عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

ذخائر

محمد عبد الوهاب

من الذكر إلى الكبدة… ومن الكبدة إلى الشعر

2025.11.23

من الذكر إلى الكبدة… ومن الكبدة إلى الشعر

 

تقام في ضريح السيدة فاطمة النبوية حضرات للذكر [i] ، يجتمع إليها عباد الله المؤمنون يذكرون الله ويسبحون بحمده، وكنت أقصد إلى الضريح في المواسم الدينية فأتوسط مجالس الذكر، وأتلو الأناشيد بين الذاكرين ما كان يقع موقع الرضا من نفسي والقبول من الإخوان، نحن الآن في إحدى ليالي عام 1927 يحتوينا مسجد السيدة فاطمة النبوية والحضرة الحاشدة بالمؤمنين ومجلس الذكر حافل حاشد، وأنا قائم بينهم أنشد ممتدحًا في سيد الخلق ورسول رب العالمين، إلى أن آذننا مقدم الليل باختتام ما نحن فيه...

وخرجت أتأبط ذراع الصديق أحد رامي، وبدلًا من أن نسير في طريق منازلنا، اقترح زميلي أن نعطف على منزل صديق للطرفين هو المرحوم محمود مرجان الكائن بحي السيدة سكينة، ومرجان أفندي هذا عليه رحمة الله كان من إخوان الصفاء، فلم يكن يهدأ له بال أو يقر له قرار إلا إذا كانت في حضرته الزجاجة مليئة بابنة الحان، وحولها الكؤوس يتَناوَلَها في رفقة من أخدان، وإخوان يركن إليهم، ويلذ مجلسه لهم.

ونزلت على رغبة رامي فسرنا في طريقنا إلى السيدة سكينة، وبمعنى أدق إلى مسكن الصديق مرجان، ها نحن نطرق بابه وهو يجلس في رهط من أصحابه، وها هو يحتضن قنينة الشراب فيتصرف فيها كما يشاء، ويصرف منها لمن شاء، وها هو مجلس الأنس منعقد كالعهد به، وهم يطالبونني بالغناء، وما يكاد رامي يلمح تلك المطالبة حتى يسارع بتناول العود فيسلمني إياه، وأخذت مجلسي وبدأت أغني بالرغم مما نالني من تعب ونصب في مجلس الذكر الذي سبقت الإشارة إليه، وأحس رامي ذلك فهمس في أذني مرددًا ذلك المثل التي يتخذه الخلان شعارًا لهم ودستورًا لمجالسهم: «قليل من الخمر يصلح المعدة».

وأنا لم أعتد الخمر بل لا أميل إلى تناولها، ولا أجد فيها غير إتلاف الصحة وإنهاك الأعصاب، إلا أن الأخ رامي ومن ظَاهَرَه من الخلان راحوا يثبتون لي أن ضررها في الإكثار منها، أما القليل فيؤخذ على سبيل الدواء، لست أقول هذا في مجال الدفاع عن موقف لي، ولكنني أصرح بأني قبلت ما أسدوه من نصح ورضيت أن أتناول كأسًا واحدة لا أثنيها، وعمد رامي إلى كأس فملأها وناولني إياها، ولما كان العود بين أحضاني والريشة في يميني، فقد وضعت الكأس جانبًا ورحت أتناول بين الفترة والأخرى شفطة في أثناء اندماجي في الغناء وعزف العود، ومر وقت طويل وأحسست أن الشفطات تكررت، والكأس ما زالت طافحة بما حوت! ما هذا؟ أكانت الخمر تنبع من ثنايا الكأس؟ أم كان جوفها يتسع لزجاجة كاملة، وأخذ الدواء يتلاعب برأسي، والدنيا تدور أمام عيني، ولساني يقف عن ترديد ما أشاء من حديث أو غناء، فكان ذلك إيذانًا بانتهاء السهرة وتفرق الأصحاب كل إلى حال سبيله، وهنا عرفت سر الكأس المسحورة، فإذا رامي عافاه الله كان يرقب تلك الكأس، فإن نقصت زادها من الزجاجة خفية، فأعادها سيرتها الأولى، وأنا لاهٍ عنه بما كنت فيه من عزف وغناء!

وغادرنا هذه «الأردغانة» أو منزل الصديق مرجان وأخذت ورامي نسير على غير هدى، فنناجي القمر ونتغزل في طوب الأرض والنجوم المتلألئة في كبد السماء، ونحادث أرصفة الشوارع وفوانيس الإضاءة، أحسست بالجوع يفتك بي، وكذلك أحس رامي، فأنبأني بأن له في تلك الساعة «رستوران» مختارًا يقصد إليه، فحمدت الله على أن يكون في هذا الحي الوطني وفي مثل تلك الساعة من الليل مطعم أستعيض به عن «سان جيمس» أو «أوبلك» أو «أركل» فقلت لصديقي: هيا ومِل بنا إلى مطعمك ذاك، فهذا أوانه.

وعرَّج بي رامي على «حوداية» في مفترق ثلاثة طرق، فإذا بنا أمام عربة يد وقف عندها الصديق يشرح لي أنها «ريستورانه» العتيد الذي يلجأ إليه ليَطعَم منه ما لذ وطاب من كبد وقلوب وكباب، ورحب صاحب المطعم النقالي بصديقي رامي أجلَّ ترحيب ولكنه اعتذر إليه كله الاعتذار، لأن ربنا سهل له الليلة «فجبر» ولم يبقَ عنده ولا حتة كبدة تسد الرمق، ولا قلب واحد يحن على مصارينا.

إذًا ما العمل والجوع يأخذ منا كل مأخذ، ولسنا نجد في ذلك الوقت المتأخر مطعمًا نهرع إليه؟ فأما أنا فقد رُضت نفسي على احتمال الجوع طيلة تلك الليلة، ولي في غاندي أسوة حسنة، فلأصبرن على ما نالني إلى أن يطالعني الصبح بخبر جديد، وأما رامي فلن تطاوعه شهيته على الانتظار!

ولكن ماذا يفعل والتشطيب ضارب أطنابه؟ وحتى عربات اليد وحملة لواء «بغيره» شطبوا هم الآخرون فأنى له ما يتقي به آلام الجوع؟ أخذنا نذرع فضاء الأرض فإذا بنا أمام باب مفتوح أكد لي رامي أنه مطعم فطائر، وأشار بأن نلج بابه ففعلنا في غير تلكؤ، ولم يكن المكان كما ظن رامي محلًّا للطعام، بل كان حمامًا! نعم كان حمامًا بلديًّا، وقد كان أول من لقينا فيه أحد المعلمين البلدي، وما هي إلا كلمة من هنا وأخرى من هناك، حتى كانت أواصر الصداقة بينه وبين رامي على أشدها، وقد ظن الرجل أننا حضرنا كما حضر هو للاستحمام!

وفيما نحن -رامي وأنا- نتبادل النظرات لإيجاد طريقة غير محسوسة نخرج بها من المكان كما دخلناه، وفد أخد صبيان الحمام وقال للمعلم المذكور: إن الفول المدمس والبيض وبقية أدوات الإفطار ستصل بعد قليل، وما كاد رامي يستمع إلى ذلك حتى جلس بجوار الرجل، وراح يلقي عليه محاضرة صحية في المضار التي تنشأ عن دخول الحمام عقب تناول الطعام! وعن فوائد الاستحمام والمعدة مستريحة خالية، ولم يترك رامي فريسته إلا بعد تمام الاقتناع بنظريته الطبية العميقة، وكانت النتيجة أن أقسم المعلم «مش عارف إيه» بالطلاق ثلاثًا ألا يأكل طيلة حياته لقمة واحدة قبل الاستحمام، وأعقب ذلك بخلع ملابسه ودخول الحمام توًّا! وما هي إلا دقائق حتى وصلت الصينية محملة بالفول المدمس والبيض المسلوق والسلطة التي يجري لها الريق، ولما كان الميدان قد خلا لرامي فقد هجم هجوم الجبابرة وأظهر شجاعة نادرة، حتى فتك بما أُعِد للمعلم من إفطار لذيذ، وترك الأطباق تتحدث بقدرته الخارقة على التنظيف والتنفيض، وخرجنا من تلك المأدبة إلى منزل رامي حيث وافاه شيطانه وتملكته غريزته الشعرية، وهبط عليه وحي النظم، فعمد إلى قلمه وقرطاس و«هات يا شعر».

هنا أبيح لنفسي أن أفشي سر المهنة وأظهر الناسَ على خليقة لرامي أعتقد أن أقرب المقربين إليه لا يعلمها حتى اليوم، ذلك أن رامي حين يعمد إلى نظم الشعر، لا يلجأ كغيره من عبيد الله الشعراء إلى مكتب يأوي إليه أو شيء يتكئ عليه، كلا، ولكنه ينبطح تحت السرير على أرض الغرفة بحيث يكون نصفه الأعلى بما فيه الرأس طبعًا مختفيًا، أما النصف الأسفل فظاهر للرائي، إذ تكون القدمان متجهتان إلى أعلى والساقان في حركة عكسية مستمرة، وكأنما مجدافا القارب!

فإذا استوى على هذا الوضع بدأ ينظم حسان فرائده ويكتب جياد قصائده، وأعود بعد ذلك إلى ما كان في الليلة التي نحن بصددها، دخلنا غرفة رامي، وهناك استلقيت على الكنبة، وأما هو فقد أسرع إلى أسفل سريره وفي يده القرطاس والقلم، وأعد نفسه حسب الشرع الذي أسلفته، وراح يكدح ذهنه في القريض، وبعد لحظة اقتحمت السيدة والدته باب الغرفة ورأته على حاله هذه، وهي حال تعودتها منه على الدوام، فرفعت يدها واتجهت ببصرها إلى السماء ودعت ربها في صوت يهدجه حنان الأم، ونبرات مَزيجة بكل ما في العطف من سامي المعنى وهي تقول: «إلهي يتوب عليك م الشعر يا أحمد يا ابني».

لم يتحرك رامي طبعًا، بل لعله لم يشعر بدخول أمه، وظل منهمكًا فيما هو فيه، أما أنا فلم تطاوعني نفسي على أن أتمم دعوات السيدة بالكلمة الخالدة «آمين»، بل فضلت الصمت وأنا أدعو الله سرًّا أن يخيب رجاء الأم في عملها هذا، وألا يستمع لدعائها الصادر عن قلب عطوف وصدر حنون، وفي هذا الوقت الذي تنفتح فيه أبواب السماء لدعوات الأمهات خشيت أن يكون لدعاء والدة رامي أثره فيتوب الله عليه من الشعر، ولكنني أحمده سبحانه على أن أجاب رجائي وقبل دعائي، فكسبنا نحن رامي وخسرته أمه!


[i] الحلقة الثانية عشرة، من مذكرات محمد عبد الوهاب، نشرت في العدد 206 من مجلة الاثنين بتاريخ 3 مايو 1938 تحت عنوان: «مذكرات مطرب الملوك الأستاذ محمد عبد الوهاب»، وعنوان الحلقة صيغ بتصرف من المحرر.