عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أشرف إبراهيم

من الفصل الدراسي إلى المصنع وصندوق الاقتراع: أوروبا على عتبة «الفصل الثالث».. هل تنضج انتفاضة الشباب إلى مواجهة طبقية شاملة؟

2026.10.31

من الفصل الدراسي إلى المصنع وصندوق الاقتراع:

أوروبا على عتبة «الفصل الثالث»

هل تنضج انتفاضة الشباب إلى مواجهة طبقية شاملة؟

 

ظهيرة السبت، الرابع والعشرين من أكتوبر، لم يُسمَح للمتظاهرين في باريس بالسير في طريقهم التاريخي بين ساحة الباستيل وساحة الأمة. ألغت السلطات المسارَ المتَّفقَ عليه في اللحظة الأخيرة، ودفعت الحشود إلى الأطراف الجنوبية الشرقية للعاصمة، من بورت دي إيطالي إلى بورت دي فانسين، وحظرت أي مظاهرة لا تنظِّمها النقابات، ونشرت أكثر من سبعين ألف شرطي ودركي في أنحاء البلاد، وأغلقت متحفَي «اللوفر» و«أورسيه» وأربعًا وعشرين محطة مترو. أرادت الدولة أنْ تجعل الحركة «غير مرئية»، كما قالت مونيكا، المعلمة المتقاعدة، لـ«الجزيرة الإنجليزية». لكن تغيير المسار جذب مزيدًا من الطلاب إلى الشارع، وارتفعت هتافات ضد المليارديرات وعن «الثورة المقبلة»، وهتاف «كلنا مناهضون للفاشية» الذي جاء من إيطاليا، ونادى بعضهم برحيل ماكرون.

بعد ساعات، وعلى بُعد ألفي كيلومتر، كان الآلاف يحتفلون في شوارع بلغراد بسقوط ألكسندر فوتشيتش أمام قائمة وُلدت من رحم حركة طلابية. وفي الثانية فجر اليوم نفسه، كانت شرطة لشبونة تقتحم بالهراوات والكلاب مخيمًا من أكثر من مائة خيمة نصبه المحتجون على أزمة السكن في ساحة روسيو.

ثلاثة مشاهد في أربع وعشرين ساعة تختصر أسبوعًا صارت فيه انتفاضة مراهقي فرنسا، التي تابعناها في مقالين سابقين، حالة أوروبية عامة، وصار السؤال المطروح أبعد من «ماذا يريد الطلاب؟». السؤال اليوم: إلى أين يمكن أنْ تذهب هذه الحركة، ومَن سيقطف ثمارها؟

 

أسبوع الأرقام الكبيرة

يوم السابع عشر من أكتوبر كان نقطة التحول. نزل إلى الشوارع 550 ألف متظاهر بحسب وزارة الداخلية الفرنسية، في واحد من أعنف أيام الاحتجاج منذ عقود، كما أوردت «الجزيرة» نقلًا عن وكالات الأنباء، فيما قدَّر المنظمون العدد بنحو 800 ألف. وأسفر اليوم عن نحو 2400 معتقل وقرابة ألف شرطي مصاب ونحو ثلاثة آلاف متجر متضرر أو منهوب، بحسب الحصيلة الرسمية التي نقلتها «ديزرت نيوز» عن «أسوشييتد برس». وفي ليموج التهمت النيران مبنى البلدية الذي يتجاوز عمره 140 عامًا.

ثم جاء ردُّ الدولة على مرحلتين.

الأولى قمعية: حظر المظاهرات غير النقابية، وإبعاد المسيرات عن مراكز المدن، واستدعاء جنود عملية «سانتينيل» لحراسة المباني الحكومية حتى يتفرَّغ رجال الشرطة لمواجهة الحشود.

ويوم 24 أكتوبر خرج 410 آلاف متظاهر بحسب الداخلية، وما يقارب ضعف هذا الرقم بحسب الكونفدرالية العامة للعمل (CGT)، واعتُقل 1314 شخصًا وفق ما نقلته وكالة «الأناضول» عبر «برناما».

وزير الداخلية لوران نونيز حمَّل «اليسار المتطرف» مسؤولية الفوضى، أما ماكرون فاقترح أنْ تجري المظاهرات خارج مراكز المدن «لتعود الحياة الطبيعية». يريد رئيس الجمهورية أنْ يتظاهر الفقراء بعيدًا عن واجهات الأغنياء.

المرحلة الثانية كانت التنازل. يوم 26 أكتوبر، وبعد أنْ اعترف ماكرون في مرسيليا بأنَّ قوات الأمن «لم تكن كافية» يوم 17 أكتوبر وبأنَّ فرنسا تحفظ النظام «دون حالة طوارئ»، التقى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ممثلي الحراك الثانوي، وأعلن حزمة إجراءات فصّلها موقع «ذا لوكال فرانس» نقلًا عن «وكالة الصحافة الفرنسية»: تعديل منصة «باركورسوب» لتوزيع المقاعد الجامعية في 2027 واستبدالها كليًّا في 2028، وسقف 28 طالبًا لفصول السنة الأولى الثانوية في مدارس المناطق المحرومة بدءًا من 2027 وفي كل المدارس في 2028، و500 وظيفة تدريس جديدة، وإلغاء خطة شطب 836 وظيفة تدريس، و1200 وظيفة في التعليم المهني، و200 وظيفة لممرضين وأخصائيِّين نفسيِّين واجتماعيِّين، وربط منح الطلاب الفقراء بالتضخم بتكلفة 100 مليون يورو، و15 ألف مقعد إضافي في التعليم المهني، ونحو 4 مليارات يورو لترميم المباني المدرسية.

قارنوا هذا بخطاب لوكورنو المتلفز في السابع من أكتوبر، الذي أعلن فيه «خمسة محاور عمل» للطلاب بلا رقم واحد، كما لاحظ موقع «إيكونومي ماتان». ثلاثة أسابيع من الإغلاقات والمسيرات والاعتقالات حوَّلت الوعود الغامضة إلى أرقام. هذا هو الدرس الأول، وهو درس قديم قِدم الحركة العمالية: ما لا تمنحه طاولات «الحوار» ينتزعه ميزان القوى في الشارع.

لكن فحص الأرقام عن قرب يكشف حدود التنازل. مليارات الترميم الأربعة قروضٌ للسلطات المحلية لا منح مباشرة. والخمسة عشر ألف مقعد مهني تقابلها مطالبة طلابية بمائتين وخمسين ألفًا. وتكلفة الحزمة كلها، نحو خمسة مليارات يورو بتقدير وزير المالية، ستُعوَّض «باقتطاعات في أماكن أخرى»، أي أنَّ الحكومة تأخذ من جيب العامل لتضع في جيب ابنه الطالب، داخل إطار خطة التقشف نفسها: ضغط الإنفاق بـ54 مليار يورو لخفض العجز من 5.4% إلى 5% من الناتج المحلي. لذلك وصفت سابرين كرباش، المتحدثة باسم الاتحاد الطلابي، المكاسب بأنَّها «ما زالت فتاتًا». ووفق ما أوردته جاكوبين، تتجاوز تكلفة خدمة الدين الفرنسي هذا العام ميزانية تشغيل وزارة التربية، وقفزت فائدة السندات العشرية الفرنسية إلى 5% في الأسبوع التالي لمظاهرات 17 أكتوبر. حكم الدائنين في أسواق السندات يتقدَّم على حقِّ المراهقين في فصل دراسي دافئ.

 

من المدرسة.. إلى مكان العمل

التَّطوُّر الأهم هذا الأسبوع لم يأتِ من الإليزيه. جاء من بيان أصدرته الكونفدرالية العامة للعمل يوم 22 أكتوبر بعد لقاء أمينتها العامة صوفي بينيه برئيس الوزراء، دعت فيه العمال إلى عقد جمعيات عمومية «في كل أماكن العمل» لتقرر تعميم الإضراب في الخامس من نوفمبر، يوم الإضراب المهني الشامل الذي حدَّده التحالف النقابي. وقالت النقابة بوضوح: «بالإضراب الواسع سنضع أرباب العمل والحكومة تحت الضغط». وطالبت برفع الأجور والمعاشات وتمويل الخدمات العامة والضمان الاجتماعي، وبالاستجابة لمطالب الشباب، ووقف القمع البوليسي.

ويضم التحالف الداعي إلى يوم الخامس من نوفمبر نقابات CFDT»، و«CGT»، و«FO»، و«Unsa»، و«FSU» بحسب الأناضول، فيما أعلنت تنسيقية «السترات الصفراء» سلسلة تصعيد متدرجة: 24 أكتوبر، ثم 31 أكتوبر، ثم 5 نوفمبر. قال بنجامين بول، محرِّر موقع التنسيقية: «نحافظ على الزخم من أجل الخامس من نوفمبر، لكننا سنبني خطوة خطوة». ويتضمَّن برنامج 31 أكتوبر اعتصامات أمام الجمعية الوطنية ومباني البلديات.

بهذا يكتمل المثلث الذي رأينا فيه في مقالنا السابق أفقًا لتطور الحركة: طلاب ثانويات، ونقابات عمالية، وحركة احتجاج على غلاء المعيشة خرجت من رحم «السترات الصفراء».

تقول جاكوبين، استنادًا إلى أرقام صحيفة «لوموند»، فإنَّ التضخم التراكمي في فرنسا منذ 2019 بلغ 21.7% مقابل زيادة في متوسط الأجور لم تتجاوز 18.7%، وإن سعر الديزل وصل إلى نحو 2.36 يورو للتر في أكتوبر، مقابل 1.50 يورو عند انطلاق انتفاضة «السترات الصفراء» في نوفمبر 2018. المادة القابلة للاشتعال موجودة إذن في كل بيت عامل.

لكن على اليسار الثوري ألا ينخدع بالمشهد. وجود الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل (CFDT)، أكثر النقابات اعتدالًا، في التحالف ليس تفصيلًا. نعلم جيدًا أنَّ البيروقراطية النقابية طبقة وسيطة تعيش على التفاوض بين العمل ورأس المال، وأنها تدعو إلى «يوم» إضراب لتنفيس الغضب لا لتحويله إلى قوة تهزُّ النظام. ونداء الكونفدرالية العامة للعمل نفسه لم يتحدَّث عن إضراب متجدد أو مفتوح، وترك القرار لجمعيات عمومية لا نعرف بعد إنْ كانت ستنعقد بالفعل وبأي حجم.

المعركة الحقيقية في الأيام السبعة المقبلة تدور هنا: هل يكون الخامس من نوفمبر «يوم غضب» آخر يُطوى في المساء، أم بداية إضراب يتجدد بقرار القواعد كما حدث في مايو 1968 وفي ديسمبر 1995؟

 

أوروبا: عدو واحد.. ولغات كثيرة

خارج فرنسا اتسعت الدائرة. وصف ألبرتو أليمانو، أستاذ قانون الاتحاد الأوروبي في مدرسة «HEC باريس»، فرنسا لـ«الجزيرة» بأنَّها «مركز الزلزال»، ورأى حركات متعددة تتقاسم المظالم نفسها: تعليم بلا تمويل، وغلاء معيشة، ومستقبل غامض للخريجين.

في فيينا خرج يوم 22 أكتوبر ما بين عشرين وثلاثين ألف طالب وعامل جامعي، بدعوة من الاتحاد النمساوي للطلاب ونقابة الخدمة العامة، احتجاجًا على ميزانية جامعية للفترة 2028 إلى 2030 تقل بنحو مليارَي يورو عمَّا طلبته الجامعات. وأعلن رؤساء الجامعات أنهم سيلغون وظيفة من كل عشر، كما أورد موقع «فيينا.آت» نقلًا عن وكالة الأنباء النمساوية. وقالت يوليا بارتهايمولر، ممثلة شبكة دعم العاملين في البحث العلمي: «اليوم لن يكون آخر مظاهرة»، ولم تستبعد إضرابًا شاملًا في القطاع.

وفي اليونان ملأ الطلاب وسط أثينا وسالونيك، مطالبين بسكن طلابي ميسور واستثمار حكومي في التعليم، وأعلن المعلمون في أثينا الإضراب. وقالت الطالبة الجامعية فاني خريسانيا لقناة «إس بي إس» الكورية جملة تصلح شعارًا للمرحلة: «العدو واحد، والأسباب التي تدفعنا إلى الشوارع واحدة». ونقلت القناة نفسها أنَّ مجموعة باسم «جيل زد ينهض» دعت إلى احتجاجات متزامنة في نحو عشرين مدينة ألمانية يوم 31 أكتوبر، بينها برلين وهامبورغ وميونيخ.

وفي البرتغال، اقتحمت الشرطة فجر 25 أكتوبر مخيم ساحة روسيو، واعتقلت 25 شخصًا، وفككت مخيمًا آخر في بورتو، بحسب «رويترز» عبر «الجزيرة». يقدّر بنك البرتغال العجز في المساكن بثلاثمائة ألف وحدة، وهو ما يعادل كل المخزون السكني في لشبونة، وأسعار المنازل تضاعفت منذ 2017. وقالت حركة «بيت لنعيش فيه» إنَّ الحكومة «تفضِّل قمع مَن يفضحون أزمة السكن على معالجتها».

وفي إسبانيا المجاورة أجبرت احتجاجات السكن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز على الدعوة إلى انتخابات مبكرة بعد سقوط حزمة الإسكان في البرلمان.

وفي إيطاليا ردَّت جورجيا ميلوني على أحداث ميلانو بتعزيز صلاحيات الشرطة في الاعتقال، بعد أنْ كتبت أن «التظاهر حق، أما إشعال مدننا فليس حقًّا».

خلف هذه المشاهد المتفرقة يقف قرار سياسي واحد. في قمة المجلس الأوروبي منتصف أكتوبر، طالب المستشار الألماني فريدريش ميرتس ودول الشمال المحافظة ماليًّا بخفض ميزانية الاتحاد للفترة 2028 إلى 2034 بـ«عدة مئات من مليارات اليورو»، لتحويل أموال الدعم الزراعي وصناديق التماسك نحو إعادة التسلح، وفق جاكوبين. المعادلة صريحة: مَدافع بدلًا من الفصول، ودبابات بدلًا من المساكن. وحين تقول طالبة يونانية إنَّ العدو واحد، فهي تصف بدقة رأسمالية أوروبية تعيد ترتيب أولوياتها على حساب جيل كامل.

 

درس بلغراد

الحدث الأكثر دلالة هذا الأسبوع جرى في صربيا. يوم 25 أكتوبر حصلت «القائمة الطلابية» على 52.54% من الأصوات مقابل 39.29% لقائمة الحزب التقدمي الحاكم، بنسبة مشاركة 68.78%، وهي الأعلى منذ عقد، وفق الأرقام الأولية للجنة الانتخابات التي نشرها موقع «إن 1». واعترف فوتشيتش بالهزيمة قبل مرور ساعتين على إغلاق الصناديق: «واضح أننا خسرنا هذه الانتخابات». وُلدت هذه الحركة بعد انهيار مظلة محطة قطار نوفي ساد في الأول من نوفمبر 2024 ومقتل 16 شخصًا، وظلت في الشوارع عامين حتى أسقطت حكمًا استمرَّ أربعة عشر عامًا.

يبدو هذا انتصارًا، وهو انتصار فعلي على سلطة فاسدة. لكن قراءة دقيقة للمشهد تكشف الوجه الآخر أيضًا. فبحسب موقع «ميدوزا»، لم تضم القائمة التي حملت اسم الطلاب طالبًا واحدًا بين مرشحيها الـ250. ترأسها أستاذ جامعي طبيب، وضمَّت علماء وخبراء ورياضيِّين ومحافظًا سابقًا للبنك المركزي، وما زال غير معروف مَن سيتولى رئاسة الحكومة. بلغراد تُقدِّم النموذج الذي تحلم به النخب الأوروبية: غضب الشارع يُعاد توجيهه نحو صندوق الاقتراع، ويستبدل وجوهًا بوجوه، ويبقي جهاز الدولة وعلاقات الملكية على حالها. الحركة أسقطت حاكمًا، وتغيير النظام الاجتماعي مسألة أخرى.

 

نضج المطالب.. وفخ اليمين المتطرف

إذا قسنا النضج السياسي بتطور المطالب، فالمسافة التي قطعتها الحركة الفرنسية في ستة أسابيع كبيرة. بدأت بالجداول المرهقة والفصول المكتظة، وانتقلت إلى نظام الفرز الجامعي الطبقي، ثم إلى الأجور وأسعار الوقود والسكن، ووصلت إلى هتافات ضد المليارديرات وضد بقاء ماكرون. والحركة تكتشف بالتجربة الحية ما كان يبدو تجريدًا نظريًّا: أزمة المدرسة جزء من أزمة نظام يدفع فوائد ديونه قبل رواتب معلميه.

لكن النضج لا يُقاس بالشعارات وحدها. ففي أورليان، وبينما كان آلاف يهتفون ضد الفاشية، عقد حزب «التجمع الوطني» مؤتمره، وأُعيد انتخاب جوردان بارديلا رئيسًا للحزب بنحو 99% من الأصوات، وتتصدَّر مارين لوبان استطلاعات الرأي بفارق واسع قبل انتخابات رئاسية لم يبقَ عليها سوى ستة أشهر، متعهدة بـ«استعادة القانون والنظام»، كما أوردت «الجزيرة». هنا الخطر الحقيقي: كل حركة جماهيرية عاجزة عن الحسم تترك فراغًا، واليمين المتطرف يملأ هذا الفراغ بخطاب «النظام» والبحث عن كبش فداء من المهاجرين وأبناء الضواحي، وهم أنفسهم مَن يملؤون صفوف المعتقلين.

واليسار الإصلاحي لا يقدِّم بديلًا كافيًا. حزب «فرنسا الأبية» بقيادة جان لوك ميلانشون يقترح تجميد الدين الحكومي الذي يحمله بنك فرنسا، بحسب جاكوبين، ويحل في المرتبة الثانية بعيدًا خلف لوبان. هذه مقترحات تقنية مهمة، لكنها تراهن على صندوق الاقتراع في أبريل، في حين يتحدَّد ميزان القوى الآن في الشارع وأماكن العمل.

 

هل نحن أمام وضع ثوري؟

نعرف أنَّ الوضع الثوري يولد حين تجتمع حقيقتان: أن «الطبقات الدنيا» لم تعد تريد أن تعيش بالطريقة القديمة، و«الطبقات العليا» لم تعد قادرة على الحكم بالطريقة القديمة. في فرنسا اليوم يتحقَّق الشرطان جزئيًّا. حكومة بلا أغلبية برلمانية تعجز عن تمرير موازنتها، ورئيس في عامه الأخير لا يحقُّ له التَّرشُّح، وأسواق سندات تهدِّد بمعاقبة أي تراجع عن التقشف، ودولة تحظر المظاهرات وتختار المسارات وتستعين بالجيش لحراسة مبانيها. وفي الأسفل أجيال لا تريد أنْ تعيش بالطريقة القديمة، وأجور حقيقية تتآكل منذ سبع سنوات، وغضب ينتقل من الثانويات إلى الجامعات إلى محطات الوقود.

لكن ما يغيب عن كثير من المتحمسين أنَّ الوضع الثوري لا يتحوَّل إلى ثورة تلقائيًّا، وأنَّ الأزمة في جوهرها أزمة قيادة ثورية. وتجربة مايو 1968 نفسها شاهد على ذلك: انتهى أكبر إضراب عام في تاريخ فرنسا بانتخابات أعادت الديغوليين بأغلبية أكبر، لأنَّ ملايين العمال المضربين لم يجدوا تنظيمًا ينقل السلطة من المصانع المحتلة إلى هيئات منتخبة منهم، وتركوا المبادرة لقيادة الحزب الشيوعي والبيروقراطية النقابية التي فاوضت على زيادات الأجور في اتفاقات غرونيل وأعادت الناس إلى العمل.

العنصر الذاتي هو الحلقة المفقودة اليوم أيضًا. أمام الحركة ثلاثة مسارات.

أولها الاحتواء: تنازلات محسوبة في التعليم، وقمع متصاعد، ووعد بانتخابات أبريل، فيخبو الغضب تدريجيًّا أو يتحوَّل إلى أصوات.

والثاني أنْ يقطف اليمين المتطرف ثمار الإنهاك وانعدام الأمن ويصل إلى الإليزيه تحت شعار «النظام».

والثالث، وهو الأصعب والوحيد الذي يحمل تغييرًا حاسمًا، أنْ تتحول الجمعيات العمومية التي دعت إليها الكونفدرالية العامة للعمل إلى حقيقة في المصانع والمستودعات والمستشفيات والمدارس، وأن تنتخب لجان إضراب تتواصل مع لجان الثانويات وتجمعات الأحياء، وأن يصير الخامس من نوفمبر بداية إضراب يتجدَّد بقرار القواعد لا بإذن القيادات.

ولكي يحدث ذلك تحتاج الحركة إلى مطالب تجسر المسافة بين الحاجات اليومية وسؤال السلطة، أي مطالب انتقالية. أول هذه المطالب ربط الأجور والمعاشات آليًّا بالأسعار، أو ما يُعرف بـ«السلم المتحرك للأجور». ومعه وقف دفع فوائد الدين للبنوك قبل تمويل المدارس والمستشفيات، وفرض ضرائب على الثروات الكبرى وأرباح شركات الطاقة التي اغتنت من الحرب، وبناء مساكن عامة بدلًا من تسهيل الطرد، ورفض موازنات التسلح على حساب التعليم. مطالب كهذه تبدو معقولة لكل أم وعامل وطالب، لكن تحقيقها يتطلب كسر منطق رأس المال نفسه.

 

الفصل الثالث

في مقال سابق كتبنا عن «حركة الفصل الثالث» التي دعا إليها الاتحاد النقابي لتلاميذ الثانويات. الفصل الثالث اليوم أوروبي، وتتداخل فيه مدرجات فيينا وشوارع أثينا ومخيمات لشبونة وصناديق بلغراد وميادين باريس. وهو مفتوح على كل الاحتمالات. المراهقون الذين خرجوا في سبتمبر احتجاجًا على فصل بلا معلم انتزعوا في ستة أسابيع ما لم تنتزعه سنوات من «الحوار الاجتماعي»، وكشفوا أنَّ دولة تجد المليارات للدائنين والمدافع وتعجز عن تدفئة فصل دراسي دولة فقدت شرعيتها في عيون جيل كامل. أما الحسم فلن يأتي من الشارع وحده، ولا من صندوق الاقتراع. سيأتي حين يقف العامل إلى جانب الطالب ويغلق الاثنان باب المصنع وباب المدرسة معًا، ويقرران معًا مَن يملك المستقبل. الخامس من نوفمبر هو الاختبار القادم.