بأن تصبح أعظم قوة في شرق آسيا ذات صوت مسموع في مؤتمر السلام. تلاقى هذا مع وجود كتلة ديموغرافية إسلامية في الصين بلغت آنذاك نحو خمسين مليون نسمة، أبدت اهتماماً بالغاً بمد جسور التواصل مع العالم الإسلامي، وفي القلب منه مصر. وحين قررت بكين إيفاد وزير مفوض إلى القاهرة، استجابت مصر بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل عام 1943.

 

مخاض التأسيس بين نانكنج وشونكنج

حالت ظروف الحرب التي شملت الطرفين دون تفعيل هذا التبادل السياسي حتى وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. وفي 18 مايو 1946، أصدر وزير الخارجية المصري "أحمد لطفي السيد" قراراً بتحديد اختصاص القنصلية الملكية المصرية العامة في العاصمة الصينية "نانكنج". كان مجلس الوزراء قد وافق مبدئياً على إنشاء القنصلية في 13 يوليو 1943، وأعقبه قرار وزاري في 27 نوفمبر من العام ذاته بجعل "شونكنج" مقراً مؤقتاً يشمل مقاطعتي شونكنج وزيشوان، استجابة لظروف الاحتلال الياباني الذي أجبر الصين على تغيير عاصمتها مؤقتاً حتى هزيمة اليابان.

وحمل عبء هذا التمثيل الدبلوماسي المبكر بين عامي 1946 و1949 شخص واحد من رجال الخارجية هو "إلياس إسماعيل بك". تدرج الرجل من مندوب فوق العادة ووزير مفوض من الدرجة الثانية ليجمع معه منصب القنصل العام في نانكنج، ثم ارتقى إلى وزير درجة أولى بلقب سفير، ليصبح أخيراً سفيراً لمصر لدى حكومة الجمهورية الصينية.

 

رياح الحرب الأهلية وتحديات الدبلوماسية

لم يكد التمثيل الدبلوماسي يستقر حتى عصفت بالصين الأوضاع الداخلية ورياح الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1946 بين قوات "ماو تسي تونج" وحكومة "تشانج كاي شيك"، والتي استمرت حتى بدأ الحزب الشيوعي يجني ثمارها عام 1949 ولجوء كاي شيك إلى فرموزا. ألقت هذه التحولات بظلالها القاسية على البعثة المصرية؛ إذ تعرض الملحق بالسفارة المصرية بمدينة نانكنج، "بطرس أبادير"، لاعتداء من جماعة صينية أسفر عن طعنات في بطنه وظهره استدعت نقله للمستشفى.

وجدت القاهرة نفسها في مأزق سياسي؛ إذ صرحت الدوائر الرسمية بالخارجية بأنه لا يمكن تقديم احتجاج لحكومة الصين الشيوعية لعدم الاعتراف بها حينها، مما جرد "أبادير" من صفته وامتيازاته الدبلوماسية. ترتب على ذلك إغلاق السفارة في نانكنج ونقل السفير "إلياس إسماعيل" إلى إيران. ورغم ترجيح أحد المصادر بأن الإغلاق جاء بضغط أمريكي بعد إعلان واشنطن مسؤوليتها عن حماية الصين الوطنية عام 1950، إلا أن الموقف المصري كان نابعاً بالأساس من التزام صارم بسياسة الحياد بين القوتين الشرقية والغربية.

 

دبلوماسية التريث ورعاية المصالح

في ظل هذا المشهد، وتزامناً مع اعتراف بريطانيا بحكومة الصين الشيوعية، رأت الإدارة السياسية بالخارجية المصرية أن تعهد إلى مثيلتها البريطانية برعاية مصالحها المقتصرة على المحافظة على دار السفارة ومكاتبها ومتعلقاتها. في المقابل، شجع عدم اعتراف القاهرة بالصين الشيوعية حكومة الصين الوطنية على طلب رعاية مصر لمصالح الصينيين في النمسا إثر إغلاق مفوضيتها هناك. بوعي استراتيجي، ورغم استمرار اعترافها بالصين الوطنية، رفضت مصر الطلب لكي لا تخرج عن دائرة الحياد، متجنبة الوقوع في موقف حرج يصعب الخروج منه مستقبلاً إذا ما اضطرتها الأمور الدولية للاعتراف بالصين الشيوعية.

 

باندونج والانفتاح الاستراتيجي الكبير

شكّل مؤتمر باندونج في أبريل 1955 نقطة التحول، حيث شهد أول اتصال مصري بحكومة الصين الشعبية عبر مباحثات جمعت الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس وزراء الصين "شوان لاي". أثمرت اللقاءات عن عقد اتفاقيات ثقافية في 30 مايو 1956، وسحب مصر اعترافها بالصين الوطنية، في خطوة قوبلت بمعارضة شديدة من بعض الدول الغربية.

استندت القاهرة في خطوتها إلى وجود 50 مليون مسلم في الصين الشعبية، وإلى رؤية عبد الناصر التي اعتبرت الثورة الصينية والقومية العربية أعظم أحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأكد ناصر أن الملايين من شعب الصين وقفت بجوار الشعب المصري في معركة بورسعيد ضد الغزاة، وأن الشعبين اللذين بنيا أعظم حضارتين في العالم القديم يشتركان اليوم في حماية الحضارة البشرية من الدمار. وقد تجلى هذا التأييد العملي حين أعلنت بكين في أكتوبر 1956 استعدادها لإرسال آلاف المتطوعين للاشتراك في الدفاع عن مصر ضد العدوان الثلاثي. وهو المسار الذي تكلل بزيارة "شوان لاي" للقاهرة عام 1964، مؤكداً حرص الصين على زيادة روابطها الاقتصادية والسياسية مع مصر.

 

المراجع المعتمدة:

  • وثائق قصر عابدين.
  • مضابط مجلس النواب/ الجلسة 3، 29 / 11/ 1943 ص 41- 45.
  • الوقائع المصرية، الأهرام.
  • بسام العسلي: ستالين، سلسلة قادة الكرملين (2).
  • مراد إبراهيم الدسوقي: مستقبل التوجهات الاستراتيجية الدفاعية للصين. السياسة الدولية، أبريل 1996.
  • محمد عبد الوهاب الساكت: العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين الشعبية. السياسة الدولية، يوليو 1986.
  • أحمد عطية الله: القاموس السياسي.