عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

فنون

وسام سليمان

السناريست عاصم توفيق في ذكراه

2025.03.02

مصدر الصورة : آخرون

غريب في زمن لا يشبهه

 

فى  صيف عام 2000، وكنت وقتها أعمل في التليفزيون المصري على إعداد حلقات تسجيلية عن كتاب السيناريو في مصر. خصصنا حلقة  للكاتب عاصم توفيق، الأستاذ الذي تعلمنا الكثير من أفلامه، الحوار الذكي،  بناء الشخصيات، والمشهد المكتوب بلغة سينمائية خالصة.

ورغم أن كل ما كتبه للسينما خمسة أفلام فقط، فإن ثلاثة منها استحقوا أن يكونوا في قائمة أهم مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.

في سنة 1984 عرض عليه المخرج محمد خان رواية إنجليزية بعنوان: "براعم الربيع" للكاتب هربرت إرنست بيتس ليحولها إلى فيلم سينمائي، لم يقتنع عاصم في البداية، فالريف الإنجليزي مختلف وحس الدعابة هناك لا يشبه روح الدعابة المصرية، لكن خان قال له: "نعمل فيلم زي قطعة الشوكولاتة".

حرر عاصم نفسه من الرواية وإن استوحى فكرتها الأساسية، وتحولت الرواية الإنجليزية إلى دراما بشخصيات وروح دعابة من عمق البيئة المصرية في فيلم "خرج ولم يعد".

رسم عاصم شخصية "عطية" الموظف المصري بعالمه المحدود، قدمه في بيته القديم المتهالك، في عمله وسط الملفات المتراكم عليها التراب. يرتعب عندما يطلبه المدير في مكتبه؛ فيتجه إلى زملائه يسأل بقلق: "هل فعل شيئًا؟ هل ارتكب ذنبًا؟"، غير أن المدير يهنئه بدرجة وظيفية جديدة، وإن كانت بسيطة، ولكنها خطوة في طريق الترقي إلى منصب المدير العام بعد عشرين عامًا، وهو أقصى ما يحلم به تنفيذًا لوصية والديه، رحمهما الله.

إنه حلم الطبقة المتوسطة الذي تراكم عليه، وعليها غبار الزمن، فلم يروه وهو يتهدم أمام عيونهم.

تعودت عيونه على زحام وفوضى المدينة، ولم يستطِع في البداية أن يرى بنظارته الثقيلة الجمال في قريته "العزيزية"، والتى يضطر إلى السفر إليها ليبيع عدة أفدنة ورثها عن أسرته، فيتعرف هناك على "كمال بيه" وعائلته ليتغير مصيره إلى الأبد.

نرى كمال بيه لأول مرة مستغرقًا في قيلولة قبل الغداء اللذيذ وسط أشجار الموز وحبات البرتقال واليوسفي، بينما ابنته التى يناديها الضيف "خيرية هانم" فهي هانم بالجلابية الفلاحي، نراها "مشمرة" بنطلونها ومستغرقة في تحميم حمارها. تنادي على والدها لتوقظه من غفلته، ثم تسرع إلى أمها في المطبخ تخبرها بقدوم ضيوف لتعمل حسابهم معهم في وجبة الغذاء.

كمال بيه من أسرة إقطاعية قديمة. تحفهم، وصورهم المعلقة على الحائط هو ما تبقى من تاريخ  العائلة العريق، تزوج البيه ابنة الجنايني وهى فلاحة أصيلة، خصبة، عذبة وقوية، أنجبت له ست من البنات يناديهن الوالد بأسماء الفاكهة التى يعشقها: "خوخة"، "برقوقة" "مشمشة"، وهكذا..

وفى مشهد ساحر يقدم الكاتب فلسفة هذه الأسرة البسيطة والغريبة بالنسبة للبطل: عندما يخرج عطية من حجرته في ڨيلا كمال بيه فيجد صمتًا غريبًا مسيطرًا على أهل البيت، ثم يراهم في إضاءة شاشة التليفزيون الخافتة، وقد جلسوا جميعًا يتابعون شاشة صامتة بلا صوت، يندهش عطية، هل هناك خلل في صوت التليفزيون؟ أم أنهم قصدوا أن يكتموا الصوت؟! إنها طريقتهم في الاسترخاء، لا يحتاجون إلى أن يرهقوا أنفسهم وحواسهم  بعد يوم صاخب بالحركة والحياة، إنه وقت الدخول في عالم الأحلام.

- "دي فكرة ماما"

تشرح له خيرية أو "خوخة" بصوت هامس، فيضحك بطفولة:

- "أنا قلت كده برده".

قرأ بعض النقاد فيلم "خرج ولم يعد" على أنه مقارنة بين المدينة والريف أو كأنه دعوة للهجرة إلى الريف، واعتبره بعضهم إعادة للوهم الجميل الذي جسدته غنوة محمد عبدالوهاب "محلاها عيشة الفلاح"، وخاصة أن ريف الثمانينيات لم يعُد حتى الريف المصري بخضرته وخصوبته.

ولكن هل موضوع الفيلم هو المدينة والريف؟

فى أحد المشاهد يستيقظ عطية من نومه في الفجر على صوت كروان يتردد صداه من مكان قريب. يقوم وينظر من النافذة فيتوقف مشدوهًا أمام جمال المكان، وكأنه يراه لأول مرة، عندما يسأل خوخة عن مصدر صوت الكروان:

- "بتسمعيه فين؟"

- "في الجنة بتاعتي"

وتأخذه خوخة في فجر اليوم التالي إلى جنتها الصغيرة وهي عبارة عن: أشجار متعانقة، بحيرة صغيرة، وصوت الكروان يبارك حبهما الوليد.

ليس الريف أو القرية هو ما هرب إليه عطية ولم يعُد، بل هرب من نفسه المسجونة وعالمه المحدود إلى البراح والحرية.

***

 كنت أعرف أن الأستاذ عاصم توفيق مبتعد تمامًا عن الإعلام، ونادرًا ما يجد له المرء لقاء تليفزيونيًّا أو إذاعيًّا أو حتى حوارًا في جريدة أو صحيفة، رغم أنه واحد من أوائل من رسخوا للكتابة التليفزيونية، وهو صاحب واحد من أشهر المسلسلات الاجتماعية -كتبه بالاشتراك مع ابن خالته السيناريست مصطفى كامل- وهو مسلسل "القاهرة والناس" الذي ناقش  مشاكل جيله من الشباب وعكس أفكار المجتمع الذي كان يعيش ما بعد زلزال 1967.

***

كنا قد دخلنا زمن التليفون المحمول وإن ظل عدد محدود يرفض الاختراع الجديد حرصًا على خصوصيته، وتوقعت أن الأستاذ عاصم واحد من هؤلاء الرافضين، ولكني استطعت الحصول على رقم تليفون المنزل.

وجدت رسالة بصوته من  جهاز "الأنسر ماشين"، تركت له رسالة قصيرة على أن أعاود الاتصال به، ولكنني فوجئت في الصباح التالي بأمي توقظني من النوم: "الأستاذ عاصم على التليفون".

أتانى صوته الهادئ يعتذر لي بكل تهذيب عن عدم رده بالأمس، ثم أتبعه باعتذار آخر عن تصوير اللقاء التليفزيوني:

- مش عاوز أكون زي الناس اللي بييجوا يتكلموا عن نفسهم عشان يفكروا الناس بتاريخهم.

شعرت أنه رغم رقته قاسٍ على نفسه، فليس هو من يحتاج إلى التحدث عن نفسه بل نحن من نحتاج إلى سماعه وتأمل أعماله.

"عيد ميلاد رمزي" كان العنوان الأول لفيلمه الأخير مع المخرج محمد خان في 1990، الذي تغير إلى "سوبر ماركت".

رمزي بطل الفيلم فنان موسيقي انتهى به المطاف إلى العمل بيانيست في بار أحد الفنادق ذات الخمسة نجوم، وفى المقابل دكتور عزمي الطبيب الجراح صاحب المستشفى الاستثماري وهو أيضًا مليونير، يعتقد أنه بالنقود يستطيع أن يشتري كل شيء، وأي شيء حتى  الشباب وحتى الحب، ولكن ماذا عن الفن (الموهبة)؟

من خلال دكتور عزمي يتعرف رمزي على عالم الأثرياء وأصحاب الملايين، يفكر بيأس: "لِمَ لا يصبح مليونيرًا فتنتهي كل مشاكله"، ويطلب من المليونير أن يعلمه كيف يصبح مليونيرًا؟

الدرس الأهم الذي يعطيه المليونير للفنان: "عشان تبقى مليونير لازم تتنازل أخلاقيًّا".

لا يتخيل رمزي  شكل أو إلى أي مدى يمكن أن تصل تلك التنازلات، ولكن أولها يتحقق عمليًّا في مشهد ذكي كتبه عاصم توفيق بحِرفية:

عندما يحضر رمزي اجتماع رجال الأعمال الكبار، يتفرج مبهورًا على عزمي متألقًا وسطهم، وهو يتحدث عن مشاريع بالملايين، وينتهي الاجتماع، يتوجهون إلى الخارج، يلتفت عزمي  وراءه، يستوقف رمزي ويقول له أمام الجميع:

- رمزي، الشنطة من فضلك.

تبدو المفاجأة على وجه رمزي، ويتوقف فقط  لثوانٍ معدودة كأنه يفكر: هل يفعلها أم لا؟

المليونير يريد أن يتسلى باللعب، يغار من كبرياء الفنان رغم فقره، هو الذي لم يفلح أبدًا حتى في تعلم السلم الموسيقي.

يحمل له رمزي الحقيبة، ويدرك بعدها أنه كان التنازل الأخلاقي الأول.

نفس الهم الاجتماعي الموجود في كل الأفلام التى كتبها عاصم توفيق، الطبقة الوسطى التى يخرج منها الفنان والعالم والمفكر لا تجد لها مكانًا، وتنهار بقيمها تحت أعباء فوق طاقتها.

كان عاصم يقول لـ محمد خان "لو جمهورنا خمسة مليون يا محمد احنا راضيين".

وكان يقصد أنهما لا يصنعان  أفلامًا لتدر الملايين، "يكفي أن يظل لها جمهورها الذي يمولها وتنجح نجاحًا معقولًا يسمح  بعمل الفيلم التالي".

فى منتصف التسعينيات صدرت قوانين جديدة تخص السينما. أصبح بموجبها الموزع، هو المنتج، هو صاحب دور العرض، واختفى المنتج الصغير وتقلصت دور العرض القديمة في وسط القاهرة والمحافظات، أصبحت السنيما جزءًا من المراكز التجارية الكبيرة، وأصبح هناك ما يسمى جمهور المولات و"أفلام المولات"، وهو جمهور مختلف تمامًا عن الخمسة ملايين الذين كان يقصدهم عاصم، وأغلبهم حذفوا فسحة السينما من الميزانية بعد ارتفاع ثمن التذكرة وغلاء المعيشة.

رغم إحباطي من عدم موافقة الأستاذ عاصم على إجراء الحوار فإننى تفهمت حساسيته ولم أشأ أن أثقل عليه بإلحاحي، ولكنه قال -محاولًا التخفيف عني- إنني سأكون أول من يسجل معها حوارًا عندما يكتب فيلمًا جديدًا، استبشرت خيرًا:

- وعد يا أستاذ؟

فضحك:

- أوعدك.

ولكنه رحل بعد أقل من عام من هذه المكالمة بالتحديد في مارس عام 2001، ثم  شاء القدر أن أتقابل والمخرج محمد خان بعد ذلك بعدة سنوات.

***

لم يكن محمد خان يناديه إلَّا بـ"عاصم بيه"، فهو يعتبره الصديق والأستاذ وهو الذي كتب ثلاثة من أهم وأجمل أفلامه.

حكى لي المخرج محمد خان أنه عندما كتب سيناريو لفيلم كامل لأول مرة بعنوان: "نسمة في مهب الريح" -لم ينفذ- عرضه  خان على عاصم لكي يبدي رأيه في كتابته، وكان رأيه  وتشجيعه يعني له الكثير.

كما حكى لي أن صداقة عميمة كانت تجمع بين عاصم توفيق والفنانة سعاد حسني -رغم أنهما لم يعملا معًاـ كانت ترتاح كثيرًا لرأيه، وكم طلبت منه أن يكتب لها سيناريو لتعود به للسينما بعد غياب، رغم أنها تعرف بداخلها أن سبب غيابها وغيابه واحد تقريبًا؛ الحساسية المفرطة، والغربة داخل زمن لا يشبههما.

الغريب أن سعاد رحلت بعد عاصم بثلاثة أشهر فقط.

***

فى فترة السبعينيات شارك عاصم مع السيناريست مصطفى كامل فى كتابة فيلمين مهمين للمخرج حسين كمال؛ الأول كان عن رواية للكاتب إحسان عبدالقدوس وهو "أنف وثلاث عيون".

أما الفيلم الثاني فهو "النداهة"، وهو عن رواية الكاتب يوسف إدريس سنة 1975.

سافر بعدها إلى دولة قطر، وعمل هناك لسنوات مشرفًا على الإنتاج الدرامي، علم خلالها الكثير من طلاب السينما وكتاب السيناريو القطريين، الذين ظلوا يراسلونه ممتنين لأستاذهم بعد عودته واستقراره في مصر.

وبعد العودة إلى الوطن كتب عاصم سيناريو فيلم "عودة مواطن"، الذى أخرجه محمد خان عام  1986.

الفيلم  عن أسرة من الطبقة المتوسطة تعيش في ضاحية حلوان. يسافر الأخ الأكبر إلى إحدى دول الخليج لكي يستطيع الإنفاق على إخوته في مصر، وبعد عودته، يجد أن كل شيء قد تغير تمامًا ولم يعد له مكان.

قال محمد خان في إحدى المرات إن "عودة مواطن" هو الأقرب إلى تجربة عاصم  توفيق الشخصية.

مِثل شاكر بطل الفيلم،  صُدم عاصم بعد عودته إلى مصر بتحولات اجتماعية كبيرة جعلته يشعر بالغربة في داخلها.

ثار بين عاصم وخان جدل حول نهاية الفيلم.

كانت النهاية الأولى أن يأخذ شاكر قراره ويذهب بحقائبه إلى المطار ليعود من حيث أتى.

ولكن خان وجد أن هذه النهاية قاسية، وأراد أن يكون هناك بريق أمل ما، فجعل البطل وبعد أن يصل إلى مطار القاهرة يظل معلقًا عاطفيًّا، لا هو قادر على المغادرة ولا تطاوعه نفسه على العودة.

أتساءل أحيانًا وأنا أشاهد اللقطة الأخيرة في الفيلم: أيُّ النهايتين أقل قسوة؟   

كان أستاذنا في قسم السيناريو بمعهد السينما الدكتور محمد القليوبي يشدد علينا في كل مناسبة أن السيناريو ليس مجرد حرفة، فالسيناريست هو كاتب في الأساس له عالمه ورؤيته وبدون هذا الكاتب لم تكن لتتطور السينما خطوة أبعد من كونها اختراعًا مسليًا.

وظل عاصم توفيق مثالًا فريدًا لهذا الكاتب السينمائي الذي قلَّما يجود به الزمان.