عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

زكريا صادق الرفاعي

فيليب حتى.. رائد الدراسات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية

2026.09.26

فيليب حتى.. رائد الدراسات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية

 

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة في عام 2001، ارتفعت الأصوات في الولايات المتحدة على تباينها، متسائلة عن أسباب العداء لها في العالم الإسلامي بوجه عام، وانخرطت العديد من المؤسسات والمراكز البحثية في العمل على قدم وساق لرصد جذور هذا العداء وما قد يحمله من تداعيات خطيرة في المستقبل المنظور، ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق ليضفي المزيد من الظلال القاتمة على صورة الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع بالإدارة الأمريكية للسعي لكسب ما سُمي معركة «العقول والقلوب» مجددًا، واستئناف ما عُرف بدبلوماسية الرأي العام التي طُرحت جانبًا بعد انتهاء الحرب الباردة، ولعل الحضور المكثف لدعاوى الإصلاح ونشر الديمقراطية التي روجت لها الإدارة الأمريكية في العالم العربي في تلك الآونة والتدخلات الخافتة حينًا والسافرة حينًا آخر على اختلافها في المنطلقات والأهداف لا تنفصل بحال عن ذلك السياق.

 

مرحلة الجذور

 

بدأت الجامعات الأمريكية بالاهتمام بالدراسات الشرقية على استحياء في القرن التاسع عشر، فظهر قسم للدراسات الشرقية بجامعة نيويورك منذ نشأتها في عام 1831 م عُني بدراسة العربية والفارسية والعبرية كلغات شرقية منذ عام 1837 م، وتأسست الجمعية الشرقية في الولايات المتحدة في عام 1840 م، وأرسلت الباحثين لشراء المخطوطات وجمعها من أرجاء العالم الإسلامي وامتلكت جامعة برينستون ثاني أكبر مجموعة مخطوطات إسلامية، وظهرت أول طبعة للقرآن الكريم وما سمي لدى العامة «قرآن محمد»The Koran,Commonly Called The Alcoran of Mohammed في الولايات المتحدة في سبرنج فيلد في ولاية ماساشوستس في عام 1806 م، والحقيقة أن الدراسات العربية الأكاديمية في الولايات المتحدة لم تؤخذ على محمل الجد إلا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان مصطلح الدراسات الشرقية مظلة عامة لما عُرف بدراسات الشرق الأدنى، حيث رغبت بعض الجامعات المرموقة في إنشاء كراسي للغات والآداب السامية وكانت جامعة ميتشجان في طليعة الجامعات وتلتها جامعة كولومبيا ثم هارفارد، ومع تعاظم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة غدت المنطقة العربية بحكم موقعها الجغرافي ومواردها الحيوية لا سيما البترول موضع نظر الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي واصلت السعي من جانبها للبحث عن موطئ قدم لها بثبات وبصورة تدريجية دون إثارة للقوى التقليدية وفي مقدمتها بريطانيا، كما أن الولايات المتحدة مع تولي الرئيس «ترومان» مقاليد الحكم في عام 1945 وجدت نفسها أكثر انخراطًا في القضايا الدولية وشرعت في تبني سياسة خارجية جديدة، ومن ثم أدركت بوضوح حاجتها إلى أن تقدم نفسها للعالم بنفسها – ما تتبناه من سياسات - وما تسعى إليه من أهداف.

 

وداخل أروقة الإدارة الأمريكية كان هناك تسابق لاستقطاب الخبراء بالعالم العربي سواء من رجال البعثات الدينية مثل «هارولد هوسيكنز» وابن عمه «وليم إيدي» أو من الأكاديميين البارزين مثل «فيل إيرلند» نظرًا لمعرفتهم بالمنطقة عن قرب وإجادتهم للعربية، ولعل الاهتمام الأمريكي المتزايد بالعالم العربي كان له صداه على القضايا التي ناقشها المؤتمر الثامن عشر الذي عقدته جامعة شيكاغو في يوليو من عام 1942، وعشية الحرب العالمية الثانية اكتشفت الإدارة الأمريكية أن لديها عجزًا كبيرًا في الخبراء والمختصين في «دراسات المناطق» لا سيما منطقة شرق آسيا والاتحاد السوفيتي في الشؤون الآسيوية والشرق الأوسط، وشرعت في إنشاء العديد من المؤسسات الدراسية لسد ذلك العجز فالتحق نحو 158 طالبًا بالدراسات العربية في عام 1943 كما صارت العربية مدرجة ضمن برامج بعض الجامعات الأمريكية، ومن بين التوصيات المهمة في هذا الصدد في تقرير لجنة «هال» الصادر في عام 1946 والذي أوضح بجلاء أن المصالح القومية للولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة بحاجة إلى زيادة برامج «دراسات المناطق»، خاصة الشرق الأوسط الذي جاء في المرتبة الأخيرة في الجامعات الأمريكية، فلم يكن هناك سوى مركزين؛ أحدهما بجامعة برنستون وعلى رأسه «فيليب حتى» والآخر بجامعة ميتشجان بإدارة «جورج كاميرون».

على أي حال فقد كان لافتًا للانتباه في تلك الفترة انعقاد مؤتمر دولي حول الثقافة الإسلامية في سبتمبر عام 1953 بالتعاون مع مكتبة الكونجرس وجامعة «برنستون»، وقد علقت أهمية كبيرة على هذا المؤتمر باعتباره فرصة للتقارب مع العالم الإسلامي وخطوة مهمة على المديين القريب والبعيد في تحقيق الأهداف الأمريكية وقد تم توجيه الدعوة لوزير الخارجية الأمريكي للمشاركة في افتتاح المؤتمر، وقد عقدت جلسات المؤتمر في جامعة برنستون في الفترة من 8 إلى 17 سبتمبر ثم واشنطن في الفترة ما بين 18 و19 سبتمبر عام 1953 وتضمنت محاور المؤتمر ثلاثة عناصر هي العناصر الكلاسيكية في الثقافة الإسلامية، والشريعة الإسلامية والمجتمع ثم الحركات والتيارات الإسلامية المعاصرة، وقد شاركت في المؤتمر وفود إسلامية بارزة وكذلك مجموعة من كبار المستشرقين وتولى رئاسة المؤتمر المستشرق المعروف «بايرد دودج»، الرئيس السابق للجامعة الأمريكية ببيروت.

 

فيليب خوري حتى (1886-1978)

 

كان «فيليب حتى» هو حجر الزاوية في بناء الدراسات العربية بالولايات المتحدة، وهو من «شملان» التابعة لسوريا آنذاك وينتمي إلى الكنيسة المارونية وعقب انتهائه من المرحلة الأولية في عام 1899 التحق بالمدرسة الأمريكية بـ«سوق الغريب» ودرس بها اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والتاريخ والجغرافيا والرياضيات وتخرج في الجامعة الأمريكية في بيروت وعمل بها ثم تلقى منحة للدراسة بجامعة كولومبيا ودرس اللغات السامية وآدابها مع «ريتشارد جوتييل» وكان التركيز منصبًا على اللغة العبرية والآرامية لخدمة الدراسات التوراتية، بينما أتت اللغة العربية في المرتبة الثانية ونال «حتى» درجة الدكتوراه في عام 1916 بترجمته لكتاب «فتوح البلدان» للبلاذري ومن ترجماته لاحقًا ديوان المعري وديوان المتنبي وعُين أستاذًا للدراسات العربية في برنستون في عام 1926 ثم رئيسًا لقسم الدراسات الشرقية ومؤسسًا لبرنامج دراسات الشرق الأدنى بها وظل في رئاسته إلى تقاعده في عام 1954، وقد انضم «حتى» لعضوية الجمعية الأمريكية الشرقية في عام 1921 وصار رئيسًا لها في الفترة من عام 1937 إلى عام 1940، واختير في عام 1936 لعضوية الأكاديمية الأمريكية للعلوم والآداب، كما كان عضوًا بمعهد الشرق الأوسط الذي أنشئ في عام 1946، ونال جائزة جورج سارتون من جمعية تاريخ العلوم في عام 1971 وعمل أستاذًا زائرًا بجامعات شيكاغو وهارفارد ومنيسوتا وساو باولو بالبرازيل، وعضوًا بلجنة الدفاع عن الثقافة باليونسكو وعُرف «حتى» بأنه الأب المؤسس للدراسات العربية في الولايات المتحدة وأحد الجسور الثقافية بين الشرق والغرب.

 

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى علاقة «حتى» الوثيقة والغامضة بشركة أرامكو للبترول وكان مستشارًا للشؤون العربية لدى الحكومة الأمريكية إبان سنوات الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1944 طلبت «أرامكو» من «حتى» إعداد كتاب عن المملكة العربية السعودية وصدر الكتاب بالفعل في عام 1949 بعنوان «مختصر تاريخ العرب» وكان من أكثر الكتب مبيعًا رغم ما وُجه له من نقد، كما لبى «حتى» دعوة «أرامكو» لزيارة المملكة والحديث باسمها مما جعله موضع اتهام بموالاة مصالح شركات البترول الأمريكية والمتحدث باسمها، ورغم علاقته الملتبسة بـ«أرامكو» فقد احتفظ «حتى» بمكانته المرموقة في حقل الدراسات العربية ولعل علاقته بأرامكو قد توثقت عقب تمويلها لإنشاء قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون، وكُرم «حتى» مرارًا من الحكومة اللبنانية، وقد تزوج «فيليب حتى» بـ«ماري جورج» وهي من أصول لبنانية في عام 1931 وأنجب ثلاثة أبناء وكانت زوجته باحثة ومترجمة وتوفيت في عام 1971.

 

وترك «فيليب حتى» إرثًا كبيرًا من الكتب والمقالات والمراجعات البحثية ومن أهم كتبه تاريخ العرب وصدر للمرة الأولى في عام 1937 وصدرت منه أكثر من عشر طبعات بالإنجليزية وتُرجم إلى مختلف اللغات وظهرت ترجمته العربية للمرة الأولى في عام 1946، وقد عرض فيه لتاريخ العرب القديم وحتى القرن العشرين وأفرد بابًا عن العصر العثماني والمؤثرات الغربية وهو على حد قول الراحل الكريم أحمد عبد الرحيم مصطفى لا ينسجم مع بقية أبواب الكتاب من حيث العمق والتوازن وقد أقحم فيه دراسة عن الإمام محمد عبده دون غيره من رواد النهضة العربية ربما لاعتباره في نظر الدارسين الغربيين نموذجًا لما سمّوه «الليبرالية الإسلامية» آنذاك.

 

وكان نهج «حتى» التاريخي موضع انتقاد من قبل البعض لأنه فضلًا عن بعض الأخطاء التاريخية والجغرافية، اعتمد في كثير من الأحيان على بعض المصادر المنحازة ضد العرب والإسلام مثل كتاب ابن العبري «تاريخ مختصر الدول»، وجعل من بين مراجعه المعتمدة كتاب «ألف ليلة وليلة» وكتاب «الأغاني»، كما أنه ردد وجهات نظر بعض المستشرقين في كثير من الأحوال دون تمحيص مثل «هنري لامانس» (1862-1937)، كما أنه لم يتجنّب الوقوع في براثن التعصب في عرضه لتاريخ بلاد الشام، ومما له دلالته أن الكتاب طُبع منه خمسون ألف نسخة وُزعت على الجيش الأمريكي، وهو بالطبع مؤشر واضح على مدى ما تركه الكتاب من أثر، بل إنه رسم صورة للعرب وتاريخهم استقرت في مخيلة قطاع كبير من الرأي العام الأمريكي.

 

ومن أعماله الأخرى كتاب «لبنان في التاريخ» في عام 1957 وعرض فيه بعمق لتاريخ لبنان ودور الموارنة في السياسة والثقافة اللبنانية، وكتاب «الإسلام والغرب» في عام 1962 و«صانعو تاريخ العرب» في عام 1968 و«الإسلام طريق حياة» في عام 1970 ولم يكن «حتى» منعزلًا عن وطنه، فكتب عن الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عام 1975، موضحًا الأسباب والجذور لتلك الحرب، وكاشفًا بذلك عن معرفة وثيقة بالتاريخ والشأن السياسي والاجتماعي في لبنان، لا سيما أثر الحقبة الاستعمارية التي مزّقت أوصال المجتمع وتركته فريسة للصراعات العرقية والإثنية.

 

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية شدد «حتى» على الجذور التاريخية والثقافية، مؤكدًا أن الصراع ممتد من وقت طويل وتأثر مع الوقت بالجوانب الدينية والسياسية والثقافية، كما نوه بدور الاستعمار في تأجيج هذا الصراع وسياساته في رسم الحدود التي أدت إلى عدم الاستقرار في المنطقة، وأوضح أن الحل النهائي للقضية يتطلب المزيد من الحوار بسبب التعقيدات التاريخية والثقافية، وأن المجتمع الدولي هو المسؤول عن إيجاد حل عادل ودائم، وفي كتابه تاريخ العرب عرض «حتى» لأثر الحركة الصهيونية على العالم العربي وأضاف أنها ظاهرة أوروبية بالأساس وارتكزت على ذهنية استيطانية، وأعرب عن اعتقاده بأن الادعاءات الصهيونية في فلسطين هي قراءة زائفة للتاريخ ومن ثم فإن المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري ألحق ضررًا كبيرًا بالعالم العربي وأفضى إلى هجرة آلاف الفلسطينيين من أرضهم، مؤكدًا على رفضه للهجرات الاستيطانية اليهودية إلى فلسطين، وقد شارك «حتى» في عام 1918 في مظاهرة رافضة للصهيونية نظمها 500 سوري ببروكلين، في مدينة نيويورك، وكانت هناك محاولات من جانب المهاجرين السوريين لإقناع الرئيس الأمريكي «ويلسون» (1856-1924) برفض المشروع الصهيوني في فلسطين وانتداب الولايات المتحدة وحدها على سوريا لكن تلك المحاولات انتهت بالفشل، فالرئيس الأمريكي كان داعمًا للصهيونية ومؤيدًا لوعد بلفور منذ البداية، ورغم تقاعده في عام 1954 استمر «حتى» في انتقاده للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل على نحو ما فعل في رسائله إلى وزير الخارجية «جون فوستر دالاس» في عام 1956 «ووليم روجر» في عام 1969 ووصف إسرائيل بأنها ذيل الولايات المتحدة.

 

وقد أدلى «حتى» بشهادته عن القضية الفلسطينية أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس في عام 1944 وفي حين أبدى حماسته وتعاطفه مع اليهود الأوروبيين، فقد لام النظام النازي المتسبب في المشكلة اليهودية التي ليس للفلسطينيين العرب والمسلمين أي يد فيها، وليس من العدالة إنشاء كومونولث يهودي على حساب العرب في فلسطين، بل إنه لم يتردد في لوم الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تجدد من سياستها في قضية الهجرة وكان بوسعها استقبال الملايين من اللاجئين في أريزونا أو تكساس وذكر أن العرب من أصول كنعانية وكانوا في فلسطين قبل وجود العبرانيين بها، وكرر «حتى» نفس الشهادة أمام اللجنة البريطانية الأمريكية في عام 1946، وتسبب ذلك في صراعات له بجامعة برنستون فكان صدامه مع «ألبرت أينشتاين» (1879-1955) المؤيد للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين وبدأ العداء عندما حضر «حتى» مؤتمر نظمته الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في مايو من عام 1945 بوصفه مستشارًا للوفد العراقي وبعد مرور فترة طويلة تحدث «أينشتاين» في لقاء مع طلاب جامعة برنستون في مارس من عام 1946 ووصف «حتى» بأنه عميل للدول العربية وشركات البترول، ورد «حتى» بخطاب احتجاج وعاد «أينشتاين»، معلنًا أن هناك سوء فهم لحديثه وأنكر ما سبق، وربما كان «حتى» أول من اتهم أينشتاين صراحة ووصفه بـ«الصهيوني الأعمى» آنذاك.

 

ويعد «حتى» من أوائل المؤرخين الذين عرضوا لقضية المهاجرين العرب إلى الولايات المتحدة وصدر كتابه الأول في هذا الصدد بعنوان «السوريون في أمريكا» في عام 1924 وظل كتابه هو المرجعية في هذا الشأن لفترة طويلة، ومن الجوانب الإشكالية التي تناولها بعض دارسي «حتى» هي نظرته لنفسه، معتبرًا أنه ليس عربيًا وذهب إلى أن المسيحيين السوريين لهم كيان وجذور مستقلة عن العرب وانحدروا من عصور سحيقة.

 

ويمكن القول بأنه رغم عدم اشتغال «حتى» بالعمل السياسي مباشرة فإن أعماله وكتاباته كانت هي المراجع الكلاسيكية المعتمدة لدى أغلب الجامعات الغربية وشكلت وعي القارئ الغربي ووجدانه في نظرته لقضايا وتاريخ العالم العربي لفترة طويلة كما تركت صدى كبيرًا على بدايات الاستشراق الأمريكي واتجاهاته.

 

وكان إلى جوار «حتى» من المؤسسين أيضًا للدراسات العربية «نبيه أمين فارس» (1906-1968) وهو من أصول لبنانية وهو كاتب ورحالة وقد حصل على الدكتوراه في عام 1935 بإشراف فيليب حتى وظل في برنستون، كما عمل مع قسم المعلومات الحربية في نيويورك وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عمل بالجامعة الأمريكية ببيروت وحتى وفاته، وكذلك «إيليا حريق» (1934-2010) وهو من جذور فلسطينية ومن أبرز دارسي العلوم السياسية في الولايات المتحدة بجامعة تكساس ودراساته معنية بتحولات الدين والسياسة في الشرق الأوسط ومنهم أيضًا «عزيز سوريال عطية» (1898-1988) وهو من جذور مصرية وعمل مديرًا لمعهد الدراسات القبطية بالقاهرة وأستاذًا للعصور الوسطى بجامعة الإسكندرية قبل هجرته إلى الولايات المتحدة وله دراسات مهمة عن الحروب الصليبية، ورائد التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط «شارل عيسوي» (1916-2000) وكان مديرًا لمعهد دراسات الشرق الأدنى بجامعة كولومبيا، وكان «حتى» عضوًا بكثير من الجمعيات والمنظمات الخيرية، خاصة في قطاع التعليم وقدم الكثير من المنح للطلاب اللبنانيين الراغبين في الالتحاق بحقل الدراسات العربية في الولايات المتحدة وأوراقه الخاصة محفوظة اليوم بجامعة منيسوتا.

 

ومع التطورات السياسية في النصف الأخير من القرن العشرين، خاصة الحرب الباردة وما تلاها لم يعد حقل الدراسات العربية في الولايات المتحدة مقصورًا على الدراسات اللغوية والتاريخ والأنثروبولوجيا، بل صار هناك اهتمام متزايد بالدراسات الأمنية والاستراتيجية وما سُمي الإسلام السياسي حتى إن المؤرخ المعروف «رشيد خالدي» كتب مقالًا في دورية الدراسات الفلسطينية في عام 2006 انتقد فيه ما سُمي «عسكرة الدراسات الشرق أوسطية»، مطالبًا بتكريس الجهود للدراسات الثقافية في المقام الأول والتخلص من براثن المركزية الأوروبية وأدواتها.