عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

كارولين كامل

لا مؤاخذة.. الأسرة المصرية!

2026.04.25

لا مؤاخذة.. الأسرة المصرية!

 

«كل الأسر السعيدة تتشابه، لكن كل أسرة تعيسة فريدة في تعاستها».

السطر الأول من رواية «آنا كارنينا» للكاتب الروسي ليو تولستوي، ترجمة سامي الدروبي، واحد من أهم النصوص الأدبية، والتي استلهمت منها السينما المصرية الفيلم العربي «نهر الحب»، بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف وزكي رستم.

سأبدأ بالحديث عن ذاتي، لم تكن نشأتي وطفولتي في أسرة مثالية، وحتى الآن تُمزِّقنا الخلافات والنزاعات واختلاف الآراء في شتى المجالات، ولكن عند المصيبة يهب الجميع على قدر المستطاع، وتجمعنا مائدة طعام واحدة على فترات وفقًا لجدول الحياة، وبالطبع في الأعياد كافة يشارك كل منا في استمرار طقوسنا الاحتفالية.

كوب شاي العصاري مع المناوشات، خاصة عندما نفتح صناديق الذكريات معًا، وغيرها من الممارسات الأسرية الحميمية، والتي لا تخلو من استحضار مرارة الماضي، وانعكاسها على الحاضر، ولا أمل في زوالها مستقبلًا، ولكنها بالتأكيد لن تحول دون استمرار تماسك هذه الوحدة المسماة بـ«الأسرة»، قدر طاقة كل منا.

لا ألوم أي إنسان يحاول تقديم صورة مثالية لحياته أو لأسرته، مهما اختلفت الأسباب، فلكل منا الحقُّ في تقديم ما يراه مناسبًا عن ذاته، وبالتأكيد لا يمنع ذلك من وجود تلك الأسر المثالية التي تصلح قصتها لمسلسلات رمضان، ولكن لا يمكن التعامل معها باعتبارها السائد، لأنَّ المثالية لم تكن يومًا هي الأصل في الأشياء.

 

لا داعي للذعر!

من نصِّ المادة ٥٣ من الدستور المصري: «المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة»، وفي المادة ٥٤ يستفيض في معنى الحرية الشخصية، ويقول نصًّا: «حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمَس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق».

نصوص الدستور واضحة ولا لبس فيها وليست في حاجة إلى فقيه لغوي لشرحها أو تفسيرها، فحياة الإنسان الفرد وحريته هي الغاية المصونة، والغرض من سَنِّ القوانين هو حماية هذه الحرية، مع الالتزام التام بألا تتناقض هذه التشريعات مع نصِّ الدستور ذاته، وليس لأنَّ مصر حالة فريدة، وإنما هكذا عُرف العقد والتعاقد الدستوري بين الدول ومواطنيها.

 «انطلاقًا من غيرتها على إنفاذ القانون في القضايا الماسة بقيم ومبادئ مجتمعنا المعتدى عليها».. هذه الجملة الرنانة من مرافعة النيابة العامة في القضية رقم ١٩ لسنة ٢٠٢٥ جنح شؤون اقتصادية المعروفة إعلاميًا بـ«سوزي الأردنية»، التي لم يثبت عليها جريمة غسل الأموال كما ادعى البعض، حتى عثروا لها على ضحية لا وجود مادي لها، وإنما هي كيان معنوي أسموه «الأسرة المصرية»،

لم يعد الفرد هو الوحدة الأساسية التي يتكوَّن منها المجتمع، بل هذه الوحدة «الأسرة المصرية» صارت أشبه بكائن هش تُسَخَّر له القوانين لحمايته، وتحوَّلت من عنوان للمستقر والرعاية إلى سجن يحرس مفهوم وشعارات الفضيلة والقيم المثالية، وليست بالضرورة توافرها في سلوكيات أفرادها، ولكنها سيف ترهيب لكل مَن تسول له نفسه أنْ يمارس حريته الفردية التي كفلها له دستور البلد.

للحقِّ، فإنَّ صياغة الكثير من نصوص الدستور المصري تقدمية ولا غبار عليها، كما في نصِّ المادة ٦٥ التي تقول: «تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر».

 «اسمع كلامك أصدقك.. أشوف أمورك استعجب».. هكذا جرى العُرف في بلادنا، لم يعد الإنسان الفرد وبذاته هو المعني بأي شكل من الأشكال، فلا وجود للفردانية لأنَّ المجتمع المحافظ المتدين يرتعب من أدنى إشارة إلى الفرد وحريته، لأنَّه يختزل تلك الحرية في ممارسة واحدة وهي الفرار من الدين، أليس هذا أدعى للبحث عن أسباب هذه الرغبة المستعرة التي تتصورها المؤسسات الدينية لدى أفرادها، عوض التضييق عليهم وحبسهم داخل المسجد والكنيسة!

الأديب الروسي دوستويفسكي في روايته أو لنقل سرده لسنوات نفيه وسجنه السياسي في سيبيريا بعنوان «ذكريات من منزل الأموات»، والتي نُشرت لأول مرة عام ١٨٦٠ وصدرت باللغة العربية في ترجمة لسامي الدروبي، استخدم السجن والسجناء والسجّان كمرآة للمجتمع؛ لقياس وفهم سلوكيات الشعب الروسي خاصة تحت القمع، يقول: «إذا أريد إهلاك إنسان.. وسحقه سحقًا شديدًا.. يكفي أنْ تضفي على عمله صفة عدم الجدوى تمامًا.. لا.. بل العبثية».

استخدم دوستويفسكي السجن رمزًا لغياب الحرية، موضحًا أنَّ هذا القيد الجماعي يُفجِّر أسوأ ما في الإنسان، إلا أنَّه يكشف بوضوح أيضًا عن الرابطة غير المنطوقة التي تنشأ ببطء بين السجناء مع اختلاف جرائمهم وعقوباتهم، وهي الرغبة في الانعتاق والحرية.

المثير للدهشة أنَّ مجتمعنا في حالة سعار ومبالغة في التشبث برجعيته، وتتعالى الأصوات أنَّ الأمان الأخلاقي ليس في المزيد من التحضر والوعي، بل في ظل بقاء الأنظمة البوليسية، ودعمها وتشجيعها على ممارسة المزيد من القمع، دون سند قانوني، أو بممارسات تتناقض مع نصوص الدستور.

المجتمع الذي يقطع أشواطًا ليحُول دون أنْ يجد الفرد أمانه في ممارسة الحرية التي كفلها له الدستور، ومن جهته ينتعش النظام البوليسي مطمئنًا المجتمع بأنه حريص على حبس الفرد معنويًّا من جهة، وتشييد السجون والتباهي بها من جهة أخرى، مؤكدًا عزمه وجديته في تقييد الحريات.

لا يُجدي - على الأقل حتى الآن - إجراء نقاش مجتمعي في مصر يتعلق بالحريات منفصلًا بشكل تام عن الدين، أو نصوصه التي يفسرها رجال الدين سواء ضمن المؤسسات أو خارجها، وتستمد منها القوانين أحكامها، وبالتالي حتى نصل إلى تلك الدولة المدنية؛ حيث الدين اعتناق وممارسة هو شأن شخصي بحت وليس بالوراثة، فلنفتش في النصوص الدينية ما يمكن به مناقشة الرأي العام.

 «فإن الجنة تحت رجليها» نصُّ الحديث الشريف الذي يتم تداوله شعبيًّا «الجنة تحت أقدام الأمهات»، المكانة الرفيعة التي يتشدق بها المجتمع كافة، خاصة أنها منسوبة إلى الرسول ذاته.

الأم لفظة مجردة، ولكنها مرتبطة بكل ما هو حميمي وعميق، فالوطن هو الأم التي يحنُّ إليها الإنسان مهما ابتعد، واللغة التي يكتسبها منذ مولده تُسمى بـ«لغته الأم»، والنداء العفوي عند الشعور بالألم والخوف والحزن هو «ماما»، هي العذراء مريم أيقونة الأمومة لدى معتنقي الإسلام والمسيحية على السواء، هي الجدة التي تدلل الأحفاد ويُفتقد طهيها بعد رحيلها.

كم تبدو هذه الرموز والدلالات مهيبة، ما دامت الأنثى تؤدي دورها المنتظر منها بيولوجيًّا واجتماعيًّا، الدور الذي تعزِّزه قيم المجتمع المتدين المحافظ الذي يسور على حرية الفرد بشكل عام، والنساء بشكل خاص، ولكن حتى تصل الأنثى إلى تلك المحطة ألم تكن هي ذاتها طفلة وابنة ومراهقة ثم امرأة بالغة قبل أنْ تصير زوجة؟

 

ما شكل حياة هذه الأم طوال مراحل حياتها؟

يمكن تلخيصها سريعًا في العنف الممنهج الذي ترثه بالميلاد، بداية من جريمة تشويه الأعضاء التناسلية التي يسميها المصريون «ختان الإناث»، والتحرش والاغتصاب من قِبل رجال أسرتها حتى وإن كانت في الثالثة من عمرها، تحمل وهي طفلة أقل من الرابعة عشرة، ولكن يحول القانون والشرع دون مساعدتها وإنقاذ حياتها لأنَّ الإجهاض جريمة استنادًا إلى نصوص دينية، حتى صار الدين ذاته سجنًا ومؤسسة عقابية لا تفرق بين الجاني والضحية.

ذبح الفتيات على مرأى ومسمع، على أيدي رجال رفضن الارتباط بهم، قتل الزوجة الحامل بأربعين طعنة نافذة اضطر معها زوجها لاستخدام سكين آخر بعد أنْ كُسر نصل الأول، ويخفف القضاء من الحكم عليه ويصل به إلى خمس سنوات سجنًا لأنَّه مُعذب بما فيه الكفاية من فقدان زوجته وطفله اللذين قام بقتلهما عمدًا.

التضييق على مَن اخترن الهرب بحياتهن حتى وإن تخلين عن حقوقهن الشرعية كافة، ودفعهن إلى التخلص من حياتهن.

هذه هي الأم، هي الأنثى في مجتمع يكره النساء، ولكن يؤمن أفراده في الوقت ذاته بأنَّ أبواب الجنة تُفتح أمام الإنسان بتكريمها.

المجتمع الذي يتباهى بالقيود والسجون المعنوية والمادية، حيث تُناقِض مؤسساته نصَّ الدستور ومواده، المجتمع المتدين الذي يضع شعارات على الحوائط وتابلوهات في المحلات والمنازل، ديكورًا مخطوطًا كأقوال مأثورة تصلح للزينة ولكن غير قابلة للتطبيق.

المجتمع، الدين، ولا مؤاخذة.. الأسرة المصرية.

وللحديث بقية.