عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

مراجعات

زكريا صادق الرفاعي

قوة محمد علي الناعمة في أوروبا

2026.08.29

قوة محمد علي الناعمة في أوروبا

 

شخصية جدلية

 يعدّ هذا الكتاب الصادر حديثًا للدكتورة هالة غنيم من الأعمال الأكثر أهمية عن تجربة وعصر محمد علي، ويمكن القول دون تجاوز إنَّ الكتاب أضاء بالفعل زوايا جديدة من تلك التجربة الثرية، خاصة أنَّ محمد علي شخصية مثيرة للجدل ولا تخلو من التناقضات، وبحسب محاولة الراحل الكريم خالد عبد المحسن بدر القيِّمة، عن شخصية محمد علي في ضوء علم النفس السياسي، فإننا لا نعرف على وجه الدقة هل تلك التناقضات جزء أصيل من شخصيته أم أنها بسبب الكتابات التاريخية المتباينة عنه، فلا تخلو الروايات من إشارة إلى جرأته وقدرته على المغامرة، وعصاميته، واحتماله للشدائد، وطموحه الجامح، وفراسته في قراءة وجوه مَن حوله، وولعه الشديد بسير العظماء في التاريخ، وتنقله بين القسوة المفرطة والغدر، إلى السماحة واللين، وانفتاحه على الغرب، وتودده للقناصل الأجانب مع الاحتفاظ بهويته التركية، وربما أفضى به هذا التوهج الدائم في حله وترحاله ونمط حياته الحافلة إلى التَّعرّض للجنون في أخريات حياته، وقد جاوز السبعين عامًا.

ولعل في مقدمة الروايات المعاصرة له رواية المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر جانبًا من تجربة محمد علي، ووجه إليه انتقادات لاذعة وربما كانت سببًا في تأخر طباعة كتابه «عجائب الآثار» رغم شهرته إلى عهد الخديو توفيق، فوصفه الجبرتي بأنه «شاب مغرور جاهل وظالم غشوم.. كما أنَّ من طبعه الحقد والحسد والتطلع لما في أيدى الناس.. ومحبته موجهة إلى الذين لا يعارضونه ولو في جزئية، وإلى الذين يفتحون له أبواب الدراهم والدنانير».

ورغم تلك السلبيات، فإنَّ الجبرتي لم ينكر مزايا محمد علي، فقال بنبرة من التمني: «فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير لكان أعجوبة زمانه»، وبالمقابل لدينا رواية أخرى معاصرة أيضًا بطلها الشيخ خليل الرجبي، الذي أخرج كتاب «سيرة الوزير محمد علي باشا» بتكليف من شيخ الأزهر، فكال له المديح والثناء فهو «صاحب الهمة الكسروية، والأخلاق الجميلة البهية، وأنه المحمود صنعه لدى كل إنسان». ومن ثم فإننا على حد قول المؤرخة الكبيرة عفاف لطفي السيد: «لا نملك سجلًا محايدًا إزاء تجربة محمد علي».

 

فن البورتريه والسياسة

ومؤلفة الكتاب الذي نعرض له مختصة في تاريخ الفن والثقافة البصرية، والدراسة بالأساس كانت أطروحتها للدكتوراه من جامعة مالبورج الألمانية، وموضوع الكتاب ونهجه جسَّدا بامتياز فكرة التكامل بين الدراسات البينية التي ستشكِّل مستقبل العلوم الإنسانية برمتها في المستقبل المنظور وصارت هناك مؤسسات معنية بدراسات «التاريخ الرقمي» كحقل معرفي واعد، ورغم ندرة الدراسات السابقة، فقد سعت الباحثة عبر فحص طبقات الزمن وما خلَّفه الرحالة والمستشرقون للوقوف على الصورة التي أرادها محمد علي لنفسه وحرص على ترسيخها لتكون شائعة لدى العقل الجمعي بين العامة والخاصة في الداخل والخارج ومجسِّدةً لحضوره التاريخي.

ورصدت الدراسة ما أسمتها الباحثة بجذور «الأيقونوجرافيا السلطوية» بصورتها الحديثة في العالم العربي، معتبرة أنَّ تجربة محمد علي قد تركت أثرًا باقيًا وممتدًا على الدولة المصرية والمجتمع المصري، وبالتأكيد لم يغب عن فطنة الباشا المغامر منذ البداية أنَّه صار في سدة الحكم في مصر، أرض الرموز والإشارات الموحية والناطقة في بناء علاقات القوة والسلطة منذ فجر التاريخ.

وقد نوهت الباحثة إلى وعي محمد علي التام للظروف المحلية في مصر والأوضاع الدولية المحيطة، لا سيما الولع الأوروبي تجاه مصر فيما عرف بظاهرة «الآيجبتومانيا»، والتي زادت وتيرتها منذ الحملة الفرنسية على مصر فبدت صورته في الداخل أكثر محافظة ومراعاة للثقافة التقليدية، وهذا هو المسار الأول من سياسته البصرية، بينما في المسار الثاني خاطب الأوروبيين بلغة بصرية مألوفة لديهم خاصة من قبل أعمال المستشرقين لتكون بمثابة رسائل من نوع خاص هي «الدبلوماسية البصرية».

في المقدمة أشارت المؤلفة إلى وجود عدد من الصور المنشورة بالصحافة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، في مناسبات ثقافية وفنية برعاية الدولة، وقد جسدت تلك الصور طبيعة السلطة السائدة، وضربت مثلًا بالصورة المنشورة في 18 فبراير من عام 1949 بمجلة «المصور» وقد بدت فيها إمبراطورة إيران السابقة (الأميرة) فوزية فؤاد وشقيقتها الأميرة فايزة بصحبة شقيقهما الملك فاروق وهم يستمعون في إنصات للمؤرخ محمد شفيق غربال في افتتاح المتحف القومي، وقد بدت في خلفية المشهد صورة الآباء المؤسسين.

وأضافت الباحثة أنَّ خلفاء محمد علي قد تلقوا تعليمًا غريبًا، ومن ثم كانوا على وعي تام بآليات استخدام الدعاية البصرية في أوروبا، كما يجب ألا ننسى في هذا الصدد مشروع أرشيف قصر عابدين، وقد سعى الملك فؤاد من خلاله للتأريخ الرسمي للأسرة الحاكمة، ورسَّخ من خلاله فكرة «المؤسس» لجده محمد علي ثم «المجدد» لوالده الخديو إسماعيل، كما رعى الملك فؤاد «جمعية محبي الفنون الجميلة» التي تأسست رسميًّا في مايو من عام 1922.

 

وقد تضمَّن الكتاب، فضلًا عن المقدمة والخاتمة، ثمانية فصول والكثير من الصور والرسوم، واستهلت الباحثة حديثها في المقدِّمة عن الأب المؤسس بين التاريخ والفن والوجوه التي بدا عليها محمد علي.

وعرض الفصل الأول لجسد للباشا والنمط الرسمي المعبِّر عنه، وحمل الفصل الثاني عنوان «الوجه المعزز.. سيرة محمد علي بين الحقائق والأساطير».

وعالج الفصل الثالث «الحديث عن الباشا والأسطى والخواجة.. الحرفيون والفنانون في عهد محمد علي».

وكان عنوان الفصل الرابع هو» من فرساي لشبرا.. عمارة الباشا والمشهد الحضري».

واختصت الفصول الأخيرة بالحديث عن صورة الباشا في أعمال المستشرقين وكيف أثرت بورتريهات الباشا في الرأي العام الأوروبي، وكيفية فهمها في ضوء مقولات إدوارد سعيد عن الاستشراق.

ونوهت الباحثة بوضوح إلى أنَّ الدراسة ليست تأريخًا تقليديًّا لتجربة وسياسات محمد علي، وإنما سعت بالدرجة الأولى لسد فجوة معرفية وحقل معرفي لم يحظَ بالدراسات الموسعة حوله وهى الدبلوماسية البصرية والسياسات الثقافية وموقف الباشا من الفن والفنانين كأداة في علاقاته الخارجية، ومن ثم فالدراسة في هذا السياق جديدة وموحية، كما اعتمدت الدراسة على مصادر كثيرة ومتنوعة.

وبلغ عدد البورتريهات التي تمَّت دراستها 220، إلى جانب المجموعات التي تضمنها كتاب جاستون فيت (1887-1971) عن محمد علي والفنون الجميلة، وهو من الكتب النادرة، إضافة إلى كتابات الفنانين والرحالة والصحف والدوريات والمجموعات الفنية في قصر عابدين، والمتحف المصري للفن، والمتحف البريطاني، ومتحف اللوفر وفرساي، والمكتبة الوطنية الفرنسية وغيرها.

 

صناعة الذات

شدَّدت الدراسة على أنَّ محمد علي رغم أميته كان قادرًا على التعلم باستمرار من خلال تواصله الدائم مع القناصل الأجانب والرحالة، لا سيما مع النشاط المتزايد للسفن البخارية منذ عام 1840 ووفود الكثير من الكتاب والساسة والفنانون والمغامرون المتزايد إلى مصر، وكان الباشا دائمًا مرحِّبًا بهم ويسمع منهم بشغف عن المستجدات في السياسات الأوروبية، علاوة على ما كان يترجَم له من صحف وكتابات إلى التركية، وكثيرًا ما حرص على أنْ تقرن سيرته مع كبار القادة والمصلحين، وربما طعم سيرته بعناصر منها مثل الإسكندر، ونابليون، وبطرس الأكبر، وقد بدا ذلك بوضوح في كتابات وترجمات رفاعة الطهطاوي باعتباره الوجه الفكري لحقبة محمد علي.

وبدأت في تلك الفترة على استحياء فكرة الفصل بين تاريخ مصر ما قبل محمد علي، وما بعده، فوسم تاريخ مصر قبل الباشا بالفوضى السياسية والطغيان حتى جاء محمد علي وانتشلها من تلك الفوضى، وتجسَّد ذلك في كتابات خليل الرجبي ورفاعة الطهطاوي، واعتبر جومار، المستشار التعليمي للباشا أنَّ مصر قد دخلت في ظلام تام منذ مجيء العثمانيين، وسوف يعاد إنتاج تلك المقولات على نطاق أوسع في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في أعمال جورج زيدان ومحمد شفيق غربال.

واعتمادًا على ما ذهبت إليه فاتن كنفاني في دراستها المهمة عن الفن المصري الحديث والهوية، فإنَّ محمد علي قد وظَّف الصورة بوضوح لخدمة أهدافه السياسية والدعائية، بل أكدت أنَّه أول مَن استدعى الفنانين الأوروبيين للقدوم إلى مصر لتصويره، وفى محاولة لفرض وجوده أمام العامة أمر بتعليق صوره في ميادين وشوارع القاهرة إلى جانب تماثيله باعتباره فرعون القرن التاسع عشر، ولاحقًا وصف الراحل العظيم جمال حمدان، محمد علي بأنه «آخر المماليك العظام وأول الفراعين الجدد.. وطبق نظامًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا هو مزيج من الفرعونية والمملوكية ليصبح بالتالي نسخة جديدة من الطغيان الشرقي وعلمًا حديثًا على الأوتوقراطية المطلقة».

ولم يغب عن بال محمد علي أنَّ حملة نابليون على مصر كان بها العديد من الفنانين مثل دومنيك فيفان، ودينون، وغيرهما، ولعبوا دورًا فعالًا للدعاية للحملة العسكرية وبذلوا محاولات لإضفاء الشرعية عليها وبث صورة للعبقرية العسكرية لنابليون في الوعى الأوروبي.

ومن جهة أخرى فإنَّ فكرة استدعاء الفنانين للبلاط الحاكم كانت فيما يبدو طقسًا شائعًا في الدولة العثمانية منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر حيث استدعى البعض الفنانين من فلورنسا ليقوموا برسم بورتريهات لهم، ونوهت المؤلفة إلى أنَّ محمد علي كان في كثير من الأحيان مشاركًا بترتيب المشاهد ولفت انتباه زواره إلى زوايا وجوانب بعينها، وربما بعكس الاعتقاد الشائع بأنَّ محمد علي لم يكن مهتمًا برعاية الفن، فإنَّ الشواهد التاريخية من يوميات الرحالة والفنانين الذين زاروا مصر في النصف الأول من القرن التاسع أثبتت أنَّ الرجل رغم مشروعاته الكبيرة كان راعيًا للفنون، بل كانت من أدوات القوة الناعمة التي اعتمد عليها في سعيه الحثيث لاعتراف القوى الغربية باستقلاله وإسباغ الشرعية على حكمه، خاصة بعد تراجع صورته لدى الرأي العام الأوروبي عقب مشاركته في «حرب المورة» في عام 1821 ووقوفه إلى جانب السلطان العثماني، وقد جسد الفنان «دلاكروا» في لوحتين ما دعاه بمذابح جيش محمد علي في اليونان في موقعة مسيولونجى بقيادة ابنه إبراهيم باشا، فثار عليه الرأي العام في فرنسا ووصفوه  بالبربرية والتعطش للدماء، وأوضحت الكثير من الكتابات المعاصرة للباشا أنَّه قد وضع القواعد عن الكيفية التي يجب أنْ يكون عليها البورتريه الخاص به في نهاية المطاف، كما حرص دومًا على وصفه بباعث نهضة مصر على الميداليات التي صبت في فرنسا لغرض إهدائها لكبار الشخصيات في الداخل والخارج.

ورأى البعض أنَّ كثيرًا من المستشرقين وفدوا إلى مصر لرسم مصرهم هم كما تخيلوها من قبل، وكما تمثلوها من كتاب «ألف ليلة وليلة»، فاهتموا بالشوارع والأسواق الصحراء والنيل والمساجد، وربما كانت على حدِّ قول الباحثة نهجًا جديدًا للتاريخ مرسومًا، بل إنَّ الكثيرين ظلوا يمارسون عملهم لسنوات طويلة عقب عودتهم بفضل ما احتفظوا به من اسكتشات كثيرة عن مصر وأهلها مثل جون فردريك لويس.

ومن الأهمية بمكان أنْ نضيف ونشدِّد على أنَّ الآثار المصرية كانت في كثير من الأحوال مجرد وسيلة وورقة في المساومات الدبلوماسية بين الباشا والدول الأوروبية، فمنح في إحدى المرات صديقه القديم الجنرال سدنى سميث، قلادة من الذهب عثر عليها في كانوب، وحذا حذوه وزيره يوسف بوغوص، فأرسل بعض القطع الأثرية هدية لبلاط النمسا، كما غضَّ محمد علي الطرف عن تجاوزات بعض القناصل الصارخة في تهريب ونقل الآثار المصرية  لأوروبا مثل سولت ودروفتي، وكانت الطامة الكبرى على حدِّ قول البعض هو محاولات هدم الهرم الأكبر من أجل بناء أحد السدود في عام 1836، وكتب القنصل الفرنسي، ميمو، خطابًا مطولًا لمحمد علي يحذِّره من مغبة هذا العمل الذي سينال من اسمه وسمعته في أوروبا، حيث كان ينظَر إليه أنه باعث مجد مصر القديمة ومذكرًا بأن كل المحاولات السابقة انتهت بالفشل وربما تراجع الباشا بعدما علم أنَّ الميزانية المخصَّصة للمشروع قد فاقت تكلفتها كل التوقعات.

ومن القضايا الإشكالية المهمة ما طرحته المؤلفة استنادًا إلى دوريس بهرنيس أبو سيف، وهي من المختصين في الفن الإسلامي، وهو التساؤل عن مدى تأثير بورترهات محمد علي، وما إذا كانت قد ظلت حبيسة قصوره أو لدى قصور الصفوة والقناصل الأجانب أو المعارض الفنية خارج مصر على الفن المحلى والثقافة الشخصية، ولا نعرف على وجه الدقة عزوف محمد علي عن استخدام الفنانين المصريين، وربما كان فن البورتريه أكثر توافقًا مع ثقافة النخبة من كبار رجال الدولة والدبلوماسيين، ومن المؤكد أنَّ الباشا ذا الثقافة العثمانية لم يخف عليه عواقب تحدي الثقافة المحلية والخروج عليها، ومن المؤكد أنَّه كان مدركًا لما حدث لمجموعة بورتريهات السلطان سليم الثالث (1761-1808) حيث حطمها خلفه السلطان مصطفى الرابع (1779-1808) والمحافظون من الانكشارية بعد أنْ استصدروا فتوى من شيخ الإسلام ضد إصلاحاته.

ويذكر أنَّ جيرار دو نرفال ومكسيم دوكان من أوائل المستشرقين الذين وفدوا على مصر واستخدموا التصوير الشمسي في مصر، ولكن محمد علي رفض تصويره في عام 1839 وقد بلغ السبعين عامًا لتظل لوحاته المفعمة بالقوة والحيوية والهيبة هي السائدة في العقل الجمعي.

ويمكن القول في نهاية المطاف إنَّ هذه الدراسة قد أثبتت أنَّ الدراسات البينية قد مثلت إضافةً نوعيةً مهمةً لتاريخ مصر الحديث والمعاصر.