عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

قضايا

محمود هدهود

أمريكا وإسرائيل: من التردد إلى التحالف الاستراتيجي.. قراءة في تاريخ العلاقات

2026.09.06

التحالف الأمريكي - الإسرائيلي:

من صواريخ «هوك» بدأ كل شيء

 

ورث الرئيس الأمريكي جون كيندي عام ١٩٦١ تحسناً محدوداً في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في أثناء الولاية الثانية لسلفه دوايت آيزنهاور. ولم تتخلَّ إدارته عن سياسات آيزنهاور، فقد واصل كيندي معارضة الغارات الانتقامية الإسرائيلية، وأيَّد قرار ١٧١ بإدانة مجلس الأمن للهجوم الإسرائيلي على سوريا في مارس ١٩٦٢. فقد شنَّت قوة إسرائيلية برية من لواء الجولاني هجومًا على موقع تل النيرب السوري الحصين المطل على بحيرة طبرية بدعوى الرد على المناوشات الحدودية السورية، ما أسفر عن مقتل ثلاثين جنديًّا سوريًّا وعدد من الجنود الإسرائيليين. كما ظلَّ رافضًا للاعتراف بالمطالب الإسرائيلية المتعلقة بالقدس دون تحفظ. واستمرت إدارته كذلك في مراقبة بعض أنشطة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ومحاولة تحجيمها.

وفي الوقت نفسه، أعاد كيندي إحياء نهج الاحتواء تجاه مصر، فلم يرَ في عبد الناصر مجرد أداة سوفييتية، وإنما اعتبر القومية العربية قوةً سياسيةً لها أسباب داخلية أصيلة. وبدلًا من إجبار الدول غير المنحازة على الاختيار بين واشنطن وموسكو، كان يرى أنَّ الولايات المتحدة ينبغي أنْ تحاول توجيه القومية نحو التنمية الاقتصادية والاعتدال. ولهذا وسَّعت الإدارة بدرجة كبيرة المساعدات الاقتصادية للجمهورية العربية المتحدة، فقد زود برنامج «PL-480» مصر بكميات كبيرة من القمح، إلى جانب اعتمادات لدعم الاستقرار وقروض تنمية. وكان كيندي يأمل أنْ تمنح الروابط الاقتصادية واشنطن نفوذًا على عبد الناصر، وأن تقلل حوافزه للسلوك المتشدد، وتشجعه على توجيه اهتمامه نحو التنمية الداخلية لمصر.

وعكست هذه السياسة تفضيل كيندي المعاملة بالمثل على الإكراه، فهو لم يكن يتوقع أنْ يتخلى عبد الناصر فورًا عن سياساته الأساسية مقابل المساعدات، وإنما راهن على أنَّ الاعتماد على الدعم الأمريكي سيخلق تدريجيًّا مصلحة مصرية في تحسين العلاقات مع واشنطن. وحتى عندما أحبط التدخل المصري في اليمن الإدارة لاحقًا، ظلَّ كيندي مترددًا في تعليق المساعدات لأنه رأى أنَّ خسارة النفوذ الأمريكي قد تدفع مصر إلى مزيد من التَّطرُّف.

وطبَّق كيندي فلسفة المساومة نفسها على إسرائيل، فما زالت واشنطن تريد ضبط إسرائيل، والتَّقدُّم في ملف اللاجئين الفلسطينيين، ومنع التصعيد العسكري الإقليمي. لكن كيندي أصبح مقتنعًا بأنَّ إسرائيل ستكون أكثر مرونة إذا خفت مخاوفها الأمنية. وأصبح صاروخ «هوك» أهم تجليات هذه الاستراتيجية. فقد أقرَّت أجهزة الاستخبارات الأمريكية بأن إسرائيل تواجه ضعفًا حقيقيًّا في دفاعها الجوي، وكانت مصر قد حصلت على طائرات سوفييتية متقدِّمة وتعمل على تطوير قدرات صاروخية. وخشيت واشنطن أنْ يدفع الشعور الإسرائيلي بانعدام الأمن إلى حرب وقائية، ومن ثم فإنَّ توفير نظام دفاع جوي يمكن أنْ يساعد على استقرار ميزان القوة، وردع الهجوم، وتقليل حافز إسرائيل إلى توجيه ضربة استباقية.

لكن كيندي لم ينظر إلى بيع «هوك» باعتباره مجرد خدمة لإسرائيل. فقد كان جزءًا من استراتيجية مساومة أوسع، لا سيما محاولته حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. كان كيندي يرى أنَّ استمرار وجود أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات يغذي العداء العربي لإسرائيل وعدم الاستقرار والفقر، ويوفر للشيوعية فرصًا لاستغلال البؤس الإنساني. ودعم حل يجمع بين عودة بعض اللاجئين وإعادة التوطين والتعويض. فمَن يرغب من اللاجئين في العودة بشرط العيش بسلام داخل إسرائيل قد يُسمح له بالعودة في تصور كيندي، بينما يعاد توطين الآخرين بصورة دائمة في أماكن أخرى، مع تمويل مشروعات التنمية والتعويض دوليًّا.

وبعد دخوله البيت الأبيض بفترة قصيرة، أعاد كيندي تنشيط لجنة التسوية الخاصة بفلسطين. وعُين جوزيف جونسون من مؤسسة «كارنيجي» ممثلًا خاصًّا لها في ١٩٦١، ووضع خطة للاجئين. وكان جونسون يرى أنَّ إسرائيل قد تضطر في النهاية إلى قبول نحو ١٠٠ إلى ١٥٠ ألف لاجئ إذا تعاونت الدول العربية في توطين الباقين وتكفلت الولايات المتحدة بتمويل العملية. ولكن إسرائيل نظرت إلى الاقتراح بارتياب شديد. وكان بن غوريون يعتقد أنَّ منح اللاجئين حرية الاختيار سيخلق ضغطًا في اتجاه عودة واسعة، وهو ما اعتبرته الحكومة الإسرائيلية تهديدًا أساسيًّا لأمن الدولة وطابعها القومي اليهودي. ومع ذلك أيَّد كيندي مساعي جونسون وبحث عن وسيلة لحمل إسرائيل على التعاون.

وأصبح صاروخ «هوك» الحافز الرئيسي. كان مسؤولو وزارة الخارجية يفضلون صفقة واضحة وملزمة تحصل إسرائيل بمقتضاها على صواريخ «هوك» فقط إذا تعاونت رسميًّا مع خطة جونسون وقبلت ترتيبات أوسع للحد من التسلح. أما كيندي ومستشاره ماير فيلدمان فاختارا نهجًا أكثر مرونة، بحيث لا يكون البيع مشروطًا قانونيًّا أو سياسيًّا بموافقة إسرائيل المسبقة على خطة اللاجئين، وإنما تقدم واشنطن الطمأنة أولًا، على أمل أنْ ترد إسرائيل لاحقًا بقدر أكبر من المرونة.

زار فيلدمان إسرائيل في أغسطس ١٩٦٢، وأبلغ بن غوريون أنَّ كيندي قرَّر إتاحة صواريخ «هوك» لإسرائيل. ثم حثَّ الحكومة الإسرائيلية على التعاون بحسن نية مع جونسون. ومثّل العرض تحولاً تاريخيًّا في السياسة الأمريكية التقليدية الرافضة لتزويد إسرائيل بالأسلحة المتطورة. إلا أنَّ الاستراتيجية لم تنتج الاستجابة الإسرائيلية المتوقعة. فقد استمرَّ القادة الإسرائيليون في اعتبار خطة اللاجئين خطرًا بغض النظر عن تحسُّن العلاقات مع واشنطن. ورأت جولدا مائير أنَّ حتى اللاجئين العائدين الذين يعلنون نيتهم العيش بسلام قد يتحولون لاحقًا إلى أدوات في حملة عربية أوسع ضد إسرائيل. ورفضت إسرائيل الخطة رسميًّا في سبتمبر ١٩٦٢. كما رفضتها سوريا، لكن من المنطلق المعاكس تقريبًا، إذ رأت أنها تفرض قيودًا غير مقبولة على التنفيذ الكامل لمبدأ العودة.

انهارت مبادرة جونسون، ومع ذلك لم يلغِ كيندي صفقة «هوك». ولأنه كان قد اختار منذ البداية الاحتواء بدلًا من المقايضة الملزمة، لم يكن من السهل سحب التنازل الأمريكي عندما امتنعت إسرائيل عن تقديم الاستجابة المتوقعة. وكما فشلت تهديدات آيزنهاور في إرغام إسرائيل على تقديم تنازلات إقليمية واسعة، فشل حافز كيندي في إقناعها بقبول خطة للاجئين اعتبرتها تهديدًا لبقائها. ومرة أخرى مال ميزان الإرادة لمصلحة إسرائيل سواء عندما عُرض عليها سيف المعز أو ذهبه. ومع ذلك غيَّر قرار «هوك» طبيعة العلاقة، فقد أنهى رفض الولايات المتحدة بيع أسلحة متقدمة إلى إسرائيل، وجعل واشنطن تتحمل بدرجة متزايدة مسؤولية الحفاظ على جانب من قدراتها الدفاعية. وانتقل التحالف بذلك من التقارب الاستراتيجي الضمني إلى التعاون العسكري العملي.

واتبعت سياسة كيندي تجاه البرنامج النووي الإسرائيلي مسارًا مرتبطًا بذلك، لكنه مختلف جزئيًّا. فقد عارضت الإدارة بشدة الانتشار النووي، وخشيت أنْ يؤدي مفاعل «ديمونة» في النهاية إلى تمكين إسرائيل من إنتاج مواد صالحة لصنع الأسلحة. مع ذلك، فإنَّ المفاوضات حول صواريخ «هوك» لم تشهد اشتراط فرض قيود على البرنامج النووي الإسرائيلي. على النقيض، اعتمد كيندي في البداية على الإقناع، وزار علماء أمريكيون ديمونة، وناقش كيندي القضية شخصيًّا مع بن غوريون. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي الطبيعة السلمية للمشروع، لكنه رفض إغلاق الباب نهائيًّا أمام احتمالات المستقبل. وأعرب كيندي عن قلقه من سباق تسلح نووي عربي -إسرائيلي، لكنه لم يطالب فورًا بتعهد إسرائيلي صريح بالتخلي عن السلاح النووي. وزار علماء أمريكيون «ديمونة» مرة أخرى، ولم يجدوا أدلة تتناقض مع التطمينات الإسرائيلية بشأن الاستخدام السلمي. ولذلك واصلت الإدارة الأمريكية نهجها غير التصادمي نسبيًّا في هذا الملف.

لكن الأمر تغير عام ١٩٦٣. فقد أدت شكوك الاستخبارات الأمريكية في الممارسات الإسرائيلية، وازدياد اهتمام كيندي بالانتشار النووي بعد أزمة الصواريخ الكوبية إلى زيادة قلقه، وبدأ يطالب بعمليات تفتيش أمريكية منتظمة وشاملة لـ«ديمونة». وفي مراسلاته مع بن غوريون ثم ليفي أشكول، أصرَّ على حصول العلماء الأمريكيين على وصول كافٍ إلى المنشأة وعلى إجراء الزيارات بدرجة من التواتر تسمح بالتحقق من طبيعة البرنامج. وأصبحت لغة كيندي أكثر حزمًا بكثير، فقد حذَّر من أنَّ امتلاك إسرائيل قدرة نووية قد يدفع الحكومات العربية إلى الارتماء أكثر في أحضان الاتحاد السوفييتي، ويطلق انتشارًا نوويًّا إقليميًّا، ويضر بالدعم الأمريكي لإسرائيل إذا بدا أنَّ واشنطن غير قادرة على الحصول على معلومات موثوقة من إسرائيل.

ومع ذلك، وحتى خلال هذه المرحلة التصادمية، ظلَّ كيندي يفضل على المستوى الاستراتيجي عقد صفقة بدلاً من الاعتماد على الإكراه الخالص. ودرس إمكانية تقديم ضمانات أمنية أمريكية أقوى لإسرائيل مقابل ضبط النفس في المجال النووي. فإذا أمكن تخفيف المخاوف الإسرائيلية طويلة الأجل بشأن البقاء، فقد تكتسب واشنطن نفوذًا أكبر لمنع الحرب الوقائية الإسرائيلية وكذلك منع الانتشار النووي. وأيَّد مسؤولون في مجلس الأمن القومي، مثل مستشار الأمن القومي روبرت كومر، ربط الضمانات الأمنية بالتزام إسرائيلي بعدم تطوير الأسلحة النووية. أما وزارة الخارجية فظلت متشككة في الضمانات الرسمية، خشية أنْ تضعف النفوذ الأمريكي في العالم العربي، وتشجع إسرائيل على التشدد، وتدفع الاتحاد السوفييتي إلى تقديم ضمانات موازية للدول العربية.

في يونيو ١٩٦٣، استقال بن غوريون من رئاسة الوزراء في إسرائيل؛ بسبب خلافه مع قادة حزبه حول فضيحة لافون التي أراد تحقيقاً استقصائيًّا بشأنها. وأبدى خلفه ليفي أشكول استعدادًا للتحرُّك في اتجاه الاستجابة لمطالب كيندي بشأن التفتيش، مما أدى إلى تخفيف حدة المواجهة. ودرست الإدارة عددًا من الحوافز المحتملة، من بينها الضمانات الأمنية، وضمانات إقليمية، والأسلحة التقليدية المتقدِّمة، وترتيبات أوسع للحد من التسلح الإقليمي. كما حاول الدبلوماسي الأمريكي جون ماكلوي استكشاف إمكانية ربط تقييد البرنامج النووي الإسرائيلي بفرض قيود مماثلة على برنامج الصواريخ المصري، لكن عبد الناصر لم يُبدِ استعدادًا كبيرًا للمشاركة.

وحالت عملية اغتيال كيندي دون وصول هذه الجهود إلى نتيجة. وكان ليندون جونسون أقل انشغالًا بالبرنامج النووي الإسرائيلي، فتراجعت تدريجيًّا المحاولة المعقدة لمقايضة ضبط النفس النووي الإسرائيلي بضمانات أمنية.

لم يكن قرار بيع صواريخ «هوك» إذن انقلابًا ديمقراطيًّا مفاجئًا على سياسة آيزنهاور المناهضة لإسرائيل، كما لم يكن نتاجًا أساسيًّا لأصوات اليهود أو للوبي الإسرائيلي. صحيح أنَّ مستشاري كيندي كانت لديهم قنوات اتصال أكثر مع المنظمات المؤيدة لإسرائيل مما كان متاحًا في عهد آيزنهاور، لكن عالم السياسة الإسرائيلي أبراهام بن تسفي يرى في كتابه «عقد من التحول» أنَّ الشواهد التاريخية لا تدل على أنَّ اللوبي اليهودي كان له دور يذكر في صفقة صواريخ «هوك». بل إنَّ كيندي كان يغضب أحيانًا من الانتقادات الصهيونية وانتقادات أعضاء الكونغرس لسياساته، خصوصًا تجاه تقاربه مع عبد الناصر، بل عكس القرار عملية استراتيجية بدأت في عهد آيزنهاور. فقد أظهرت أزمات ١٩٥٨ الفاعلية العسكرية الإسرائيلية، واستقرارها السياسي، واصطفافها مع الغرب، واستعدادها للتعاون مع الأهداف الأمريكية. وحوَّل كيندي هذا التقييم إلى سياسة عملية. وكان إسهامه المميز هو إدماج التعاون الاستراتيجي في فلسفة احتواء لا إكراه، فكلما ازدادت إسرائيل أمنًا، كان من الممكن في اعتقاده أنْ تصبح أكثر مرونة وطوعًا.

وعمَّقت إدارة جونسون هذا الاتجاه، فبمجرد أنْ قبلت الولايات المتحدة مسؤولية الحفاظ على التوازن العسكري الإسرائيلي، أصبحت قرارات الأسلحة اللاحقة امتدادًا لالتزام استراتيجي قائم. وافق جونسون على تزويد إسرائيل بدبابات M-48 باتون عام ١٩٦٥، ثم بطائرات «سكاي هوك» ابتداءً من ١٩٦٦، في وقت كانت فيه المساعدات العسكرية السوفييتية لمصر وسوريا والعراق تتزايد. وهكذا تجاوزت العلاقة العسكرية بكثير حدود صفقة «هوك» الدفاعية.

ومع مرور الوقت أصبح نموذجا المصلحة الاستراتيجية، والعلاقة الخاصة، يعزِّز كل منهما الآخر. ففي سنوات آيزنهاور الأولى، بدا النموذجان متعارضين. حيث كان التعاطف مع إسرائيل يناقض علاقات الولايات المتحدة بالعالم العربي، وبالتالي يناقض المصالح الأمريكية في الحرب الباردة. أما بعد ١٩٥٨، فقد أصبحت إسرائيل تبدو مفيدةً لهذه المصالح كأداة تهديد. وهكذا أصبح من الممكن للحجة الثقافية المؤيدة لإسرائيل كشريك غربي وضحية للنازية في أوروبا، أنْ تتعايش مع حجة استراتيجية قائمة على ميزان القوى.

سمح ذلك بازدياد أهمية القوى الداخلية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل، فقد كان الكونجرس والمنظمات اليهودية الأمريكية والرأي العام المؤيد لإسرائيل قادرين أحيانًا على منع الإدارات من ممارسة ضغوط شديدة، أو على الدفع في اتجاه مزج المطالب بالحوافز.

وأسهمت هذه القوى في وضع الحدود التي يمكن أنَّ تعمل داخلها السياسة الأمريكية. ولهذا كان التحالف الذي نشأ متينًا بصورة خاصة، لأن عاملين اندمجا معًا، فلم تعد إسرائيل تمتلك فقط جماعات متعاطفة معها داخل المجتمع الأمريكي، وإنما بات لها أيضًا دور استراتيجي مقبول ومتزايد الأهمية. وفي المقابل أصبحت الشراكة الاستراتيجية أقوى سياسيًّا لأنها استطاعت الاستناد إلى رصيد سابق من التعاطف الأمريكي مع إسرائيل.

ومن ثم يمكن تقسيم التحول بين عامي ١٩٥٢ و١٩٦٢ إلى ثلاث مراحل كبرى. ففي الولاية الأولى لآيزنهاور، حاولت واشنطن بناء نظام دفاع إقليمي يتمحور حول الدول العربية، ورأت إسرائيل أساسًا باعتبارها عقبة، وحاولت ضبط سلوكها من خلال الإكراه مع حرمانها من السلاح والضمانات الأمنية. وقد فشلت هذه الاستراتيجية إلى حد كبير عندما اصطدمت بقضايا رأتها إسرائيل متصلة مباشرة ببقائها.

وخلال الولاية الثانية لآيزنهاور، أُصيبت الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية بإخفاقات، فقد أعادت القومية العربية المتجذرة، والانقسامات بين الدول العربية، والعلاقات السوفييتية بمصر وسوريا، والثورة العراقية، والأزمات في الأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وعدم موثوقية الحلفاء المفترضين، تشكيل الخريطة الاستراتيجية الأمريكية. وأظهر سلوك إسرائيل خلال أزمة الأردن عام ١٩٥٨ أنها تستطيع أنْ تعمل باعتبارها قوةً إقليميةً مواليةً للغرب ويمكن الاعتماد عليها. ولذلك تراجعت محاولات الإدارة لإجبار إسرائيل على تغيير الشرق الأوسط، وبدأت ترى قوتها العسكرية باعتبارها أصلاً استراتيجيًّا أمريكيًّا في المنطقة.

وورث كيندي هذا التحول الاستراتيجي، فلم يتخلَّ عن الاهتمام الأمريكي بالعلاقات الجيدة مع الدول العربية، ولم يربط السياسة الأمريكية بإسرائيل بشكل حصري. بل استثمر بقوة في تحسين العلاقة مع عبد الناصر واستمرَّ في انتقاد الأعمال الإسرائيلية التي اعتبرها مهددة للاستقرار الإقليمي. ومع ذلك كان يعتقد أنَّ الولايات المتحدة تستطيع التعاون مع إسرائيل من دون أنْ تضحي بالضرورة بعلاقاتها العربية. ولذلك حوّل التصور الذي نشأ في أواخر عهد آيزنهاور لإسرائيل باعتبارها أصلًا استراتيجيًّا إلى علاقة عسكرية ملموسة.

ومثلت صفقة «هوك» في أغسطس ١٩٦٢ الخطوة المؤسسية الحاسمة. فدلالتها لم تكن في السلاح نفسه فقط، وإنما في أنَّ الولايات المتحدة تجاوزت العتبة التي كانت تفصل بين رفضها أنْ تصبح موردًا مهمًّا للسلاح لإسرائيل، وبين قبولها تحمل مسؤولية مباشرة عن جانب من جوانب أمنها العسكري. ولم يكن هذا القرار ممكنًا لولا التطور الاستراتيجي الذي حدث في السنوات السابقة.

وفي الوقت ذاته كشفت إخفاقات استراتيجية آيزنهاور القسرية واستراتيجية كيندي القائمة على الاحتواء حدود النفوذ الأمريكي. فلم يستطع آيزنهاور إجبار إسرائيل بالتهديدات على التخلي عن الأرض المحتلة، أو تقييد الهجرة اليهودية، أو تعديل عقيدتها الأمنية بصورة جوهرية. ولم يستطع كيندي شراء قبول إسرائيل بخطة جونسون للاجئين، من خلال طمأنتها عسكريًّا. وسواء استخدمت واشنطن العصا أو الجزرة، ظلت إسرائيل مقاومة عندما اعتقد قادتها أنَّ القضية تمس بقاء الدولة.

ولذلك كان هذا العقد انتقالًا لا من العداء الأمريكي إلى الصداقة مع إسرائيل بمعنى عاطفي بسيط، وإنما من تصور استراتيجي لإسرائيل إلى تصور استراتيجي آخر. ففي ١٩٥٣، بدت إسرائيل لواشنطن مشكلة تعوق تنظيم العالم العربي في مواجهة موسكو. وبحلول ١٩٥٨، أخذت تبدو قوةً إقليميةً قادرةً على موازنة القوى التي اعتبرتها واشنطن تهديدًا. وبحلول ١٩٦٢ تحوَّل هذا التصور إلى تعاون عسكري ملموس.